الرئيسية » مقالات » التاريخ يتكلم الحلقة 82 التوجه الى كردستان 1982

التاريخ يتكلم الحلقة 82 التوجه الى كردستان 1982

ودعت الرفيقات والرفاق متوجهة الى الطائرة التي نقلتني من موسكو الى سوريا، بدأ الصراع داخلي حول ما اذا كان القرار الحاسم الذي اتخذته بالذهاب الى كردستان صحيحا. والآن اجمل دوافعي لاتخاذ قراري بالذهاب الى كردستان بعد انهاء دراستي وهي:
1. حنيني الجامح الى الوطن بعد معاناة من الغربة والوحدة والدراسة المرهقة.
2. ايماني بالتخلص من معاناتي من عقلية الرجل الشرقي إذ كان سائداً ان المرأة غير قادرة على تحمل المسؤولية والظروف الصعبة والقتال كالرجل، كنت أرغب ان ابرهن لرفاقي ان المرأة تستطيع تحمل ما يتحمله الرجل المناضل.
3. يجب ان يرتفع عالياً صوت المرأة العراقية فلها تاريخ سياسي عريق ساهمت فيه في الانتفاضات والثورات والمظاهرات، ودخلت السجون، ويجب ان اساهم انا ايضا لاكون من ضمن ذلك التاريخ.
4. انا تواقة للحرية، لم استطع التعبير في الاتحاد السوفييتي عن رأي السياسي بالنظام العراقي.
5. كنت أحترم الحزب وفي حينه اعتبرت قرار تشجيع المرأة للعودة الى كردستان قراراً صائباً جداً.
6. املي في ان الاقي المشاعر الانسانية الخالصة البعيدة عن التعصب والعمل من اجل هدف واحد على خلاف ما كنا نلاقيه في مجتمعنا. ففي كردستان سأجد نساء من قوميات وطوائف متباينة، العربية، الكردية، الكلدواشورية، التركمانية، الصابئية، الارمنية، تخلو من كل تعصب عنصري او طائفي بليد او تقاليد اجتماعية بالية.
7. امنيتي الغالية التي لم تفارق جوارحي وهي اللقاء بوالدي الذي كان يعاني من المرض لاشاركه الشعور بالاعتزاز والفخر بابنته الدكتورة.
8. تربطني اواصر فكرية وروحية وانسجام عقائدي مع رفاق لي هناك من امثال الشهيد ابو ريزكار –ريبوار عجيل الرفيق والصديق والانسان المخلص لقضيته والمتواضع، فيه طيبة الاطفال وصلابة الابطال، سبقني الى كردستان واستشهد ضحية الاسلحة الكيماوية في كلي زيوة.
9. قرار الذهاب الى كردستان كان مني شعورا عاليا بالمسؤولية واستعداداً للتضحية، فهذا زمن البطولة والقبول بالموت من اجل تحرير الوطن.
10. كنت أقول لرفاقي اني لا أريد الموت إلا على تراب الوطن.
11. كانت الصورة المنقولة لنا عن النظام القائم بانه متفكك وفي سبيله الى الاحتضار ولا يحتاج الا الى شحذ همة الجماهير وبوقفة جريئة منطلقة من كردستان وبقيادة البيشمركة سيدق المسمار في نعشه عن قريب، ولم نكن نتوقع هذه النهاية المأساوية.
12. معلوماتنا الضئيلة عن قوة النظام الصدامي وتكنيكه العسكري العالي في الحرب العراقية الايرانية وعدم الدقة في المقارنة بين قوة الجيش وامكانيات المعارضة الهزيلة حتى في الجبهة الكردستانية والتي لم يكن لديها صورة واضحة عما يخطط لهم صدام حسين.
13. تصريحات القيادة عن سلبيات الوضع السياسي في الجبهة الكردستانية (المتكونة من 6-7 احزاب سياسية معارضة) والتي تعاني من تشتت كبير وعدم انسجام في الرأي السياسي، كانت مبهمة بمعنى اخر لم نزود بمعلومات كافية عن الوضع السياسي في كردستان .
14. الوضع السياسي الجماهيري في العراق معلوماتنا عنه ضئيلة، عموم الشعب استسلم للامر واذعن لاحقية صدام حسين في اعلان الحرب على ايران ورضخ لواقع ان صدام هو المدافع عن الوطن.
15. كنت طوال حياتي مسحورة بطبيعة المعيشة البسيطة المتواضعة في القرى، ارغب في العيش مع القرويين الناس الفطريين حيث يكون التعامل معهم أسهل.
16. اعتقادي بان يستفيد شعبي في المستقبل من خلاصة العلم والتجربة التي تلقيتها في اوروبا فليس من المنطق الاحتفاظ بها لنفسي فالوطن بحاجة الى ابنائه.
17. كنت مؤمنة وباصرار بان الكفاح المسلح هو الطريق للخلاص من النظام العراقي الحاكم.
18. لقد عانيت من التناقضات في الموقف السوفييتي، فبينما كان يدعي التضامن الاممي مع الشعوب إلا انه كان، في الوقت نفسه، يحرص على استمرار مصالحه مع النظام العراقي.
كان ذلك لغزا محيرا لي لا بد من سبر غوره عند التحاقي بكردستان، ذلك ان هذا الضرب من المعلومات يظل حكراً على القيادة.
اتخذت القرار الحاسم مسرورة، مندفعة، لا يسعني الكون كله. كنت اسابق الزمن للوصول الى ارض الوطن الممزقة الغارقة بالدماء والملوثة ادمغة ابنائه بافكار صدام . ومع ان الاصدقاء نبهوني الى صعوبة الموقف واستحالة التغيير لصالحنا اذ لا يوجد هناك غير الموت في الانتظار، الا انني لم اتردد ولم تثنني عن عزيمتي تلك النصائح واعتبرتها نوعا من المغالاة.
استقليت الطائرة وحدي الى سوريا، التجأت الى الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين لدى وصولي وطلبت منهم ايصالي الى رفاقي العراقيين. بعد ساعتين جاءني الرفاق من منظمة سوريا سألني: من اين قدمت وما هي وجهتك؟ ” اخبرته من موسكو وقاصدة كردستان العراق، رمقني بنظرة ملؤها الاحترام وقادني الى بيت حزبي في دمشق.
كان ذلك في تموز 1982 ، مكثت اكثر من عشرة ايام في بيوت سرية في مساكن برزة ثم غادرت دمشق مع الرفيق ابو جمال الى قامشلي، حيث نقلتنا سيارة باص كبيرة. وبعد مسيرة 8 ساعات وصلنا مساءا الى بيت حزبي (بيت سوري) فيه مجموعة من الرفيقات والرفاق، سألني احدهم فور وصولي: اسمي تحول الى سعاد حال جلوسي السيارة هل تعرفينني بصوت خافت؟” انا الدكتور سلمان داؤد من هنغاريا وملقب الآن (ابو داؤد). في الوقت نفسه اخبرني الرفيق ابو جمال ان انسى اسمي القديم ليحل محله د. سعاد فالكل يتعامل باسماء حركية. الرفيق ابو داؤد كان على معرفة مسبقة بي فوالده صديق والدي من الطفولة وهو من نفس مدينتي .
مكثت في ذلك البيت اكثر من اربعين يوما وتكونت صداقة حميمة بيني وبين ابو داؤود، كنا نتكلم الكلدانية. بعد شهر سألني الشهيد خليل الطيار (الذي قدم هو الآخر من لندن للالتحاق بركب كردستان) هل الرفيق ابو داؤد اقاربك؟” اطلعته على حقيقة الامر. ضحكنا في حينها طويلا وكان بيننا الرفيق ابو حربي (كردي يزيدي) انه هو الاخر يعرفني منذ كنت في الموصل اقود التنظيم النسوي المهني . كان تلميذ والدي في الحزب، وله علاقة وطيدة بعائلتي ويعرف اخوتي جميعا ووالدتي التي يسميها المرأة المثابرة المخلصة لزوجها الصبورة على الملمات. سألني: هل انت صبورة مثل والدتك؟” ضحكت للسؤال. اخبرني بان اخاك باسل الملقب الان سعيد يعلم بانني ساتوجه الى كردستان وطلب منه ان يرافقني الى بهدينان (المنطقة الغربية من كردستان العراق التي ندخل اليها من سوريا وتركيا). اخبرني ايضا بان ابو جوزيف طلب منه ذلك ايضا:< لانك تستطيعين العمل في بهدينان. فبهدينان تعود الى دهوك ونينوى لا سيما وانك ضليعة بامور المنطقة، فقد كنت قيادية هناك قبل مغادرتك العراق.> كانت فرحتي لا توصف فسوف التقي بأناس يعرفونني والتقي باخوتي سلام الدْي كان اسمه رفعت وباسل والرفيق القائد البطل (ابو جوزيف) الذي يقود منطقة بهدينان. انه مثال للشجاعة والاقدام ومثال للرجولة والفكر، لا يهاب الموت قلما اجتمعت هذه الخصال في قائد ثوري مثله. بطولة محارب عنيد وفكر ثاقب سديد. قيادي عسكري يهاب العدو من ذكر اسمه . نادر ان يتكرر ذلك النموذج المتلأليء. انه يعيش الحياة مرتين، مرة حين يملأ الدنيا كفاحا واصراراً على زرع المبادىء، والتضحية بكل قيم ونفيس للمضي قدماً من اجل إضاءة قنديل الحرية في دياجير الظلمة، واخرى للذكرى. فحيثما ذكر اسم ابو جوزيف فانه يعني الموصل والعراق والشرق ويعني اسمى آيات النضال لا يوازيه الا الذين قدموا ارواحهم غير آبهين بالبطش والموت والطغاة، ويعني الاعتزاز بصمود الرفاق ويخلق لدى الاجيال الجديدة التساؤل: من كان هؤلاء؟ ولماذا كل ذلك الاصرار والتضحية ونكران الذات؟ انه نجم ساطع في سماء داكنة. سوف لم ولن تنسى كردستان العراق وبالاخص بهدينان والموصل اسم ابا جوزيف البطل الى الابد . وبالاخص مدينته القوش التي تعتز به ويعتبر رمز في تاريخ القوش .
كانت نظرة ابو جوزيف لي نظرة ابوية بحت. فهو الصديق المقرب جدا الى والدي.
الرفيق كانت ثقافته السياسية النظرية محدودة، لكن ذلك لا يقلل من قيمته، فهو يجيد امورا اخرى يتطلبها عمله الحزبي. كل حسب قابلياته، سواء كانت عملية ام ثقافية، هذا كان مبدأي في النضال وكان الدافع وراء دخولي الى كردستان.
احد ايام الصيف في القامشلي. يوم حار من ايام آب مساءاً. ونحن في حديقة كبيرة. كان النقاش يدور بحماسة واندفاع حول الدخول الى كردستان. نتحدث عن الموت؛ الموت البطولي على ارض الوطن من اجل هدف سام. الاستشهاد حلو المذاق مع الرفاق، اثناء ذلك الحماس تدخل الرفيق ابو داؤد بدعابة ثقيلة، قال: ” ارغب ان اموت من اجل الوطن وعلى ارض الوطن ولكن ليس بطلقة جندرمة تركي” كان ذلك شعور ذلك الرفيق الذي تنبأ بمصيره قبل ايام قليلة، ذلك انه استشهد بطلقة جندي تركي.
ذات امسية وبعد تناول وجبة العشاء التي كنت قد اعددتها بنفسي. كان نظام حياتنا شبه عسكري، فكل يوم هناك مسؤول عن اعداد الطعام بدءاً من الفطور ومرورا بالغداء ثم العشاء. كان يطلق على ذلك (الخدمة الرفاقية) ويسلم المطبخ نظيفا في اليوم التالي الى عنصر آخر. بعد انهائي تلك الواجبات ابلغني الرفيق ابو محمود (مسؤول المسكن) بانني ساغادر غدا مع ثلاث رفيقات اخريات (الرفيقات تانية، سمر، اشواق) اخذنا حماما ونحن نفكر: اين سنستحم ثانية؟ ومتى؟ شرعنا بترتيب الامتعة الشخصية التي يجب ان لا يزيد وزنها على 3 كغم تحمل في حقيبة ظهر عسكرية. اخبرني المسؤول بوجوب انتقاء الملابس الدافئة.