الرئيسية » الملف الشهري » الفنان الكوردي المغترب آشتي كرمياني: الفن هنا ما زال في هامش الحياة

الفنان الكوردي المغترب آشتي كرمياني: الفن هنا ما زال في هامش الحياة

كان شاباً يافعاً حين أكمل الدراسة المتوسطة في كركوك وانخرط كطالب فن في قسم النحت لمعهد الفنون الجميلة في السليمانية، متأثراً باراء عمه الفنان الراحل غازي محمد، الذي حثه بقوة لدخول عالم الفن التشكيلي. خمسة أعوام عاشها في السليمانية كانت حبلى بالقلق وعدم الاستقرار. فدوي المدافع عند الحدود العراقية الايرانية كان يصل السليمانية نهاراً وفي الليل يتحسس السكان قدحات الضوء المنطلقة من فوهات المدافع. وبعد تجربة قاسية خاضها كأي شاب عراقي في الجيش، بات يحس بالحياة بنوع من الغلاظة والعبث. ومع استمرار حرائق حرب ضارية لثمان سنوات دون انقطاع، زادت لديه النظرة السوداوية للحياة. من هنا اولى المعارض التي اقامها في كركوك والسليمانية واربيل، والتي مزج فيها ما بين النحت والرسم، كانت صرخات بين الرماد وفتات بقايا الحرب. بعد عام 1991 أصبح آشتي كرمياني واسرته الصغيرة رقماً مضافاً للأعداد الهائلة من ابناء كركوك المشردين والمبعدين قسراً من مدينتهم. وفي هذه المرحلة عاش تجربة حياتية غنية مفرداتها الترحال، الصحافة، الكد المتواصل لتأمين الوقود والماء ولقمة العيش، وعلى هامش كل ذلك كان للفن هامش يسير. وبعد تزايد الضغوط الحياتية وقع آشتي مضطراً في شباك الهجرة. سوريا كانت المحطة الاولى التي نشط فيها فنياً واقام عدة معارض فنية في دمشق بدعم من مراكز ثقافية غربية. بعدها بدت السكة أمامه سالكة نحو الاراضي الهولندية المنخفضة. وبعد أن أستقر به المقام هناك أنخرط مرة أخرى في مضماري العمل والفن. العمل من أجل العيش والفن بقصد التعبير والجمال وايصال مكامن الذات. وبعد تجربة أكثر من عقد من الاقامة في غرب اوربا، يعد آشتي كرمياني في الوقت الحاضر فناناً كوردياً معروفاً وناشطاً ضمن الجالية الكوردية في هولندا. وفي آخر زيارة له لكوردستان دخلنا معه في حوار مفتوح. باغتناه بسؤال عما يتبقى للفن ان يفعله في عصر العولمة؟ فأجابنا: الفن في الوقت الراهن يعيش حالة من التغيير والعصرنة الدائمة، فنحن نعيش عهداً مترعاً بالتجديد والتقدم والتغييرات المتسارعة. والعولمة قد دفعت بالفن الى أن يحطم الاطر ويندمج في فنتازيا الحياة اليومية للافراد، فهو موجود في الازياء والطرقات والمباني والحدائق وكل صوب وحدب، واتوقع ان يقفز الفن بخطوات كبيرة نحو الامام مستقبلاً، فالفن قريب من حياة الناس في بلدان أوربا وامريكا. لكن هل تحسست بتغيير ما طرأ على الفن الكوردي بعد عام 1991؟ اجابنا: نعم.. وبشكل واسع. فقد ظهرت لدينا اسالسب وتقنيات جديدة وظهر فنانون متمكنون من الشباب، واصبحت حركة التشكيل الكوردية غنية، لا شك ان الفن الكوردي قطع اشواطاً كبيرة وبالذات مع افتتاح معاهد وكليات للفنون الجميلة في كوردستان. ومن الواجب ان انوه الى أن الفن يسير نحو مسار مجهول على يد البعض من الفنانين، وسعي هؤلاء نحو الـ(بوب ارت) وضياع الاسس الاكاديمية في الفن. وهنا اناشد اساتذة الفن لتفعيل دورهم في الحفاظ على مسار وأسس الفن الرصين. وما هو السبيل لتقدم التشكيل الكوردي؟ حول ذلك يقول آشتي كرمياني: تقدم هذا الفن مرهون بيد المختصين فيه، علينا فسح المجال امام المختصين ليطوروا امكانياتهم ومن ثم يسهموا في تطوير الفن التشكيلي الكوردي. ومن الممكن انجاز ذلك بأفتتاح المعارض والدورات واقامة المهرجانات وتنفيذ مشاريع فنية. وكذلك يمكن الاستفادة من اي جسر يربط كوردستان بأوربا. هنالك دعوات تطلق بين فينة وأخرى لأسهام فناني المهجر في تنشيط واقع التشكيل الكوردي، الا أنني كأحد فناني المهجر تقدمت بعدة مشاريع فنية تم رفضها دون مسوغات معقولة. لذا فنحن بحاجة لتجاوز البيروقراطية الادارية التي تحد من فعالية المبادرات وتقف حجر عثرة أمامها. الفن التشكيلي مازال في هامش الحياة الكوردستانية. يا ترى ما سبب ذلك؟ حول هذا الأمر قال النحات آشتي كرمياني: على الحكومة أن تساعد الدوائر والمؤسسات المعنية لدفع الفن باتجاه الدخول الى خضم الحياة. لا أرى أي دعم من جانب السلطات للفن، ولا تتعدى الامور حدود الدعاية والاعلان. المفروض أن ينعكس الفن في كثير من المجالات. يجب أن يحصل تزاوج وتداخل بين الفن والخدمات البلدية. مواقف وساحات وقوف سيارات النقل والحدائق والطرقات والساحات العامة والاسواق، أماكن مثالية من المفروض ان يكون للفن حضور فيها. وبهذه الطريقة نستطيع ان نقحم الفن في الحياة اليومية للناس. وهذا دليل على اننا لم نبذل الجهد على مستوى الوزارات حتى المديريات، وأنني أرى في كوردستان حالة أصبحت فيها الحياة ومباهجها قد أحتلت الموقع الأول من اهتمامات الافراد.. فالبحث عن النقود والمرتب قد انست الناس دنيا الابداع، ما جعل الفنانين اقل اهتماماً بالفن. ما هي آخر صرخات فن النحت من النواحي التقنية والاسلوب والمواد المستخدمة؟ اجاب آشتي: كوردستان لم تصلها بعد ما طرأ في فن النحت من جديد، النحت في اوربا متداخل مع حياة الافراد وتراه في كل منـزل. وافضل المواد المستخدمة في النحت الاوربي هي الحديد والحجر والرخام والبرونز.. والنحت يسير نحو الدقة والبراعة مستخدماً النحاس ومعادن ثمينة كالذهب والفضة. وعن دور الفنانين المغتربين في التعريف بالثقافة والتراث الكوردي، قال آشتي كرمياني: نحن كقدامى البيشمركة نسعى باستمرار ودون كلل لايصال رسالة فنية كوردية للآخر، فنحن نمثل وطننا من ناحية الفن والتراث واللغة والتعايش السلمي. لنا حضورنا المؤثر في المهرجانات والاحتفالات التي تقام للجاليات او النشاطات الفنية الاخرى. أوربا قارة كالمحيط ولو عملنا بكل جد ولقرن بالكامل، فلن نستطيع تبوء موطئ قدم صغير في محيطهم الفسيح والثر. وللأسف فأن ممثليات التنظيمات السياسية الموجودة هناك لا تتجاوب مع الفنانين الكورد في بلدان المهجر، هم منشغلون بنشاطات لا يمكن أن تجاري ما للفن من تأثير نافذ.



* عن مجلة الصوت الاخر التي تصدر في اربيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *