الرئيسية » مقالات » محاولات يائسة لإحياء الهوية الوطنية العراقية المفقودة

محاولات يائسة لإحياء الهوية الوطنية العراقية المفقودة

يكتسب الإنسان الهوية الإنسانية منذ ولادته بل منذ تكوينه الجنيني الأول, منذ التقاء رجل وامرأة على الحب, وهي هوية أصلية مشتركة بين كل بني البشر. ومنذ ساعة الولادة تتحدد الهوية الوطنية للوليد بحسب مكان الولادة, فانا عراقي من يوم رأت عيوني النور وعند أول صرخة وعند أول شهيق للهواء لأني ولدت على ارض عراق الحضارات.
ثم بعد ذلك بسنوات تتوالى الهويات الثانوية وعن طريق الصدفة المحض.
يتعلم الإنسان اللغة ويكتسب الهوية القومية, ويتقارب مع اللذين يتكلمون نفس اللغة وتتولد لديه مشتركات أولية وعلاقات حميمية بدائية متعصبة تتراجع بالتدريج أمام امتلاك الوعي بحقيقة الوجود الإنساني وبان الإنسان واحد في كل مكان, وبالثقافة الواسعة والمعرفة المتنوعة وبتعلم لغات جديدة وعن طريق الإعلام ووسائل الاتصال الحديثة المتطورة كالانترنيت والستلايت وبالسفر والاهتمام بالمصالح المشتركة يتقارب الإنسان مع المختلفين وتقل حدة التعصب البغيض والانغلاق وينتقل الإنسان إلى الانفتاح والتآخي والتعايش والحوار. فالجهل والتعصب صنوان لا يفترقان ولا يمكن أن تجد احديهما دون الآخر في أي مجتمع.
أما الدين والطائفة فان الإنسان يكتسبهما من الوالدين والمجتمع المحيط ورجل الدين ودور العبادة, والعقيدة الدينية محكومة بدين الوالدين وهي حتمية وليست اختيار ولا خلاص منها ولا فكاك مدى الحياة, وخاصة في الإسلام حيث تبقى قسرية ملزمة ولا يسمح للمسلم بالاختيار مهما بلغ من النضوج واكتسب من الثقافة والمعرفة والوعي, لأنه سيـُعتبر مرتدا وحكم المرتد في الإسلام تقطيع الأطراف والرأس والموت.
ترتيب الهويات الطبيعي للعراقي مثلا هي,
أولا: إنسان عراقي وهي الهوية الوطنية الأصلية الرئيسية المشتركة بين جميع العراقيين. وتعني المساواة التامة في حقوق وواجبات المواطنة وأمام القانون.
ثانيا: الهويات الفرعية الثانوية كالقومية والدين والطائفة وهي ليست دقيقة ولا تعبر بشكل حقيقي عن الشخص المعني في وطن متعدد الحضارات والثقافات والأديان والقوميات والطوائف والأحزاب.
رب سائل يسال كيف؟
إن الدين بتقديري ليس هوية والطائفة ليست هوية لأنها لا تصلح للإنسان, الذي يمتلك عقلا, فالعقل متمايز, لذلك فهوية الإنسان تتحدد بعقله وبإرادته وليس كما يحلوا للآخرين تسميته, ويمكن أن تكون لقطيع متجانس من الحيوانات هوية واحدة, مثل قطيع من الخراف أو البقر أو الإبل فكل خروف أو نعجة أو بقرة أو جمل بالقطيع يشبه الآخر, أما الإنسان فهو صاحب عقل يميزه عن الآخرين, ولا يوجد اثنان في هذا الكون الشاسع متطابقين تماما فكيف بملايين البشر. اما تبني الأفكار بوعي وبإرادة ذاتية وباختيار الشخص نفسه فهذا أمر مختلف وقد يكون هناك الملايين بهوية واحدة كما الأحزاب والتجمعات الفكرية على مختلف أشكالها.
وبتقديري أيضا أن من يصم إنسان بأنه مسلم أو مسيحي أو سني أو شيعي إنما يوجه إهانة لذلك الشخص. لماذا؟
أولا لأنها تسمية ضبابية ولا تعني شيئا ولا تدل على حقيقة ذلك الإنسان.
ثانيا قد تكون التسمية مرفوضة من قبل الشخص المعني, وبالتالي تكون تجاوز غير مبرر على حرية وحقوق الإنسان في اختيار الهوية, لاسيما ونحن في زمن الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.
وثالثا لأنها تضعه من ضمن قطيع متجانس وهذا اتهام غير صحيح.
مثلا لا يمكن أن أقول عن مجموعة من الناس وبتعسف بأنهم إسلام أو مسيحيون لان منهم الكثير الذي لا تنطبق عليه هذه التسمية مثل الشيوعي العلماني والليبرالي الديمقراطي واليساري واليميني والبعثي القومي والقومي الكردي والاشوري والتركماني والمتدين والكافر والوطني والانتهازي والعميل للأجنبي والسارق والأمين والعاقل والمتعصب الطائفي والمنفتح اللاديني إلى ما لانهاية من التسميات أو التوصيفات أو الهويات ). وواقع الحال يقول: إن لكل من هؤلاء رأس مختلف عن الآخر ولا يجوز تعريفه بغير ما هو موجود في رأسه من ثقافة ومعرفة وفلسفة تحدد طابع هويته وأسلوب حياته وعلاقاته بالآخرين.
ولا يكتفي المصاب بفيروس وهوس الهوية الطائفية بتسميم حياتنا وجعلها لا تطاق, بل يتجاوز ذلك إلى الأضرار بالمستقبل بنقل طاعون الطائفية إلى أولاده, ولا اعتقد أن هنالك طائفي أو متعصب ديني أو قومي يستطيع أن ينشئ أبناء يؤمنون بالعدالة والمساواة بين البشر والإنصاف والحيادية والموضوعية في الرؤية وفي علاقاتهم مع الآخرين, فهو معتدي مع سبق الإصرار عليه وعلينا وعلى أولاده وأولادنا ويهيئ الأرضية المناسبة الملائمة للاحتراب والاقتتال في المستقبل, والتاريخ مليء بالحروب والقتل وبالتصفيات الجسدية الدينية والقومية والطائفية. ولم تتخلص اوربا من دوامة الحروب الا بعد ان فصلت الدين عن الدولة والسياسة وتراجعت المشاعر القومية الى ادنى مستوياتها.
بمرور الوقت ومع المغالاة بالهوية الدينية والطائفية والتدريب المستمر على هذا النهج يبتعد الإنسان كثيرا عن كونه إنسان سوي طبيعي يتعايش مع أخيه الإنسان أي إن كان وأينما كان, ويتحول إلى متقوقع متعصب يسبح في مستنقع آسن, متحفز للهجوم على كل ما من شأنه أن ينال من هويته الوهم المزعومة, قاسي جاف جامد متحجر بالعقيدة, يؤذي أو حتى ممكن أن يقتل كل محاور أو مفكر أو مخالف أو مختلف, وهذا هو ما يجري في العراق ألان ( من تمزيق لأجساد الأبرياء من أطفال ونساء ) وفي أماكن أخرى من عالمنا العربي والإسلامي.
أنا اشترك مع كل العالمين بالهوية الإنسانية واشترك مع العراقيين بالهوية العراقية وتصغر مشتركاتي ويصغر انتمائي واصغر أنا مع أبناء قوميتي, واصغر أكثر بالاشتراك مع من هم من نفس ديني, وأصبح صغيرا جدا مع من هم من نفس طائفتي وهذا ما لا يرضاه غرور أي إنسان سوي يحترم إنسانيته وينشد الكبر والتقدم والرقي, وبهذه الهوية المدمرة اختلف مع أبناء وطني وإخوتي وأحبتي من القوميات الأخرى والأديان الأخرى والطوائف الأخرى, والتاريخ مليء بالحروب والقتل وبالتصفيات الجسدية الدينية والقومية والطائفية.
وقد تخلص العالم المتحضر ( نتيجة لتقدم الصناعة والثقافة والمعرفة والعلوم, ووسائل الاتصال ونتيجة لتطور العقل الإنساني ) من هذه الحروب, بينما لا يزال العالم المتخلف المعزول عن الحضارة والمعاصرة كالأمة العربية والإسلامية يتصارع ولم يحسم الصراع بعد حول ما هو حلال وما هو حرام, وأي الطوائف هي الأصح, وأي الأديان هي الأحسن, وأي المذاهب هي الأفضل, وأي القوميات هي الأنبل.
خلاصة
هل نستطيع أن ننبذ الطائفية ونكون عراقيين اصلاء لإنقاذ شعبنا من حمام الدم اليومي الدائر وتجنيبه الويلات والدمار والحروب وإصلاح الخراب في النفس العراقية وفي البنى التحتية ؟
وهل نستطيع أن نرمي بكل هذه الهويات الفرعية الثانوية القاتلة خلف ظهورنا ونتقدم بالهوية الوطنية ويدنا ممدودة لمصافحة الآخر من اجل العراق؟
وهل نحن قادرين بان نكون متحررين من الضغوط القومية والدينية والطائفية وجديرين ببناء الحياة والمستقبل لأطفالنا؟
وهل نستطيع أن نعاهد شعبنا على إننا على طريق الوطن الحر المستقل والشعب السعيد الآمن سائرون؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *