الرئيسية » مقالات » نساء ساركوزي.. وإرضاع الكبير

نساء ساركوزي.. وإرضاع الكبير

 المصدر:
الدستور – يومية سياسية عربية مستقلة
العدد 15461 الاثنين 4 جمادى الأولى 1428هـ الموافق 21 أيار 2007 م عمان الأردن

الغرب الكافر يشكل وزارة في فرنسا نصفها من النساء ، ووزيرة العدل فيها مهاجرة من أصول مغربية والدها عامل ، كانت ممرضة قبل أن تكمل تعليمها القانوني ، وتحكم ألمانيا امرأة مهاجرة استطاعت أن تجعل نسبة البطالة في الدولة الصناعية في أدنى مستوياتها ، ورمز الدولة البريطانية امرأة ورثت الحكم عن جداتها وجدودها ، والمتنفذة في السياسة الخارجية لسيد العالم الأمريكي امرأة سوداء يرتعد لقراراتها سدنة الحكم العربي.
ساركوزي اليهودي الديانة لم يعد إلى الزابور أو التوراة لينتقي منهما ما يقلل من شأن المرأة – وفيهما كثير – ولكنه يحكم بميزان العصر وشروطه الحضارية وحقوق الإنسان وأن النساء نصف المجتمع وطاقاته. ورغم أن المهاجرين العرب لا يشكلون أكثر من 6% من الشعب الفرنسي – غالبيتهم مهاجرون غير شرعيين حملتهم قوارب الموت من سواحل إفريقيا إلى فرنسا هربا من البطالة والفقر – فقد رحب الفرنسيون بوزيرة عدل مسلمة لن يقبل رجال ملتها أن تحكم بينهم. وصمدت دولة بريطانيا منذ قرون دون أن تنهار رغم حكم النساء لها.
أما الشرق المتأسلم فيصر على أنه لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة ، وأن النساء محكومات بالعاطفة ، وناقصات عقل ودين ، ويفقدن الإدراك في فترة الحيض فلا يصلحن للقضاء أو الحكم الصائب.
ويكفًّر ويقصي من يخالفون فكره من المسلمين ، ويثير الفتن الطائفية مع المسيحيين ، وهدف جماعاته كلها هو الوصول إلى السلطة لفرض هذا التطرف على الجميع.
ويهون الموروث الجائر حول النساء وقدراتهن أمام الفتوى الأخيرة التي انشغل بها أكثر من 400 نائب إسلامي في مصر رغم الفتن الطائفية بين الجماعات المتأسلمة والأقباط ، وقد رفعوا سوط الدين في وجه من يجرؤ على استنكار فتواهم ، وهي ضرورة إرضاع المرأة العاملة لزميلها في العمل إذا كان هذا العمل يفرض عليهما الخلوة أو إغلاق الباب لأي سبب.
والسؤال: لماذا الآن؟، ولصالح من تثار هذه المسائل التي ستشوه وجه الإسلام وتزيد من عزلته العالمية؟ ولماذا تثار مسائل لم يتعرض لها أحد في الماضي؟ وكلها كفيلة بإثارة العالم ضد المسلمين وتؤكد تخلفهم ونظرتهم الدونية للمرأة ؟ كل هذا بينما العالم يطالب بتمكينها واحترام إنسانيتها وعدم التمييز ضدها بالجنس؟
وكأن الإسلام” ناقص بلاوي” بعد فتاوى تورا بورا وانتشار الإرهاب والفتن وربطها بالإسلام.
ربما كان القصد إعادة النساء إلى بيوتهن وانصرافهن عن العمل؟ لأن تطبيق الفتوى سيثير الفتنة الاجتماعية ويعود بالنساء قسرا أو طوعا إلى بيوتهن؟ فمن ستقبل إرضاع زميلها خمس مرات ليصير أخا مؤقتا تبيح الخلوة به ، ودون أن تبطل الرضاعة إمكانية الزواج منه،
حسبنا الله ونعم الوكيل في العقول المتخلفة التي تريد ايقاظ فتنة ، أو إجبار النساء على العودة إلى منازلهن. يفتي هؤلاء دون تقدير إلى أن مرجعية حادثة بعينها في الإسلام الأول لن ينطبق على ظروفنا الحالية بمجملها ، فقد تغير الزمان والمكان ومعطياتهما ، وبما أن الإسلام هو دين كل عصر فلا بد أن يراعي الاجتهاد والقياس ظروف الزمان ومتغيراته.
خرجت في العصر الراهن جحافل المسلمات للعمل كضرورة اقتصادية ملحة ، وتحصنت النساء بأعلى الدرجات العلمية والثقافة العامة ضد ما يمتهن إنسانيتها. وكانت المسلمات الأوائل كذلك يخرجن مع الجنود في الحروب والغزوات ، ويحكًّمن الأسواق الأدبية ، ويتاجرن ، ويناقشن رسولهن وخلفاءه فيقبلوا ذلك. لا يجوز أن يستسلم العالم العربي والإسلامي لعقول الردة السلفية المعوجة ونزواتها الفقهية ، تخرج فتوى في العراق تمنع المرأة من أكل الموز أو تقشيره لدلالته الجنسية ، أمر لن يفكر فيه إلا عقل مهووس. فكيف للموزة أن ترتبط فقط بالعضو المذكر؟ وكيف لملامستها أن تودي بالمرأة إلى تهلكة الرذيلة.
ويُحْكَم في السعودية بالجلد 80 جلدة على مغتَصَبة ورجل أسعفها وأعادها إلى أهلها لأنه أوصلها بسيارته دون أحد من محارمها، وقد وجدها هذا الشهم على الطريق السريع حيث ألقى بها مغتصبوها.
وكان الأولى في رأي العقل القاصر الذي حكم ترك المرأة على قارعة الطريق دون إسعاف حتى يذهب ويحضر محرما ، فأكرم للمسلمة أن تظل وحيدة في الخلاء ، وقد تأكلها الوحوش أو يعود أحدهم لاغتصابها أو حتى قتلها ، من أن تستقل سيارة مع غريب يحاول إسعافها من جروحها الجسدية والنفسية ، فالشيطان متربص بهما وسيقفز إلى السيارة قبلها ليهزم شهامة الرجل وإنسانيته ، وستكون المرأة قادرة على الإغواء رغم جروحها وانقضاض الوحوش الآدميين عليها،
والمتتبع للتعليقات على هذه المسائل والفتاوى في المواقع الإخبارية الأكترونية يدرك مدى الرفض خاصة بين الشباب لمثل هذا الاجتهاد السقيم ، ويدرك كارثة أن يسيطر الفكر المتطرف وإرهابه على حياة الناس وأفكارهم مما يستدعي مقاومته بكل وسيلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *