الرئيسية » مقالات » لست مسؤولا عن نزيف الدم في العراق

لست مسؤولا عن نزيف الدم في العراق

بمجرد أن تستغلق الأفهام وتتجمد على قناعة واحدة، فإن الحقائق ذاتها تعجز عن هز تلك القناعة. فاليوم نجد أن “الجميع” يتحدثون عن أن “سلطة الائتلاف المؤقتة”، قد اتخذت قرارين كارثيين في بداية احتلال الولايات المتحدة للعراق: القرار الأول هو الانتقام من أعضاء حزب “البعث”، وطردهم من الحياة العامة.

والثاني، هو حل الجيش العراقي دون تدبر. وآخر من تناول هذا الموضوع هو “جورج تينيت” الرئيس السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية “سي.آي.إيه” الذي شن عليّ هجوماً لاذعاً في مذكراته الجديدة، بسبب اتخاذي لهذين القرارين على الرغم من أنني لا أتذكر أنه قد اعترض على أي واحد منهما، خلال المناقشات العديدة التي اشتركنا فيها إبان فترة خدمتي في العراق، والتي امتدت لأربعة عشر شهراً كرئيس لـ”سلطة الائتلاف المؤقتة”. وهناك اتهامات مماثلة تتكرر دون ضابط ولا رابط في العديد من الكتب والمقالات.

ففي إطار بحثهم عن سبب بسيط ومحدد للمشكلات التي نعاني منها في العراق حالياً، يذهب الخبراء إلى أن هاتين الخطوتين بالذات، قد أقصيتا السُّنة الذين كانوا يضطلعون بمسؤولية الحكم في السابق، وساهمتا في خلق حشد من الأشخاص الغاضبين المتأهبين للتمرد، كما أشعلتا فتيل التمرد المتأجج الآن في العراق.

هذه الحجج قد تبدو منطقية للغاية في الظاهر، غير أننا عندما نمعن فيها النظر، يتبين لنا أنها خاطئة تماماً. إنني بالطبع – مثلي في ذلك مثل معظم الأميركيين- أشعر بالإحباط جراء الصعوبات الكبيرة، التي واجهناها في العراق بعد الانتصار السريع الذي حققناه على صدام حسين عام 2003. بيد أن ما أود قوله مع ذلك هو أن “سلطة الائتلاف المؤقتة” كانت محقة تماماً في تفكيك جهاز حكم الطغيان البشع، الذي كان قائماً في العراق. صدام حسين أقام نظامه على غرار النظام النازي الذي أقامه “أدولف هتلر” الذي تمكن من حكم الشعب الألماني مستخدماً أداتين رئيسيتين للسيطرة هما: الحزب النازي وقوات أمن “الرايخ”. ولم يكن أمامنا في ذلك الوقت من خيار سوى تخليص العراق من التنظيمات المماثلة، لكي نتيح للبلاد فرصة الانطلاق نحو مستقبل أفضل.

وفيما يلي الطريقة التي تم بها اتخاذ هذين القرارين: قام الجنرال “تومي فرانكس” قائد القيادة المركزية الأميركية بتجريم حزب “البعث” في السادس عشر من أبريل 2003، أي قبل أن أصل أنا إلى العراق في الأول من مايو من العام نفسه. وفي ذلك الوقت زودني “دوجلاس فيث” وكيل وزارة الدفاع الأميركية، بمسودة قانون ينص على تطهير الحكومة العراقية من كبار المسؤولين “البعثيين”. ونظراً لإدراكي لمدى خطورة هذه الخطوة، فإنني طلبت من “فيث” أن يتريث حتى أتمكن من مناقشة هذه الخطوة مع الزعماء العراقيين، ومع مستشاري “سلطة الاحتلال المؤقتة”.. وبعد ذلك التاريخ بأسبوع، وبعد مشاورات دقيقة ومتأنية أصدرت مرسوم “تفكيك البعث” بنفس الصياغة التي صاغته بها “البنتاجون”.

كان هدفنا من إصدار ذلك القانون هو التخلص من مجموعة قليلة من المؤمنين الحقيقيين بمبادئ “البعث” على القمة… ولم يكن قصدنا على الإطلاق مضايقة السُّنة العاديين. وكنا نحذو في ذلك حذو الجنرال “دوايت أيزنهاور” عندما قام بتفكيك الحزب “النازي” في ألمانيا ما بعد الحرب العالمية الثانية. فشأنه في ذلك شأن الحزب “النازي”، كان حزب “البعث” يدير كافة أوجه الحياة في العراق إلى درجة أن كل حي في العراق كان توجد فيه خلية “بعثية”، وإلى درجة أن “البعثيين” جندوا الأطفال للتجسس على آبائهم، تماماً مثلما كان النازيون يفعلون، بل إن صدام حسين ذهب في معرض تقليده للنازيين إلى حد أنه طلب من كبار أركان قيادته قراءة كتاب “كفاحي” لهتلر.

قرار “تفكيك البعث” لم يؤثر سوى على 1 في المئة فقط من أعضاء “البعث”، لأننا كنا ندرك أن الكثيرين قد قاموا بالانضمام للحزب لدوافع نفعية فحسب. ما فعله ذلك القانون، هو أنه حال دون تولي قيادات “البعث” الوظائف الحكومية، مع ترك الفرصة لهم للبحث عن وظائف في أماكن أخرى -حتى في الخارج (ما لم يكونوا مطلوبين في قضايا جنائية). وليس هذا فحسب بل إننا استثنينا الكثير من كبار أعضاء الحزب من ذلك القانون، وسمحنا للعشرات منهم بالاستمرار في وظائفهم، كما أننا سمحنا للشخصيات التي تتسم بحس المسؤولية من السُّنة بالمشاركة في بناء العراق. وهذا القرار لم يكن قراراً حصيفاً فقط بل إنه حظي إلى جانب ذلك بقبول العديد من الجهات داخل العراق، إلى درجة أن “حميد البياتي” وهو من الشيعة البارزين قال لي إن الشيعة يشعرون بالابتهاج لأنهم كانوا يخشون أن يترك الأميركيون المسؤولين العراقيين غير التائبين في مناصبهم الحكومية، وفي وظائفهم الأمنية، وهو وضع سيكون العراق فيه محكوماً بنظام “صدامي من دون صدام”. ولم يحظ القرار بالقبول في أوساط الشيعة والأكراد فقط، بل إن استطلاعات الرأي المتعددة التي أجريت في العراق، أثبتت أن الغالبية العظمى من العراقيين بما في ذلك العديد من السُّنة كانوا يؤيدون “تفكيك البعث”. وهذا القرار لا يزال يحظى بالدعم حتى الآن بدليل أن الحكومة العراقية المنتخبة، واجهت صعوبات جمة، عندما حاولت أن تجري بعض التعديلات عليه.

أما بالنسبة للقرار الثاني والخاص بحل الجيش العراقي، والذي أخفق منتقدو الحرب في فهم مغزاه، معتقدين أننا قد قمنا بهدم ركن أساسي من الأركان التي يرتكز عليها استقرار البلاد، وأننا قد ساهمنا بذلك القرار في خلق حشد من الرجال الغاضبين المستعدين للتمرد. فهذه الانتقادات في رأيي أخفقت إخفاقاً كبيراً في فهم طبيعة الجيش العراقي، الذي كان قد تحول إلى جهاز قتل تابع لصدام، كما أخفقت أيضاً في فهم طبيعة الأوضاع على الأرض.

فصدام كان قد استخدم هذه الجيش في شن حرب إبادة ضد الأقلية الكردية في الثمانينيات من القرن الماضي، حيث قتل مئات الألوف من المدنيين الأبرياء، وما يزيد على 5000 شخص في مذبحة باستخدام الأسلحة الكيمياوية في قرية حلبجة. وعقب حرب الخليج الثانية، هبَّت الأغلبية الشعبية ضد حكم صدام الذي استخدم جيشه في قتل مئات الألوف من الرجال والنساء والأطفال، ودفن جثثهم في مقابر جماعية. لذلك كله لم يكن هناك ما يدعو للدهشة في أن الشيعة والأكراد الذين يشكلون 80 في المئة من إجمالي سكان العراق كانوا يكرهون جيش صدام.

علاوة على ذلك، فإن أي تفكير في استخدام ذلك الجيش مجدداً كان يتناقض مع الأوضاع السائدة على الأرض. فقبل حرب 2003 كان الجيش العراقي يتكون من 315 ألف جندي بائس من جنود القرعة معظمهم تقريباً من الشيعة، الذين كانوا يأتمرون بإمرة 80 ألف ضابط معظمهم من السُّنة. ونظراً لأن الجنود الشيعة كانوا يتعرضون للتنكيل وسوء المعاملة من قبل ضباطهم السُّنة، فإنهم ما أن تبينوا أن الكفة مائلة لا محالة إلى جانب الحلفاء، حتى فروا من وحداتهم وعادوا إلى منازلهم وهو ما فعله ضباطهم أيضاً، ولكنهم قبل أن يهربوا من وحداتهم نهبوا قواعدهم العسكرية وتركوها قاعاً صفصفاً.

لذلك فإنني عندما وصلت العراق، لم يكن هناك جيش عراقي قائم حتى أقوم بتفكيكه. صحيح أن بعض القادة العسكريين في العراق وبعض رجال الاستخبارات التابعين الذين كانوا يعملون في محطة العراق، اقترحوا أن نقوم باستدعاء جيش صدام مجدداً، إلا أننا رفضنا لأسباب عملية وسياسية وعسكرية مُلحَّة كانت تحتم علينا هذا الأمر. بعد ذلك، أصدرت بعد التنسيق والتشاور مع حكومة الولايات المتحدة -بما في ذلك المؤسسة العسكرية- قراراً بتكوين جيش جديد يقوم على نظام التطوع بالكامل، وأعلنَّا حينها أن أي ضابط سابق من جيش صدام من رتبة ملازم حتى رتبة عقيد يمكنه أن يتقدم للانضمام للجيش الجديد. وعندما غادرت العراق، كان 80% من جنود الجيش الجديد، وجميع ضباط الصف، والضباط من الذين عملوا في الجيش القديم -وكذلك معظم قادة هذا الجيش الآن. علاوة على ذلك، بدأنا تطبيق نظام لدفع معاشات لكبار ضباط الجيش القديم الذين لم يتمكنوا من الانضمام للجيش الجديد، وهي معاشات لا تزال الحكومة العراقية تدفعها حتى تاريخه.

ولابد لي أن أقر بأنني قد تعبتُ بسبب استهدافي بالنقد كما لو كنت “كيساً للتدرب على الملاكمة” ينهال عليه الجميع بالضرب بسبب مسؤوليتي عن “تفكيك البعث” و”حل الجيش”. وأكثر من ينتقدونني هم من الذين لم يخدموا في العراق، والذين لا يفهمون تعقيداته، والذين لا يعرفون ما الذي كان يتعيَّن علينا أن نقوم به بخلاف ما قمنا به بالفعل. إن هذين القرارين الحكيمين والأخلاقيين ليسا هما ما خلق التمرد القائم الآن. فالمواد الاستخبارية التي عثرنا عليها بعد أن بدأت الحرب، تثبت أن قوات الأمن التابعة لصدام كانت قد خططت طويلاً لشن مثل هذا التمرد.

ليس هناك من شك، في أن بعض أعضاء حزب “البعث” والجيش العراقي السابق قد انضموا للتمرد، ولكنهم لم يفعلوا ذلك، لأنهم لم يجدوا وسيلة أخرى للعيش، وإنما يفعلون ذلك لأنهم يريدون الإطاحة بالحكومة المنتخبة ديمقراطياً، وإعادة تنصيب ديكتاتورية “بعثية” مجدداً. وهو ما يدعوني للقول إن مسؤولية نزيف الدماء المستمر حالياً في العراق تقع على عاتق هؤلاء الأشخاص، وعلى المتعاونين معهم من تنظيم “القاعدة”.

بول بريمر – رئيس سلطة الائتلاف المؤقتة في العراق خلال الفترة من مايو 2003 إلى يونيو 2004
“لوس أنجلوس تايمز” و “واشنطن بوست”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *