الرئيسية » بيستون » الكـورد الفـيـلـيـون: نـحـن عـراقـيـون قـبـل كـل شـيء،لانريد أكثر من حقوقنا بموجب القانون والدستور

الكـورد الفـيـلـيـون: نـحـن عـراقـيـون قـبـل كـل شـيء،لانريد أكثر من حقوقنا بموجب القانون والدستور

لقد واجه الكورد الفيليون ظلما مركبا ابان حكم النظام الشمولي الديكتاتوري السابق فلقد انكرت سلطة البعث عليهم عراقيتهم وسلبت منهم هويتهم كعراقيين اصلاء، ووجدوا انفسهم بين ليلة وضحاها غرباء في وطنهم وان عليهم الرحيل الجبري، القسري، وصودرت املاكهم ومنعوا من تصفيتها وقذفوا دون رحمة الى الحدود. وتمت تصفية الآلاف من ابنائهم في سجون ومعتقلات نظام صدام.، والآن وبعد زوال الديكتاتورية يتطلع الكورد الفيليون الى انصافهم واسترداد حقوقهم بموجب الدستور والقوانين كعراقيين لهم مثلما لكل عراقي من حقوق وواجبات.
اسهامات منوعة
وللوقوف على اسهامات الكورد الفيليين في الحياة السياسية والثقافية للشعب العراقي التقينا الباحث الدكتور برهان شاوي فتحدث قائلا: (كان الفيليون يرفدون الحركات السياسية بالشباب، والمعلومات تشير الى أن سكان شارع الكفاح والفضل وقنبر علي والشيخ عمر في الرصافة وسكان الشواكة، والجعيفر والحريةوالوشاش في الكرخ ظلوا يقاومون الإنقلابيين البعثيين بالسلاح الى آخر لحظة، في عام 1963).
واضاف: (كانت لهم إسهاماتهم الواضحة في الثقافة العراقية، وربما كان خافيا على الكثيرين من العراقيين أن العديد من الأسماء الثقافية والفكرية العراقية هي من الكورد الفيليين، فمثلا: في مجال المسرح نجد أسماء مثل(ابراهيم جلال)، وفي مجال التاريخ نجد ( د. حسين قاسم العزيز)، والأديب الباحث( د. جعفرالخياط،) وفي مجال الرسم نجد اسم الفنان (فائق حسن) وفي الرواية نجد اسم (غائب طعمة فرمان) وفي الموسيقى نجد اسم (جعفرحسن)،)، ناهيك عن اسماء لامعة في مجال القضاء والهندسة والطب.
تاريخ مشرف
وتحتفظ ذاكرة العراق السياسية بتأريخ مجيد ومشرف لهذه الشريحة من ابناء الشعب العراقي ويعود ذلك فيما يعود اليه الى ارتباطها واهتمامها بالتعليم والثقافة والتجارة وسكنت اعداد كبيرة منهم في بغداد، ولنصغي لمناضلة كوردية وهي تروي لنا (ملحمة عكد الاكراد): في صبيحة الثامن من شباط الاسود عام 1963 ذهب أعضاء فريق الشبيبة الفيلي الرياضي لكرة القدم الى بغداد الجديدة، ولكن الفريق الآخر لم يحضر، وعندما سألوا عن السبب؟ كان الجواب: (حدث انقلاب)؛
عاد الشبيبة الى المنطقة وكانت الجماهير تنزل الى الشارع… الكل يتجه صوب وزارة الدفاع.. ليلبي النداء ويناصر المستضعفين و التضحية من أجل الوطن والثورة، وهب الشعب ليدافع عن ثورته وأخذت الحشود تقترب من الوزارة،هاتفة بسقوط المؤامرة من أجل الثورة ولم تمض إلا ساعات حتى تسقط الحكومة… وبدأت المواجهة بين الشعب والمتآمرين وسقطت حكومة الزعيم.. نعم، في هذا اليوم المشؤوم سقطت الحكومة ويدخل شارع الكفاح وزقاقه الشهير(عگد الاكراد) في ذاكرة التاريخ السياسي للعراق ومن أوسع أبوابه.
عاد الفيليون من وزارة الدفاع بعد أن قدموا أول شهيد لهم على بابها (هاشم غلام علي)… تحصنوا في الشوارع والأزقة، وحمل بعضهم السلاح (الابيض)..ولم يلجأ المقاومون الابطال الى بيوتهم بل الى الدفاع بشجاعة عن ثورة تموز وهم يحملون القليل من السلاح وكانت قيادة المنطقة حينها للشهيد لطيف



الحاج ومحمد صالح العبلي مسؤول الحزب الشيوعي العراقي..و تسلم الرشاشات اربعة من الشباب الشجعان تخندق فؤاد في شرفة إحدى الشقق، وفي الطرف المقابل كان الشهيد حازم يمطر الانقلابيين بالرصاص،تقدمت ثلاث دبابات ومصفحتان من جهة باب الشيخ متجهة صوب الباب الشرقي… منعوهم من التقدم فعادوا من حيث أتوا خائبين.ثلاثة ايام بلياليها قاوموا البعثيين والحرس القومي.. وكانوا سيقاومون اكثر لو كانوا يملكون السلاح.
وإنتهت المقاومة بعد ثلاثة ايام، ولكن ذكراها ما زالت خالدة في قلوبنا. وضمائرنا إذ سجل الفيلية ملحمة خالدة أصبحت فيما بعد رمزا لعزتهم وسيرتهم النضالية.
كما لن ننسى الشهيدة البطلة ليلى قاسم عضو اتحاد نساء كوردستان التي اعدمت مع رفاقها الابطال ودفنت مع خطيبها في النجف في نفس اليوم.
شكل التاريخ الكفاحي المشرف للكورد الفيليين، نواة الكراهية لهم من قبل السلطات العراقية المتعاقبة ابان فترة الستينيات، حتى سقوط التظام الشمولي، وتراكم هذا الكره حتى تجلى بصورته السافرة والوحشية بعد ان تسلم حزب البعث السلطة في انقلاب عام 1968، ووجدوا في حادث الجامعة المستنصرية ذريعة لشن ابشع جريمة تطهير عرقي في العالم، اذ لم يكتف النظام الديكتاتوري القمعي بابعاد العوائل الكوردية الفيلية خارج حدود وطنها العراق بل شن حملة تصفيات جسدية للشباب ومصادرة اموالهم وعقاراتهم….
حرب
وأسفرت السلطة عن وجهها القبيح وهجمت بعنف على الفيليين، وكان لهذه الهجمة جذور إقتصادية وسياسية، فقد كان التجار الفيليون يهيمنون على السوق العراقية،، ولم يكن هذا الأمر ليعجب الطبقة الطفيلية الجديدة، الذين تسلموا السلطة توا، ومع تدفق عائدات النفط عليهم، بعد التأميم، و تشكيل أجهزة القمع، والدخول في مفاوضات آذار، بدأت الهجمة على الفيليين، و كانوا الأغلبية في غرفة تجارة بغداد، و يشكلون سندا ودعما إقتصاديا للثورة الكوردية.
و بعد محاولة بطولية من قبل بعض شباب الكورد الفيليين لأغتيال أحد رموز النظام، وجد النظام الدموي ذريعة لإعلان حرب سافرة ضد الفيليين، فدعوا التجار في بغداد لأجتماع في غرفة التجارة، بعدها أعتقلوهم وهجروهم الى ايران دون ان يأخذوا معهم فلسا واحدا، وبدأوا بإصدار القوانين (التعليمات) اللاانسانية، بتفريق العوائل، وإجبار الأزواج على تطليق زوجاتهم الفيليات، أو إجبار الزوجات العربيات على الطلاق والإنفصال عن أزواجهن من الفيليين، ومصادرة الأموال والبيوت والممتلكات، وإعتقال الشباب الفيليين، وتجميعهم في سجن الفضيلية ثم في سجن ابوغريب، وحينما بدات الحرب مع ايران كان النظام يجري تجاربه الكيمياوية على هؤلاء الشباب، ويسحب دماءهم الزكية لتزويد مستشفياته وجرحى حروبه المجنونة، وأخيرا تم إعدام الآلاف منهم، وهناك مقابر جماعية لأبناء الفيليين، كما ان هناك ما يقارب ربع المليون من المهجرين في ايران.
روايات عن الظلم
تقدم الكارثة التي تعرض لها الكورد الفيليين مادة اولية للروائيين وكتّاب القصة يمكنهم توظيفها في كتابة اعمال مثيرة عن الألم الانساني والتحولات التي تطرأ على الانسان حين يقع عليه الظلم.
يقول المواطن خليل إبراهيم عباس الفيلي،(59 سنة) وعيناه تخفيان حزنا عميقا، ولهجته البغدادية لم تتأثر برغم نفيه خارج العراق 24 عاما..”ابي كان ندافا في باب الشيخ و قبله جدي،. انا من عائلة بسيطة،، اربعة اخوة، وخمس اخوات عشنا في بغداد، وفي هذه المحلة منذ زمن بعيد، حتى قبل ان يولد صدام. سجنت عام 1963 عدة اشهر، لان منطقتنا قاومت الانقلاب ضد الزعيم، بعدها بدأت موجة الاعتقالات والاعدام تطول كثيرا من الشباب في محلة باب الشيخ.
المنفيون
ومضى خليل وهو يروي جانبا من تاريخ العراق “ربما يجهل الكثير ان نفي وتهجير الاكراد الفيلية بدأ منذ السبعينيات، في زمن البكر، وكان النفي عشوائيا، من يجدونه كثير النشاط في منطقته، ولايعجب المسؤول الحزبي ينفى. في تلك السنوات بدأ النفي الجماعي الاول , وفيها كانوا يتركون لك فترة عشرة ايام او عشرين، تجمع فيها اثاث منزلك وتصفي املاكك، كان هناك اغراء بالسيطرة على املاكنا وخاصة في مناطق بغداد، مثل جميلة او الجادرية التي كان يسكنها كثير من التجار. في زمن البكر، كانوا اقل همجية وعدوانية، فقد كانوا ينذرون العوائل التي لايحالفها الحظ، وتنزل اسماؤها ضمن قوائم النفي خارج العراق، لان اغلبنا لم يحصل على شهادات الجنسية العراقية مع العلم اننا نمتلك الجنسية العراقية، بل ان قسما منا كان يمتلك الجنسية العثمانية التي تثبت عراقيته، ولكنهم مع ذلك نفوا الى ايران.
في تلك السنوات كان من ينفى من الاكراد الفيلية يمهلونه بعض الايام، يمكنه فيها ان يبيع ماخف حمله وغلا ثمنه، والناس لاتستطيع ان ترفض، او تقاوم، فالحكومة اشد افتراسا من النمرة الجائعة.
الحيلة الخبيثة
اما عملية النفي الجماعي في الثمانينيات.فكانت تختلف،قبل الحرب العراقية الايرانية بعدة اشهر، صدرت أوامر حكومية، قيل فيها انه يمكن لأي كردي فيلي ان يقدم معاملة الى الجهات المختصة لغرض الحصول على شهادة الجنسية العراقية، فاندفع الجميع الى هذا الامر، لانك من دون شهادة جنسية لاتستطيع ان تعمل في الدوائر الحكومية,ولم نكن نعرف هدف الحيلة الخبيثة، !وطبعا تمكنت الحكومة من معرفة اسماء وعناوين العوائل الكردية الفيلية.
رجال الامن
” في يوم 7 نيسان عام 1980 المشؤوم، كنت جالسا في احد المقاهي فجاءني شخص وقال لي: ان رجال الامن اخذوا امك وابيك، وسرعت، لاتأكد من الخبر، وفعلا، وجدت سيارة امن عند الباب، وقد وضعوا فيها امي وابي، وعندما عرفت نفسي الى رجال الامن، اخذوني معهما.
في موقع التسفيرات رقم واحد التابع لوزارة الداخلية، حاولت ان اشرح لاحد الضباط بأني احمل دفتر الخدمة العسكرية وانني احمل جنسية عراقية فشتمني. فقلت له”يسامحك الله.وكأنني استفززته بهذه الكلمة فركلني بقدمه، وسقطت على الارض، اخذت امي تبكي، وحاول ابي ان يقاوم، وضعونا ثلاثتنا ومعنا آخرون في نفس السيارة (الايفا )، التي اتجهت بنا الى الحدود.
الشهيد اديب
والجميع في المحلة يعرف قصة الشهيد (اديب)، الذي جيء بجثمانه الى محلتنا، في بداية الحرب المشؤومة، وقد نفيت عائلته قبل استشهاده بايام، وعند وصول المأمور المكلف بنقل الجثمان، لم يعرف ان جميع افراد عائلته قد تم نفيهم الى ايران، فكان منظرا اليما لاهل المحلة ظلوا يتذكرونه طويلا، وقد قاموا بمراسيم دفنه وتأبينه.وبكى الرجال والنساء عليه كثيرا.
ذكريات على الطريق
يواصل خليل الفيلي حديثه عن رحلة النفي :” في كل (ايفا) كان هنالك نحو ثلاثين انسانا، اغلبهم من الاطفال والنساء، الشباب وضعوا في السجون، اما انا، فشفع لي عمري،وتحركت السيارة وكانت الذاكرة تسترجع طفولتي، والشوارع، وباب الشيخ، ثم صورة عبد الكريم قاسم،والتظاهرات ثم قطع تفكيري،و غرقت عيون امي وابي بالدموع.
المخيمات
“بعد ان رمتنا الحكومة العراقية هناك، استقبلنا الايرانيون ووضعونا في مخيمات. وصلنا الى قصر شيرين(سربيل زهاب) في مخيم (اوردكه)، وقدموا لنا الطعام، وبعد مدة نقلنا الى (ازنة)، ولم نطق العيش فيها، خيرونا بين الذهاب الى مخيم أصفهان أو البقاء، وفضلنا التوجه الى أصفهان، وكان كل ما يثير قلق والدي تفكيرهما في غازي واكرم، بعد ان تركناهما يلتحقان بالجيش وتوقعنا تسفيرهما وبعد فترة جاء احد اقاربنا، وأراد ان يكفلنا كي نخرج ولكني فضلت البقاء لعلهما يعودان، قلت لهم خذوا أبي وأمي، وهذا ما حدث.انتظرت ثلاثة اشهر كنت أحياناً استيقظ في الليل فأجد نفسي وحيدا وسط المخيمات وانظر الى جهة العراق وابكي على حالي.
وبعد تلك الفترة جاء أقاربي وذهبت معهم.و كان على الحدود، أطفال من دون آباء، وعجائز تركن أولادهن خلفهن، من دون مال او طعام او هوية.ولا احد منا يعرف مصير بقية أهله او أقاربه.
إعدام الأخوين
واصل خليل الفيلي روايته الحزينة(“انتظرنا لسنين ً ونحن ننتظر غازي واكرم، ثم عرفنا انهما قد سجنا،و نقلا الى سجن (نقرة سلمان)،.ثم انقطعت الاخبار عنهما ثم وصلت الاخبار من احد المواطنين الهاربين من العراق بأن غازي واكرم قد اعدما في عامي 1985-1986، وكانت صدمة كبيرة لي.
سقوط الصنم
ولم يصدق خليل سقوط صنم الطاغية، (كانت لحظات سقوطه معناها، عودة الامل لي في العودة الى بلدي العراق، أخذت دموعي تسيل من دون ان اشعر، من كان يتصور ان هذا سيحدث؟ان سقوط صدام يفرح به كل إنسان لديه ذرة إنسانية في قلبه. ولكن ذلك لم يحدث.وبرغم مرور أربع وعشرين سنة علي في ايران، لم افقد الامل في العودة.كنت أخاف احيانا، بعد ان توفي والداي هناك، ان اموت ولا أرى العراق، كنت أتمنى ان يموت صدام في كل لحظة لعلي أعود. صدقني، إنني الى الآن لا اصدق إنني قد عدت الى العراق، وإنني بين أهلي ثانيا.فمع اول لحظة سقوط التمثال، صممت على العودة، فعبرت الحدود الإيرانية مشيا على الإقدام.وقال: “لم يتغير شيء في محلتي سوى ان المحلات أصبحت اصغر وتحولت المقاهي الى دكاكين. والصغار الذين تركتهم أصبحوا كبارا! المصيبة إنني عندما راجعت دائرة الجنسية والاحوال المدنية،، قال لي الموظف انك قادم من الخارج وسأطبق القوانين بحقك، وليس لدينا شهادة جنسية لك!. وبعد فترة اصدروا لنا بطاقة خاصة بالعائدين.امر جيد ان ترفع القرارات الظالمة التي أزهقت آلاف الأرواح، ومنها قرار الغاء شهادات الجنسية المجمدة منذ عقود، وهو قانون يزيل كل الظلم الذي عانيناه طوال هذه السنين، ولكن يجب ان يطبق بسرعة، ونحن نريد من الدستور الجديد ان يضمن ويعيد حقوقنا الينا.
ابادة بشرية
ويرى خبراء قانونيون ان مايميز جريمة النظام الديكتاتوري المرتكبة بحق الكورد الفيليين، قانوناً، انها اسقطت الجنسية ‏العراقية عنهم بعد ان صادرت كل انواع الملكية منهم ودمّرت وقتلت من قتلت ورمت الباقين علناً خارج ‏الحدود.
من جانب آخر، يرى العديد من السياسيين ان حلّ مشكلة الكورد الفيليين، هو حلّ لعقدة تلتقي عندها ابرز ‏مشاكل التمييز بكل اشكاله، وسيكون اساساً قانونياً يؤسس للمفهوم المدني ‏الديمقراطي للمواطنة ويصونه من التمييز الباطل، من سهولة اسقاط الجنسية بقرار فردي الى مصادرة كل الحقوق‏ من اجل صياغة اساس متين لتعايش كل ‏القوميات والأديان في عراق فدرالي ديمقراطي برلماني موحد والى ضرورة وضع ‏تفاصيل تكفل حق عودة ضحايا تلك الجرائم الى بلادهم ومدنهم، وحقهم في التعويض والتواصل مع المجتمع.
الشفق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *