الرئيسية » مقالات » الثقافة العراقية.. كفاها استلابا ونهشا!

الثقافة العراقية.. كفاها استلابا ونهشا!

بعد تأخر، أو فشل، الوزارة المختصة في ترميم خراب الثقافة العراقية، بسبب إهمالها وجعلها من الوزارات الثانوية، تنادى كُتاب وأدباء وشعراء وباحثون وفنانون وصحافيون إلى تشكيل مؤسسات، وإقامة أسابيع ملأى بالمعارف. وأكثر من هذا أعاد ذلك النشاط إلى الشتات الثقافي التواصل من جديد. وقبل عام أقيم بعَمان مهرجان تحت شعار «عراقيون أولا»، أفرز فكرة تأسيس مؤسسة ثقافية، لا تدعي الواحدية. أسفرت عن دعوة أكثر من مائتي مثقف وعامل في مجال الثقافة إلى مؤتمر بعمان (14 – 16 مايو2007)، وقد جرت أعماله في النور، وكان أكثر الحضور من داخل الوطن. وأسفر المؤتمر عن انتخاب أمانة عامة، وأمين عام، ورئيس للمجلس، جرى بأسلوب لا تشوبه شائبة.

وما أن أُعلن عن المجلس إلا وتولى مَنْ تولى النهش في أعضائه، بتأويلات ومتهيئات غريبة عجيبة. فمنذ متى أصبح عميد المسرح العراقي يوسف العاني لا يمثل الثقافة العراقية؟! والشاعر ألفريد سمعان والناقد فاضل ثامر، وهما وبقية زملائهما، يتحملون مهام اتحاد الأدباء وسط المخاطر، بعيدين عن الهم الثقافي! ومنذ متى أصبح نقيب المعلمين الأقدم نجيب محيي الدين والشخصية المعروفة نصير الجادرجي خائنين لوطنهما! أو يُطعن بضمير الحقوقي والكاتب ووزير العدل هاشم الشبلي! ومنذ متى عُد الأديب مالك المطلبي متواطئاً ضد الفعل الثقافي! ومنذ متى لم يعد النحات محمد غني حكمت رمزاً من رموز الفن العراقي! كل هؤلاء وغيرهم حضروا وأسسوا.

وفي أسبوع «المدى» السنوي الخامس بأربيل (28 أبريل- 6 مايو 2007) شاهدت تمازج الدموع بين زملاء افترقوا لثلاثين سنةً، وقدمت الفرقة الشعبية البصرية تراثها وسط إعجاب منقطع النظير، بعد أن طوردت بالبصرة، واغتيل مَنْ اغتيل من رموزها. وأقيمت ندوة عامرة حول إحياء أهوار جنوب العراق بعد تجفيف مدمر، حرص على إدارتها وزير الموارد المائية شخصياً. وتقابل إسلاميون وعلمانيون في ندوات مريحة، شابها الاختلاف المتحضر. وأقام التشكيليون معارضهم. وعرض المسرحيون فنونهم. وتصدى الاقتصاديون على طاولتهم لقانون النفط بقوة. وقدم أهل التراث الشعبي بحوثهم. ومع ذلك لم تسلم تلك الأسابيع من النهش العَضوض. أيعقل أن الستمائة كاتب وأديب وشاعر وفنان، من العرب والعراقيين، حضروا الأسبوع الأخير عملاء للصهيونية. ولا ندري ما المطلوب من أربيل فعله حتى لا تكون صهيونية!!

ليس خافياً، واجهت الثقافة العراقية وتواجه تراجعاً مريعاً، فهناك مَنْ يحاول من الداخل إخضاعها اليوم عنوة للفكر السياسي الديني، مثلما يحاول من الخارج الكارهون لأي عمل إيجابي إعادتها للفردية القيصرية. وسيحكم بالتوجهين معاً على موروثنا الثقافي والحضاري بالردة والمعصية، وعلى كل مؤسساتنا خارج التسلط والنخبوية بالعمالة والزيف. وقد نظر مَنْ نظر إلى الثقافة بأنها مجال الطبل والمزمار حسب! والسؤال كيف نتعامل مع مَنْ يغفل أن الطبل والمزمار فنان عالميان، وإرثان عربيان؟ وكيف يتم التعامل مع مَنْ لا يرى في الثقافة إلا تصفيقاً وهلاهل لتمجيده، وإلا هي ثقافة عملاء ومجرمين على حد عبارته؟!

التقيت مؤخراً بأحد قيادات الأحزاب الدينية العليا، وفي ذهني تلك الخلفية، فأثرت معه محاولات الهيمنة على الثقافة، تحت اسم الثقافة أيضاً. قلت له: «ما شأنكم والثقافة، وانتم أهل فقه من قبل، وأهل سياسة الآن»؟ قال: «الجهل كثير ونحاول تثقيف المجتمع»! قلت: «لكن الثقافة المعترف بها نثراً وشعراً لم تكن من هاجس فقهاء الدين، لأنها فعل مشاكس ومتمرد. والجاحظ (ت 255 هـ)، وهو لا تخلو مكتبة من مكتبات أولياء الدنيا والدين من مؤلفاته، كتب ما لا ترضونه. وإذا قرأتم لأبي حيان التوحيدي (ت 414 هـ) وجدتم ما كتب من المعاصي، مع أنه كتب بفن لا يوصف». ورغم أدب الرجل الجم، ليس على شاكلة النهاشين، إلا أنه ظل مصراً على ولوج مجال الثقافة بما يهلك الثقافة.

وأزيد على ما سبق: طلق الشاعر المطبوع والمجتهد في الفقه محمد سعيد الحبوبي (قُتل 1915) «الشعر ثلاثاً، بل طلاقاً تاسعاً، فعاد وكأنه يحسبه عليه حراماً مؤبداً، ويحسب مَنْ لا علم له به أنه لا يعرف شيئاً منه أبداً» (الخاقاني، شعراء الغري). فقصيدته ذات المطلع: «لح كوكباً وامش غصناً والتفت ريما.. فإن عداك اسمها لم تعدك السيما»، لا تؤهل صاحبها الإبحار في علوم الفقه والتفرغ للاجتهاد. لذا جعل الأبيات، في ما بعد، تهنئة لأحد سدنة الروضة الحيدرية، مع أن تسعة عشر بيتاً في مجلة «العرفان» نشرت (أبريل 1909) تحت عنوان «حسناء عراقية». ومن مقدمات ضياع الثقافة ومنها الثقافة الشعبية أن أخذت ظاهرة ما يُعرف بالعراق الكوالة (الكاف الفارسية) بالاختفاء، وقيل إنها من مخلفات حضارة سومر، يؤتى بها لتذكر محاسن الموتى طوال أيام العزاء شعراً، فما حصل أن تحولت المراثي كافة إلى المجلس الحسيني، وهنا ضاع ضرب من ضروب الأدب الشعبي! هذا وتأتيك البقية!

صفوة القول، هناك جامع ما بين الهيمنة على الثقافة باسم الدين والشعائر وبين الناقمين المشككين على كل فعل ثقافي باسم الوطنية. إنها الغلواء وطرفاها الملتقيان، والمحصلة هو استلاب الثقافة. عموماً، كان يمكن أن تُقدم النقود، لهذا المجلس أو سواه، بأسلوب حضاري، لا بأسلوب النهش والتخوين! لكنها النفوس وما جبلت عليه من شيم وطباع! هناك عدم شعور بمَنْ يعثرون بأذيال أكفانهم في كل خطوة إلى صباحية ثقافية، وتكفي الأشلاء والدماء ورماد الكتب في شارع المتنبي دليلا على فداحة الكارثة. لم أسمع ممَنْ هم قاب قوســين أو أدنى من الموت غير التفاؤل بما حدث في أسبوع المدى، ومؤتمر عمان، وأرى تفاؤلهم هو الفصل.

الشرق الاوسط