الرئيسية » مقالات » أعداء لبنان يسعون إلى تحويله عراق جديد

أعداء لبنان يسعون إلى تحويله عراق جديد

منذ يوم أول أمس تدور معارك شرسة بين الجيش اللبناني والعناصر الإرهابية المسماة بفتح الإسلام ، وهي جزء من عناصر ما يسمى بفتح الانتفاضة المنشقة عن حركة فتح الفلسطينية التي نشأت بتدبير حكام سوريا الذين كانوا على خلاف مع زعيم منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفت عندما اختار طريق المفاوضات مع إسرائيل ، وعقده اتفاقية أوسلو لحل الأزمة الفلسطينية المستحكمة منذ عام 1948 التي أدت إلى تشريد مئات الألوف من المواطنين الفلسطينية إلى مختلف البلدان العربية، وفي المقدمة منها الأردن ولبنان وسوريا والعراق .
ثم اتبعتها إسرائيل في حربها الثانية في 5 حزيران عام 1967 التي شنتها على العرب، والتي أطلقت عليها[حرب الأيام الستة ] أمعاناً في إذلال جيرانها العرب، واحتلت الضفة الغربية والجولان السورية وقطاع غزة وسيناء المصرية خلال 6 أيام من الحرب الخاطفة ، مما دفع بالمزيد من اللاجئين الفلسطينيين نحو الدول العربية المجاورة.
كان من نصيب لبنان، هذه الدولة الصغيرة بمساحتها، والكبيرة بعروبتها، أن تستقبل مئات الألوف من اللاجئين الفلسطينيين، رغم قلة مواردها المحدودة بالنسبة لبقية الدول العربية وأقامت لهم ما سمي آنذاك بالمخيمات الفلسطينية في الشمال بالقرب من طرابلس حيث مخيم [نهر البارد] ومخيمات [ صبرا وشاتلا] بالقرب من بيروت، ومخيم [عين الحلوة] بالقرب من صيدا، وغيرها من المخيمات الأخرى في البقاع والمناطق الأخرى.
كان من المفروض أن يحترم الضيوف الفلسطينيون البلد المضيف الذي احتضنهم وآمنهم من خوف، على الرغم من أنهم كانوا قد شكلوا عبئا ثقيلاً على لبنان، والذي يمثل الحلقة الأضعف في البلدان العربية المحيطة بالكيان الإمبريالي الاستيطاني الصهيوني المدعوم من قبل الإمبريالية الأمريكية التي خلقت هذا الكيان في قلب العالم العربي، والذي يمثل القاعدة المتقدمة للإمبريالية الأمريكية، وسيفها المسلط على العالم العربي.
ورغم انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان استمرت الفصائل الفلسطينية المتواجدة على الساحة اللبنانية تحمل السلاح على الرغم من صدور قرار مجلس الأمن القاضي بنزع أسلحة كافة المليشيات المتواجدة في لبنان بدعم من حكومة ملالي طهران وحكومة سوريا التي أجبرها قرار مجلس الأمن رقم 1557 على مغادرة قواتها لبنان، بعد العملية البشعة لاغتيال الشهيد رفيق الحريري، لكنها تركت وراءها تنظيمات مسلحة تأتمر بأمرها كان من بينها المنظمة الفلسطينية المسماة [ فتح الانتفاضة]
ومن خلال هذه المنظمة انبثق فصيل في لبنان أطلق على نفسه اسم [ فتح الإسلام ] واتخذ مركزاً لنشاطه في مخيم نهر البارد القريب من مدينة طرابلس واستخدمته سوريا لزعزعة الوضع السياسي في لبنان من أجل تعطيل إنشاء المحكمة الدولية لمحاكمة قتلة الشهيد رفيق الحريري والنائب في البرلمان اللبناني الشهيد باسم عليان و25 من حماية الحريري الشهداء.
وهكذا أقدمت هذه العصابة التي أطلقت على نفسها فتح الإسلام على تفجير حافلتين في منطقة [عين علق]ذهب ضحيتها العديد من المواطنين اللبنانيين وجرح عشرات آخرين، مستهدفة من هذا العمل الإجرامي خلق فتنة كبرى في لبنان تقوده إلى أيام الحرب الأهلية التي اندلعت عام 1975 واستمرت 15 عاما رهيبة ذهب ضحيتها مئات الألوف من المواطنين اللبنانيين وهجر لبنان ألوف غفيرة أخرى .
وعلى حين غرة أقدمت هذه العصابة على الغدر بقوات الجيش اللبناني وقتلت من بينهم 27 من أفراده، مما دفع الحكومة اللبنانية إلى إرسال قوات الجيش إلى مدينة طرابلس التي استحكم فيها الإرهابيون القتلة في بعض أبنيتها، واستطاع تحريرها بعد مقتل العديد من أفراد تلك العصابة التي تستخدم الإسلام ستاراً لأعمالها الإجرامية .
واستمرت تلك العصابة بعد انسحابها داخل مخيم النهر البارد بإطلاق القذائف والرصاص على الجيش اللبناني، مما استدعى الحكومة اللبنانية إلى استخدام الدبابات والمدرعات والمدفعية لضرب مصادر النيران ، وما تزال المعارك جارية حتى اليوم .
إن هذه الفئة الضالة والمجرمة تستهدف جر لبنان إلى صراع طائفي كالذي يجري تنفيذه في العراق منذ 4 سنوات ، وتلعب سوريا وحلفائها حكام طهران في إرسال العناصر الإرهابية من انصار القاعدة إلى العراق لتنفيذ جرائمها البشعة بحق المواطنين العراقيين الأبرياء عن طريق الأحزمة الناسفة، وزرع العبوات الناسفة في الشوارع والطرق والسيارات المفخخة التي تقتل بالجملة كل يوم المئات من أبناء الشعب العراقي، ودفع الشعب نحو الحرب الطائفية الوحشية البشعة .
إن من حق الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني اتخاذ كل الإجراءات الضرورية للقضاء على هذه الزمرة الشريرة، وإنقاذ البلاد من جرائمها ، وحماية السلم الأهلي بين أطياف الشعب اللبناني، وحل كافة المليشيات المسلحة ، وسحب الأسلحة منها لكي يبقى السلاح بيد الجيش اللبناني و القوات الأمنية وحدها، كي لا تتحول الساحة اللبنانية إلى عراق جديد.

لكن منظمة التحرير الفلسطينية التي أُنشأة بعد كارثة حرب حزيران، واتخذت من الساحتين الأردنية والفلسطينية ساحة لها، وجرى تسليحها بمختلف أنواع الأسلحة من أجل استعادة الأراضي الفلسطينية المغتصبة حولت على حين غرة سلاحها نحو البلدين المضيفين الأردن ولبنان، وكان ذلك التوجه أخطر الأخطاء التي وقعت فيها منظمة التحرير الفلسطينية، وقادتها إلى صراع مسلح رهيب في الأردن مع الجيش الأردني، في أيلول من عام 1970 كاد يسقط النظام الملكي الأردني لولا المساعدات التي تلقاها الملك حسين من الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل، وانتهت تلك الحرب الوحشية بين الأخوة الاردنيين والفلسطينيين،بنزع سلاح منظمة التحرير.
وفي لبنان كان الاستقطاب بين مختلف القوى السياسية اللبنانية قد بلغ أوجه في عهد الرئيس [كميل شمعون]عام 1958، والذي كان معروفاً بعلاقاته الوثيقة بالغرب، والتي ضمت معظم القوى المسيحية في لبنان عدا الحزب الشيوعي اللبناني الذي وقف بحكم معارضته للهيمنة الإمبريالية الأمريكية إلى جانب القوى الوطنية ، وبين القوى الوطنية التي كانت مدعومة القوى الناصرية التي كانت في أوج قوتها بعد قيام الوحدة بين سوريا ومصر، وقيام الجمهورية العربية المتحدة والتي كانت تناهض الهيمنة الأمريكية على لبنان، والتي ضمت أغلبية القوى السياسية الديمقراطية، وأدى ذلك الاستقطاب إلى نشوب انتفاضة الشعب اللبناني ضد نظام شمعون بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للغالبية العظمى من الشعب اللبناني ، وبسبب محاولة كميل شمعون تعديل الدستور والسعي للبقاء على كرسي الرئاسةبعد انتهاء ولايته، وبسبب موقفه العدائي من الوحدة السورية المصرية، ومن العدوان الثلاثي على مصرعام 1956،كل ذلك دفع الشعب اللبناني للانتفاض على تلك السلطة، ومنع كميل شمعون من محاولة التمسك بها، فكانت ثورة عارمة أفقدت الحكومة اللبنانية توازنها، وجعلتها في مهب الريح رغم كل المساعدات والدعم من قبل الإمبرياليين وحكومة نوري السعيد ، من سلاح ومعدات وعسكريين.
كان المد الشعبي كاسحاً بحيث تعذر على السلطة القائمة قمعه، مما دفع الولايات المتحدة وبريطانيا بالطلب من حكومة نوري السعيد إرسال قوات عسكرية إلى الأردن لتلتحق بقوات رتل الهادي الذي سبق أن أرسلها نوري السعيد إلى الأردن على أثر قيام الجمهورية العربية المتحدة بإشارة من بريطانيا وأمريكا لحماية نظام الملك حسين بن طلال، وتجميعها هناك لغرض مهاجمة سوريا، وفسخ الوحدة مع مصر، والزحف إلى لبنان لقمع الانتفاضة الشعبية فيها، والتقدم نحو سوريا لإسقاط الوحدة التي قامت في ذلك العام، وتنصيب عبد الإله ولي العهد العراقي ملكاً على سوريا، ومن ثم التقدم نحو لبنان لدعم نظام كميل شمعون.واتخذت الحكومة العراقية قرارها، وأعدت العدة لإرسال القوات العراقية إلى الأردن تمهيداً لتنفيذ المؤامرة المذكورة .
لكن نوري السعيد لم يكن يدري ما يخبئه القدر، له وللنظام الملكي، فقد قُدّر للزعيم عبد الكريم قاسم ،آمر اللواء التاسع عشر ،والعقيد عبد السلام عارف ،والعقيد عبد اللطيف الدراجي ،آمري الفوجين الثاني والثالث من اللواء العشرين ،وهم من قادة اللجنة العليا للضباط الأحرار، أن تتحرك قواتهم من جلولاء ، ليلة 13/14 تموز 1958 نحو الأردن فكانت الفرصة الكبرى لتوجيه الضربة القاضية للنظام الملكي وللإمبريالية ،ولينهي ذلك النظام خلال الساعات الأولى من صبيحة الرابع عشر من تموز 1958
وهكذا باءت حسابات الإمبريالية وربيبيها نوري السعيد وعبد الإله، وسقط نظام كميل شمعون ، وجرى انتخاب قائد الجيش [ فوأد شهاب ] رئيساً للجمهورية وتشكلت حكومة جديدة من طرفي النزاع ، وبذلك عاد السلام في ربوع لبنان.
لكن الشعب اللبناني لم يكن يدرك ما يخبئه له القدر حيث وقعت حرب الخامس من حزيران كما أسلفنا ، وتلقى لبنان المزيد من اللاجئين الفلسطينيين بعد احتلال الضفة الغربية من قبل اسرائيل، وبعد الحرب التي خاضتها منظمة التحرير الفلسطينية ضد نظام الملك حسين في الأردن ، والتي انتهت بالقضاء على القوة الفلسطينية المسلحة في الأردن .
وهكذا أصبحت الساحة اللبنانية الساحة الكبرى لنشاط منظمة التحرير الفلسطينية ، وبدأت المنظمة بتلقي السلاح المفروض أن يوجه إلى العدو الإسرائيلي المغتصب للوطن الفلسطيني.
لكن منظمة التحرير الفلسطينية وقعت في نفس الخطأ الذي وقعت فيه في الأردن ، واختارت أن تكون جزء من القوى المتصارعة على السلطة في لبنان ، والتي أوصلت البلاد إلى شفا الحرب الأهلية من جديد بين القوى المسيحية التي كانت تتحكم بالسلطة الفعلية في البلاد من جهة ، والقوى الساعية إلى خلق نوع من التوازن في السلطة بين سائر أطياف الشعب اللبناني بما يحقق السلم والأمن في لبنان ، وانحازت إلى جانب القوى الفلسطينية إلى جانب الطرف الثاني على أثر حادث الحافة التي كانت تقل عدداً كبيراً من الفلسطينيين حيث أوقفتها عناصر من القوى المسيحية وأنزلت الفلسطينيين وأعدمتهم دون وازع من ضمير، مما اشعل الحرب الأهلية في لبنان عام 1975 ، تلك الحرب الوحشية.
البشعة التي دامت 15 عاماً رهيبة ذهب ضحيتها مئات الألوف من المواطنين اللبنانيين ومن الجانب الفلسطيني ، وأدت إلى قيام اسرائيل باحتلال بيروت عام 1982، ودخلت القوات الوطنية في صراع مسلح رهيب مع القوات الغازية التي اقترفت مجزرة رهبية في مخيم صبرا وشاتلا بحق الفلسطينيين ذهب ضحيتها المئات من سكانها ولم تخرج القوات الإسرائيلية من لبنان إلا بعد أن فرضت رحيل قوات منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرافات إلى تونس بعد تدخل العديد من الأطراف الدولية ، وبعد دخول ما دعي بقوات الردع العربية إلى لبنان والتي كان اغلبها من القوات السورية
لكن اسرائيل، وبحجة حماية حدودها من الفلسطينيين المتواجدين في جنوب لبنان، استمرت في احتلال جنوب لبنان حتى عام 2000 ، بعد المقاومة الباسلة للشعب اللبناني والتي قادها حزب الله من جهة، وبعد ضغوطات دولية متواصلة من جهة. 

 22 أيار 2007

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *