الرئيسية » بيستون » الفرنسيون يثأرون للـبدون وللأكراد الفيلية

الفرنسيون يثأرون للـبدون وللأكراد الفيلية

أيلاف
GMT 16:00:00 2007 الثلائاء 15 مايو 

أصبح، الآن، معروفا للقاصي وللداني أن الرئيس الفرنسي الجديد، نيكولا ساركوزي هو، نصف فرنسي، ونصفه الأخر أجنبي، هنغاري، وهو،أيضا، نصف مسيحي ونصف يهودي (لأمه). مع ذلك، فأن الفرنسيين انتخبوه بأكثرية ساحقة.
وساركوزي النصف فرنسي، النصف مسيحي، يريد أن يقلب فرنسا رأسا على عقب، وأعلن ذلك في برنامجه الانتخابي، بوضوح وبدون مواربة. هو يريد إعادة النظر بكل الأسس والثوابت القائمة في المجتمع الفرنسي، منذ سنوات طويلة: في الاقتصاد، والسياسة، والتاريخ، والمنظومة الأخلاقية، وعلاقة الفرنسيين بأنفسهم، وعلاقتهم بالعالم الخارجي. ساركوزي يريد أن يعلم الفرنسيين كيف يجب أن يكونوا.
مع ذلك، فأن الفرنسيين انتخبوه رئيسا لهم بأكثرية ساحقة، وفضلوه على الفرنسية (القح) سيغولين رويال.
وحتى اولائك الذين صوتوا ضده، فأنهم لم يفعلوا ذلك لأن ساركوزي نصف فرنسي ونصف مسيحي. أبدا. هم صوتوا ضده لأنهم يختلفون مع أفكاره ومواقفه السياسية، فقط. ولو سألتهم عن(النصف) ساركوزي، لأشاحوا بوجوههم عنك، وربما شتموك، أو على الأقل، لأستهزأوا منك، لأنهم سيجدونك تتوقف عند (ترهات) لا تسمنهم ولا تغنيهم من جوع.
وما من فرنسي واحد، أو مجموعة من الفرنسيين غمزوا من قناة ساركوزي بسبب (النصف)، اللهم ما خلا قائد اليمين المتطرف. وحتى هذا الأخير فأنه لم يتوقف كثيرا عند هذه المسألة، لأنه يعرف جيدا، بأنه سيعزف في قربة فرنسية مثقوبة، لو ألح على هذه النقطة.
أكثر من هذا، فأن الشيوخ الذين صوتوا لساركوزي، والشباب الذين احتشدوا في الشوارع والساحات للاحتفال بفوزه هم، من علية القوم في فرنسا. قسم كبير منهم ينتمون للعائلات الفرنسية الارستقراطية العريقة، التي تضع الحسب والنسب في أولوية أهتمامتها، وتحتفظ داخل مكتباتها الخاصة ب(شجرة العائلة)، وتتمسك أكثر من غيرها بالعادات والتقاليد والأصول الفرنسية، وتواظب على حضور قداس الأحد.
مع هذا، فأنهم اختاروا ساركوزي (النصف) رئيسا لهم.
شعرت، أنا العربي القادم من “خير امة أخرجت للناس”، بفرح عميق وبحزن مثله عميق، عندما كنت أشاهد ملايين الفرنسيين يتهللون فرحا ويرقصون طربا، بعد فوز ساركوزي (النصف) فرنسي.

لماذا الفرح ؟
لأني وجدت أمامي بشر يسكنون، مثلنا، على سطح هذه الكرة الأرضية، لهم قدرة على مراجعة أفكارهم ومعتقداتهم ومسلماتهم، وغسلها، يوميا، بالماء والصابون، تماما مثلما تغسل جميع المقتنيات. يغسلونها ليتأكدوا أيها ما يزال ينفع معه الغسيل، ويظل قابلا للاستخدام، فيحافظون عليه، وأيها الذي تهرأ، فلم يعد له مكانا غير سلة النفايات، فيودعونه هذا المكان الذي يستحقه. أرى أمامي بشر قدت عقولهم، ليس من جلمود صخر، وإنما من لحم ودم; عقول تفكر; عقول لها قدرة على حرث تربة المفاهيم وتعريضها لأشعة الشمس ; عقول تتعامل مع الزمن باعتباره لحظات متغيرة كل يوم، بل كل لحظة; عقول تقول في بداية كل صباح، “هذا أنا”، وليس “كان أبي”.
وهذا لم يحدث في فرنسا، فقط. فالمرشح الحالي لرئاسة الولايات المتحدة، السناتور الديمقراطي، باراك أوبوما هو، أيضا، نصف أميركي (لأمه)، ونصفه الأخر (لأبيه) أفريقي من كينيا.
هذا، إذن يحدث في العالم الغربي كله، الغرب “المتفسخ، المتحلل أخلاقيا، الخال من القيم، الذي يعيش أفراده مثلما تعيش الحيوانات السائبة”، كما نصفه نحن العرب، صباحا ومساءا.
هذا الغرب “الفاسد، المنحط”، كما نصفه نحن العرب، بمناسبة وبدونها، يقبل أن يترشح لقيادته، وأي قيادة، أفراد مقطوعو الجذور، وصل أبائهم إلى هنا قبل جيل واحد، بل ويتم انتخابهم بأكثرية ساحقة.

الآن، ما هو مبعث حزني؟
سأدخل، حتى أشرح أسباب غمي وحزني، من مدخل صنائعنا، صنائعنا نحن العرب، الذين ننتمي لخير أمة أخرجت للناس.
هل سمع أحدكم بمجموعة بشرية أسمها (الأكراد الفيليلة) ؟ هولاء الناس، لمن لا يعرفهم، عراقيون، أبا عن جد، وليسوا أنصاف عراقيين، مثلما ساركوزي، أو أوباما. وهم مسلمون، أبا وأما، وليس كحال ساركوزي. وبضمير مطمئن، نستطيع أن نؤكد، أنهم (أشرف وأنبل) مجموعة بشرية سكنت العراق. هم مضرب المثل في الوفاء وعفة اليد واللسان، وفي العمل الدؤوب، وقبل كل شيء، في حب العراق، وفي تفانيهم الحقيقي لرفعته ورقيه. ولم يعرف عنهم، بأي شكل من الأشكال، أنهم أساءوا إلى بلدهم العراق وخانوه. هولاء الأكراد الفيليلة لا يتم، بدونهم، أي حديث عن ازدهار الاقتصاد العراقي، ومواقعهم المرموقة، طوال سنوات، في سوق (الشورجة) ببغداد، أي الرئة الاقتصادية لكل العراق. منهم نبغ أدباء وقادة أحزاب، وتكنوقراط في جميع المجالات، ومات كثيرون منهم في ساحات الحروب، دفاعا عن العراق، إثناء خدمتهم الإلزامية، كباقي العراقيين، في الجيش العراقي. هم فص من فصوص المخ العراقي، والشريان الأبهر في قلب العراق.
هولاء العراقيون الذين لا يعرفون بلدا أخرا لهم غير العراق، ولا تعرف أكثرية شبابهم، غير اللغة العربية يتحدثون بها، بل ولا يعرف كثيرون منهم،خصوصا في المناطق الجنوبية من العراق، غير الزي العربي التقليدي، العقال والعباءة، وجدوا أنفسهم، في ليلة ظلماء، خارج حدود العراق. هكذا. زعلنا عليهم، نحن العرب (الأقحاح)، ورميناهم خارج حدود بلدهم.
هكذا، بدون أي مبرر. فجأة، أكتشف (أبننا) صدام حسين، حامي حمى العروبة، أن الأكراد الفيليلة غير عراقيين. فهيأ لهم (لوريات) تستخدم لجمع النفايات، وعبأهم بداخلها، دون أن يسمح لهم بالتقاط حتى قشة واحدة من بيوتهم، ثم قادهم نحو الحدود الإيرانية، ورماهم هناك، ليهيموا على وجوههم، في رحلة تيه ما عرفتها البشرية: لا صليب أحمر ولا هلال أخضر بانتظارهم، ولا جمعيات للدفاع عن حقوق الإنسان، ولا حتى بلد يقبل استقبالهم، فقد رفضتهم إيران، وعندما قبلتهم فعلى مضض، ولم تمنحهم الجنسية الإيرانية حتى هذه الساعة. فالجمهورية الإسلامية الإيرانية، أيضا، تريد الحفاظ على نقاء عرقها. وإمعانا من أبننا العربي القح صدام حسين، في تعذيب الأكراد الفيلية، فأنه أبقى على الشباب منهم، وقام باعتقالهم حتى لا يلتحقوا بأهلهم. وما يزال مصير هولاء الشباب مجهولا حتى كتابة هذه السطور.
ولم يذرف منا، نحن العرب المنتمين لخير أمة أخرجت للناس ، دمعة واحدة على مصير هولاء البشر، لكن عندما أعدم صدام، أغمي على الكثير منا حزنا وكمدا، على موته. هذه واحدة من صنائعنا.

من صنائعنا، أيضا، ما يحدث في الكويت. في الكويت توجد فئة من البشر تطلق عليهم تسمية “البدون”، وهي تسمية لا نظنها أطلقت على قوم آخرين، منذ جدينا آدم وحواء. هولاء “البدون”، ليسوا (أنصاف) مثل ساركوزي وأوباما، إنما ينتمون إلى نفس القبائل والأعراق والقوميات التي ينتمي إليها الكويتيون اللابدون، أي إلى فئة الكويتيين من الدرجة الأولى. وهولاء البدون استوطنوا الكويت، مثلما الأكراد الفيلية في العراق، أبا عن جد، حتى قطع النفس، كما نقول في أمثالنا.
وعندما كانت الكويت، في السنوات الخوالي، بحاجة لهم، فأنها وظفتهم في كل مفاصل الدولة، بما في ذلك وزارتي الداخلية والدفاع. وهولاء خدموا الكويت، ومات كثيرون منهم، ودفنوا في ثراها. وتقول بعض الإحصائيات أن عددهم وصل إلى 350 ألف في عام 1990، أي نصف عدد الكويتيين، المنتمين لفئة الدرجة الأولى. وبعد الغزو العراقي للكويت، انخفض عددهم إلى 120 ألف، إثر سياسة التهجير التي مارستها السلطات الكويتية ضدهم، لاتهامهم بمساعدة القوات العراقية، رغم أن الكثيرين منهم دافع عن الكويت حتى الموت.
“البدون” هولاء ما يزالون لا يملكون هوية تعريف ولا إذن بالعمل ولا حق بالتطبيب ولا التعليم ولا التزويج. وفي كل مرة تطرح فيها هذه القضية على بساط البحث والنقاش، فأن السلطات الكويتية ومجلس الأمة، يماطلان ولا يعمدان إلى حلها، وإنما يمعنان في زيادة العذاب الذي تعيش فيه هذه المجموعة من البشر،فيقال، مثلا، أن “البدون” هم الذين استوطنوا الكويت من تاريخ السنة الفلانية، أو الأفضل اختيار عينات منهم، أو تمنح الجنسية لإعداد محددة منهم في كل عام.

أيضا، من صنائعنا، نحن العرب الذين ننتمي لخير امة أخرجت للناس، المعاملة التي نكيلها إلى العمال الأجانب في دولنا الخليجية. هولاء نذهب بأنفسنا إلى ديارهم، فنجلبهم ذكورا وإناثا، لينظف الذكور منهم قاذورات اقتصادنا، وتنظف النساء منهم، قاذورات مراحيض بيوتنا. وحتى عندما يسافر الخليجيون إلى لندن وباريس وواشنطن في موسم الصيف، فان البعض منهم (يحزم) الخادمات الأجنبيات، تماما مثلما تحزم الحقائب، ليتفرغن، إثناء الإقامة في تلك المدن السياحية، للعناية بالأطفال، حتى لا تتعب (السيدات) أنفسهن، وتتكدر أمزجتهن.
هي القنانة بعينها. وما من محاسبة. لا أخلاق تردع، ولا قوانين تمنع، ولا جمعيات للدفاع عن حقوق الإنسان تشجب. وإذا ضاق ذرعا واحد من هولاء الأقتان وتململ، وانتقد معاملة أسياده له، ظهر مثقفونا العرب على شاشات الفضائيات محذرين بأن دول الخليج ستمحى عن الخارطة، تطبيقا لمؤامرة كونية ضدنا نحن العرب، غرضها القضاء على عروبتنا. ولا يتردد هولاء المثقفون أن يقولوا بأن الخليج العربي سيتحول، إذا استمرت العمالة الأجنبية بالتدفق، إلى الخليج الهندي، أو البنغالي، أو الفليبيني، أو التايلندي.

في الغرب “الفاسد المنحط، الملحد”، كما نصفه نحن العرب، توجد جمعيات أسسها هولاء “الفاسدون المنحطون الملحدون” أنفسهم، شغلها الشاغل الدفاع عن حقوق المهاجرين الأجانب، والتظاهر في الشوارع، دفاعا عن حقوقهم.
وفي الغرب “الفاسد المنحط” توجد قوانين تساوي بين أبناء البلد الأصليين وبين الأجانب الوافدين، حتى أن المساعدات الاجتماعية ومساعدات السكن، وفرص التعليم المجاني والضمان الصحي، تمنح للأجنبي ولأبن البلد الأصلي، سواء بسواء، ناهيك عن ضمان حرية العبادة والمعتقد.
وفي هذا الغرب “عديم الشرف”، توجد في دوائر الدولة أوراق رسمية، يستعاض بها عن تقديم الثبوتات الرسمية القانونية، وقد صيغت هذه الأوراق بالصيغة التالية: “أني الموقع أدناه، أقسم بشرفي على صحة المعلومات المقدمة من قبلي” للدائرة الرسمية الفلانية. الوثيقة لا تقول “أنا فلان المنتمي للديانة الفلانية أو المنحدر من العرق العلاني”، ولا تشترط وجود شهود، لأن الذي أعد الوثيقة يفترض أن لكل إنسان في الكون “شرف” يعتد به، ولا يقسم به كذبا.
وعندما يتساوى الناس في المعاملة، وحينما يتأكدون أنهم سواسية أمام القانون، لأنهم جميعا من نسل آدم وحواء، فأن هذا يعني سيادة المعروف وتراجع المنكر. والأمر هو كذلك في هذا الغرب “الفاسد”.
وبالطبع، فأن الأمور ما كانت كذلك قبل قرون. فقد كانت للكنيسة سطوتها ولطبقة النبلاء سطوتهم وللأباطرة سطوتهم. لكن ديناميكة الشعوب، وتطلعها الدائم نحو الأفضل، وشجاعتها في تحويل هذا التطلع إلى “قوانين”، أي إلى واقع معاش هو، الذي أطاح بتلك المثل القديمة واستبدلها بمثل جديدة تتماشى مع روح كل عصر جديد.
إما نحن العرب، فما زلنا نردد بأننا “خير أمة أخرجت للناس”، لكننا نصر على تناسي تكملة الآية الكريمة القائلة “تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر”.
فالإسلام العظيم لم يمنحنا “شيك على بياض”، نتصرف به مثلما نشاء فنصبح خير أمة أخرجت للناس، بل اشترط أن نأمر بالمعروف وننهي عن المنكر. وكل تعاليم الإسلام، آيات قرآنية وأحاديث نبوية، تنص على المساواة بين البشر، وأن لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى، وأن الناس سواسية كأسنان المشط، وأن النبي العظيم محمد بن عبد الله جعل من سلمان (الفارسي) واحدا من آل بيت النبوة، وجعل من بلال الحبشي مؤذنا، بالحق والعدل. لكننا ما نزال (نتفكه) بهذه (الأقاويل) في مجالسنا ومواعظنا، ليس إلا. إما إذا جد الجد ودنت ساعة الحقيقة، فنحن نسمي الأسود (عبد) ، رغم أن عظامنا قالوا “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا”، ونسمي الغير منتمي لقبيلتنا، حتى لو كان من قبيلة تجاورنا، (أجنبي)، ونسمي الذي تأخر في نومه بضع دقائق ففاته موعد الحصول على الجنسية، (بدون)، ونسمي القبطي، حالما جاء بتصرف لا يعجبنا، خائن للزاد والملح، فنحرق مسكنه، ونصر إصرارا على تعريب البربر، ونخير المسيحيين والصابئة واليزيديين بين دفع الجزية أو الذبح.
ومع ذلك، وعلى أكمام هذه القمامة الروحية التي نقف عليها، فأننا، نحن العرب، ما زلنا نصدح، كالديكة، مرددين أننا “خيار الناس”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *