الرئيسية » الملف الشهري » سينما …مرثية الثلج… سمفونيا القدر الحزينة

سينما …مرثية الثلج… سمفونيا القدر الحزينة

الالم طريق الابداع، عبارة نختصر فيها تداعيات الحياة بكل ما فيها من جنوح نحو الكمال، وبينما تختلس الايام منا اجمل لحظات الحياة نجد انفسنا في مفترق طرق مصيرية، والمصيبة الكبرى اننا لانجد الفرصة مرة اخرى للاختيار، فنواكب الزمن على مضض ونحاول ان نستكين الى القناعة التي طالما ضيعنا سنينا من عمرنا محاولين مصارعتها والتغلب عليها كبطل (سرفانتس) عندما كان يحارب طواحين الهواء. لربما كانت هذه هي الثيمة الاساس في فيلم المخرج الكوردي الشاب (جميل رستمي) الذي تسنى لي ان اشاهد بعض اللقطات من ملحمته الكوردية الجميلة (مرثية الثلج) وعلى شبكة الانترنيت، وما جمعته من معلومات عن الفيلم الروائي الاول له. و(جميل رستمي) مخرج كوردي شاب من مواليد عام 1971 (مدينة سنندج) بكوردستان ايران، دخل عالم السينما بطموح جامح وبدأ يمارس مهنة مساعد مصور سينمائي ثم مساعدا للمخرج، ونستطيع القول انه بدأ حرفيا، اي مارس غالبية المهن التي يزخر بها الفن السابع، كل هذا ليكتشف مصادر الفيلم بطريقة عملية، ونجح في ذلك الى حد كبير. عام 2002 صنع اول افلامه القصيرة والذي كان بعنوان: (المشكلة في ان تكون ولدا) والذي شارك في اكثر من 24 مهرجانا سينمائيا عالميا وحاز على العديد من الجوائز. وقصة هذا الفيلم القصير بسيطة ومؤثرة في الوقت نفسه حيث انها تتناول احداثا غريبة يقع فيها صبي اسمه شيروان خلال رحلته من قريته الى قرى اخرى بحثا عن ديكه المفقود. والرحلة هي التي يسلط عليها (رستمي) الضوء ليرسم لنا خلالها ملامح بحث الانسان عن ما فقد منه فيجد ان هناك اشياء كثيرة لم يكن ليفكر فيها ولم تكن لتخطر على باله الا انها تحمل معاني عميقة واهدافاً سامية. اما فيلمه الروائي الكوردي (مرثية الثلج) فهو بمثابة لوحة كوردستانية داخل نسيج فني محكم ترسم لنا خيوطا متشابكة ضمن فضاء انساني مليء بالعذابات، والاطار العام تم رسمه بدقة شديدة من قبل المخرج (جميل رستمي) ليحتوي بين دفتيه على العديد من الابعاد والتوجهات التي يجسدها الابطال بروعة متناهية. الشخصيات في الفيلم تلقي بظلالها على الاحداث، وترسم للمشاهدين صورا محددة بعناية، خاصة الشخصية المحورية (روزين)، البطلة (فهي شابة، جميلة، مليئة بالتناقضات، ملتهبة المشاعر، رومانسية، وتعاني من الاستلاب الاجتماعي). بايجاز نستطيع القول ان الثيمة الرئيسة في الفيلم هي محاولة لتفكيك العلاقات الاجتماعية المبنية على اواصر الماضي في منطقة كوردية تعاني من الجفاف وينتظر سكانها هطول الامطار للتخلص من شبح الجفاف والموت، فهم يصلون من اجل ان تهطل الامطار، حيث لاحياة بلا مياه، انه الجفاف الذي يضرب كل شيء فيجعل من الارض جرداء والحياة خواء. المخرج يؤكد على الناحية النفسية لشخصياته الذين يعيشون وسط اجواء بيئية صعبة، وهي التي في النهاية تلقي بظلالها على تعاملهم اليومي، وطريقة تقييمهم للامور، بحيث تجد ان البطلة تستجدي الهروب من واقع مر فرضته عليها الظروف وفي النهاية لاتجد مفرا سوى طلب العون من مسافر غريب يمر على القرية وهو يحمل معه كل شيء مختلف عما اعتادته لدى ابناء القرية.. انه يختلف في كل شيء، ويعطيها رمزا لطالما تبحث عنه في عمق خيالها الجامح نحو الانعتاق الروحي، من كل شيء، ويمثل لها نوعا من الولوج الى بدايات طالما تمنتها في قرارة نفسها. جمالية الفيلم لاتكمن في النمط السردي للاحداث قدر ما نلمسه من اللوحات الخلابة التي يحاول فيها المخرج ان ينافس الطبيعة في اعادة رسم جماليات المكان، والطبيعة هي الاداة التي يستخدمها بكل حرفية في ايجاد سبل للتواصل النظري مع المشاهد حيث كل زاوية مختارة تخبرك بقدرة هذا الفنان على اعادة رسم الطبيعة بعناية فائقة. ورغم ان رستمي هو مصور بالاصل الا انه فضل ان يقوم مصور اخر بعملية التصوير وكان هذا اختيارا صائبا فلقطات المصور الايراني (مرتضى بور صمدي) عبرت بصدق عن تدرج فني ينم عن عمق ودراية فائقة في اختيار زاوية متوافقة تماما مع الطبيعة الخلابة لكوردستان. ونستطيع القول ان الكاميرا في الفيلم هي البطل الرئيس، لان المشاهد يجد نفسه يذوب مع اللقطات المتتالية مع الموسيقى التصويرية الملتصقة بالصورة والمبهرة التي الفها الموسيقار الكبير (فاربورز لاجني). فيلم (مرثية الثلج) لايقحم المشاهد في الاحداث، بل انه يستدرجه بذكاء لولوج عوالم ربما كانت موجودة في حياته ولكنه لم يعتد ان ينظر اليها او يلحظها بهذه الطريقة ومن الزاوية التي اختارها له (رستمي). وان كان (بهمن قوبادي) قد رسم من خلال افلامه السابقة نصرا للسينما الواقعية فان (جميل رستمي) يحاول ان يرسم صورة اخرى هي اقرب للسينما الشاعرية. ولربما كانت سينما (اندرية تاركوفسكي) هي السينما الاقرب لاسلوب هذا المخرج الذي يتوقع منه الكثير ليقدمه. بقي ان نقول ان المشاهد بعد الخروج من صالة العرض سيعيش في اجواء كوردستان وهو يردد مع نفسه لحن الفيلم الحزين، ويحاول قدر الامكان ان لايبتعد عن الاجواء التي عاشها مع جميل رستمي وشخصيات فيمله رغم قساوتها وتلفحها برداء الشجن الانساني.

التأخي