الرئيسية » مقالات » ضوء في نهاية النفق العراقي !

ضوء في نهاية النفق العراقي !

الشرق الاوسط

لا يوجد هناك الكثير الذي يدعو إلى التفاؤل في العراق، فأخبار القتل والتدمير لا تزال في مقدمة الصورة، ورغم تطبيق ما يعرف بالخطة الأمنية الجديدة فإنه لا يوجد تحسن ملحوظ في أرقام القتلى من العراقيين في المعارك الجارية، بل ان هناك ـ في الحقيقة ـ ما يشير إلى تدهور الأحوال العراقية. فبعد أن كان عدد القتلى في شهر يناير 379 فإن هذا العدد ارتفع إلى 622 في فبراير ثم كان 617 في مارس وعاد إلى الارتفاع مرة أخرى حينما وصل إلى 634 في أبريل. وليس معنى ذلك أنه لا توجد بعض التغيرات في الموقف المتدهور، منها على سبيل المثال أن القتل من خلال السيارات المفخخة صار أكبر من القتل عن طريق العمليات الانتحارية، كما أن القتلى من الشيعة ـ 285 في يناير و459 في فبراير و483 في مارس و 413 في أبريل ـ صار أكبر بكثير من القتلى من السنة (23 في يناير و70 في فبراير و74 في مارس و80 في أبريل) عما كانت عليه أحوال القتل في العام الماضي.

ولكن هذه الصورة المأساوية لا ينبغي لها أن تحجب عنا وجود بعض الضوء في نهاية النفق أو بتعبيرات أخرى وجود بعض العناصر الإيجابية في الصورة قابلة للتطوير والوصول إلى التحسن في الموقف العراقى الميئوس منه. فمن الناحية الأمنية يوجد عدد من التطورات الهامة وفقا لما جاء في «فهرس العراق أو Iraqi Index» الذي يصدره معهد بروكينغز الأمريكي مرتين أسبوعيا، ويشكل المرجع الاساسي في متابعة الأحوال في العراق. وأولها أنه رغم عدم وجود انخفاض في أعداد القتلى العراقيين فإن ما يعود منها إلى أسباب الحرب الطائفية بين السنة والشيعة قد تراجع بمقدار الثلثين عما كان عليه الحال في شهر يناير الماضي، وهو ما يعني هبوطا في احتمالات الحرب الأهلية حتى لو استمر اتجاه العنف قائما بسبب الإرهاب أو الصراع السياسي أو حتى مقاومة الاحتلال. ويعود هذا الانخفاض في الأساس إلى تراجع في توجهات المليشيات الشيعية نحو قتل السنة خاصة من قبل جيش المهدي الذي يحركه مقتدى الصدر والذي انسحب من الصورة مؤقتا ولكن الانسحاب لا يعني الاختفاء أو انتفاء التأثير أو إمكانية العودة مرة أخرى إلى الساحة. وثانيها أن هناك اتجاها متزايدا لدى القبائل السنية في محافظة الأنبار خاصة لمعارضة تنظيم القاعدة ومقاتلته، وكان نتيجة ذلك انخفاض عدد الهجمات في منطقة الرمادي من حوالي 25 هجمة في الأسبوع في شهر يناير الماضي إلى 4 خلال الأسابيع الأخيرة. وهذا الاتجاه له صبغة عسكرية قادرة على القيام بعمليات يستخدم فيها السلاح لحصار الاتجاهات المتطرفة والمتشددة، كما ان له جانبا سياسيا يتعلق برفض اتجاهات الفوضى والتفكيك الجارية في المجتمع العراقي والتي آن الأوان لوضع نهاية لها.

والحقيقة أن ما كان محدودا على الساحة الأمنية كان أكثر اتساعا على الساحة السياسية الداخلية والخارجية، فحركة قبائل السنة عكست اتجاها سنيا عاما للتعاون أكثر مع الحكومة العراقية من اجل توفير الظروف الملائمة لإنهاء الاحتلال في البلاد، وفي المقابل فإن المجلس الأعلى للثورة الإسلامية لم يضغط فقط على المليشيات الشيعية حتى دفعها إلى التراجع، وإنما أزال أيضا من اسمه كلمة «الثورة» وأعلن اعتباره للسيستاني كمرجعية عليا وهو ما يعني خلق مسافة كبيرة مع إيران، فالمرجعية تقع في النجف وليس في قم، كما أن هذه المرجعية لا تعتقد في ولاية الفقيه كما يعتقد الإيرانيون، وبهذا المعنى فإنها تعتقد بالفصل بين الدين والمذهب من ناحية والسياسة من ناحية أخرى. ولا يوجد معنى استراتيجي لذلك سوى أن القيادة العراقية الشيعية على وجه الخصوص تريد وضع مسافة سياسية ومذهبية بينها وبين إيران، ولكنها مسافة لا تقطع للود في الجوار قضية، فإيران في النهاية من الكبر والقدرة على التأثير بحيث يصعب تجاهلها.

ومن ناحية الوضع الإقليمي والدولي فإن مؤتمر شرم الشيخ أعطى الحكومة العراقية من الشرعية والفرص الاقتصادية ما يكفي لنشأة أمل تلتف حوله الطوائف العراقية المختلفة خاصة بعد أن أصبح محسوما أن الخروج الأمريكي من العراق صار مسألة وقت. فالمؤتمر لم يستقبل فقط حكومة المالكي بأذرع مفتوحة، وإنما حصل منه على وعود قاطعة بالتوزيع العادل للثروة البترولية، وإنهاء قانون تصفية البعث، ومزيد من الكفاءة في إدارة الدولة، وكثير من محاربة الفساد؛ وكل ذلك مقابل إلغاء 30 مليار دولار من الديون العراقية والحصول على 20 مليار دولار من المساعدات. وقد سبق التأكيد في هذا المكان على أن مؤتمر شرم الشيخ كان بمثابة الفرصة الأخيرة للعراق، ويبدو أن الحكومة العراقية تحاول جاهدة ألا تضيعها.

ولكن ما كان أهم من كل ذلك أن الولايات المتحدة بدأت حوارا مع سوريا ثم مع إيران حول العراق حيث أصبحت لدى كل منهما مصلحة في تسوية الأوضاع في العراق بعد أن ثبت أن حالة عدم الاستقرار فيه قد أدت أغراضها في دفع الولايات المتحدة نحو التفكير في الانسحاب، وبعد أن ثبت أن استمرار حالة الفوضى واحتمالات الحرب الأهلية يمكنها أن تمتد حرائقها وتأثيراتها إلى كل الدول المجاورة وفي المقدمة منها إيران وسوريا وتركيا بالطبع حيث المشاكل المذهبية والعرقية فيها تكفي لإشعال عدد لا يحد من الحرائق. وفي الحقيقة فإن هذه الدول باتت ترى في العراق مستقبلها المضيء، إذا بقيت الدولة وحافظت على وحدتها، والمظلم معا، إذا ما انهارت وتفككت شيعا وأحزابا وأقاليم ومذاهب.

كل ذلك يعني ليس فقط أن هناك ضوءا ما في نهاية الصراع العراقي، بل ان هناك نفقا قد تم تركيبه من إرادات داخلية ـ السنة والشيعة ـ وخارجية ـ دولية وإقليمية ـ لإخراج العراق من أزمته التاريخية. ولكن كل ذلك لا يعني بالضرورة أن الضوء سوف يتم الوصول إليه، أو النفق سوف يتماسك بحيث يشكل خيارا حقيقيا بالنسبة للأطراف التي تحمله على عاتقها. وطبقا لفهرس العراق المشار إليه فإن جماعة القاعدة أثبتت قدرة فائقة على الاستمرار والفاعلية والقدرة على القتل والتدمير من خلال السيارات المفخخة حتى أن العدد الكلى للقتلى لم يتأثر. ومن ناحية أخرى فإن الشيعة في العراق باتوا يقاسون بشكل أكبر خلال الفترة الأخيرة مما يجعل مسألة التحسن في الأحوال العراقية معلقة على قدرة الشيعة على الصمود والصبر والحفاظ على قوات المهدي خارج المواجهة.

الأخطر من ذلك كله أن هناك عنصر الزمن الذي لا يعمل في العراق لصالح المصلحين وأصحاب النوايا الطيبة، فكل الإجراءات الداخلية السياسية والاقتصادية الخاصة بالدستور والنفط والبعث كلها تسير ببطء شديد في وقت لم يعد فيه فائض من الصبر. ولو أضفنا لكل ذلك حالة البطالة التي تزيد عن 30%، والضعف الشديد في البنية الأساسية ـ ما عدا التليفون والإنترنت اللذين تحسنا بشكل كبير ـ من كهرباء وماء ومواصلات فإن حدود الصبر لا تكون واسعة.

الخلاصة إذن أنه ربما لأول مرة منذ نشوب المشكلة العراقية يوجد ضوء، ويوجد نفق يوصل إليه، ولكن هناك الكثير الذي يطفئ الشمس وليس بصيص ضوء، وهناك كثرة تريد هدم النفق على رؤوس أصحابه!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *