الرئيسية » مقالات » نساء خالدات – فلورنس نايتنغيل.. ذات المصباح

نساء خالدات – فلورنس نايتنغيل.. ذات المصباح

من النساء الخالدات فلورنس نايتنغيل ذات الشرف الرفيع ومن العوائل الارستوقراطية التي كرست حياتها لتواسي المرضى ولتخفف من الآمهم وتذر الانتعاش والامل في عيونهم وتغرس الطمأنينة في نفوسهم، حيثما يضيء وجه انساني نير من ظلمة الغرف المقفلة على الالام البشرية وينتزع من عالمها الخوف والقلق وحيثما تتجلى التضحية خدمة ومحبة وعطاء الى ابعد ما يمكن ان تسكبه النفوس البشرية، هناك عالمها.. فيه يشع نور المصباح الذي رافقها في حياتها، وبات رمزا للشعلة التي انارتها في الدروب المظلمة وهي الرائدة الاولى في حقل التمريض والانسانة التي تغلبت باكرا على نفسها وتخلت عن حياة الترف والرفاهية لتخرج الى حيث تنطلق صرخات المعذبين في الارض.
ولدت فلورنس نايتنغيل عام 1820 في فلورانسا (ايطاليا) من اب انكليزي وام ايطالية، والدها يدعى وليم شور نايتنغيل، وهو من طبقة الاشراف البريطانيين، عندما كان مع زوجته في ايطاليا حيث اطلت الطفلة الجميلة واختاروا لها اسم المدينة العريقة (فلورنس) كان من المنتظر ان تنمو الفتاة مثل اية صبية من بنات طبقتها لتختار من العلوم والفنون مايساعدها في بناء عائلة نبيلة وراقية، بينما هي تقوم بادارة المنزل الفخم، والخدم العديدين من شرفتها الارستوقراطية وكان هذا حلم العائلة للابنة الذكية الجميلة، ففي قصر ابيها الريفي، بدأت تدرس الادب والموسيقى واللغات، الخطوة الاولى في سبيل اعدادها لتصبح سيدة مجتمع. كانت فلورنس اجمل اولاد العائلة وفخر والديها لخصال تتمتع بها، من ذكاء ونضج وتيقظ. ولما اصبحت في العشرين من عمرها، قامت برحلة الى اوربا لتطلع على حضارة عصرها والتي كانت تتجلى في النشاط المسرحي والحياة الاجتماعية الباهرة لكن الصبية اغتنمت هذه الفرصة وقامت بزيارة المستشفيات في كل بلد زارته وحين عادت الى وطنها كانت تشغلها فكرة واحدة كيف السبيل الى بناء مستشفيات صحية يدخلها نور الشمس والهواء النقي؟.. ولكن هذا لم يتوافق مع رغبة اهلها خاصة ان الخطاب من الاشراف، بدأوا يتقدمون لخطبتها وقد رفضت فكرة الزواج معلنة سخطها على الفراغ الاجتماعي الذي بدأت تعيه باكرا، كما ابدت رغبتها في ان تخرج الى المجتمع لتعمل في حقل الخدمات لاكسيدة من سيدات الارستوقراطية المترفات، وكان لابد لها من التزود ببعض المعلومات عن المهنة التي جعلتها نصب عينيها فباشرت بدراسة التمريض بين سخط اهلها وغضب مجتمعها اذ كان التمريض يعتبر مهنة قذرة لاتمارسها الفتاة المحترمة خاصة اذا كانت من طبقة النبلاء وكان من المألوف ان تقبل على التمريض الراهبات اللواتي يكرسن حياتهن لخدمة الغير. فأية فضيحة اثارت خطوة فلورنس من الشاب النبيل الذي احبته وهو احبها وكان يلح عليها بان تقبله زوجا لها.. فماذا تفعل؟
كانت هذه فترة صراع حقيقية، الواجب ام العاطفة؟ وكلاهما مقدر ومهم في نفسها. ولم يطل الوقت بفلورنس قبل ان تعلن ان نداء الواجب تغلب على نداء القلب، وجلست مع والديها بعدما جعلت الحبيب خائبا وقالت:
ارجو الا تحدثاني ثانية بعد اليوم بموضوع الزواج، لقد قررت ان اكرس حياتي للتمريض، وكان الجواب الذي تلقته: انت مجنونة؟ فابتسمت وقالت اشكر الله على نعمة الجنون هذه.
في العام 1849 قامت بزيارة مصر ومن جديد ارتعش الامل في نفوس المحيطين بها لاسيما والدها اذ قدرا هذه الرحلة قد تشفيها من (هوسها)، لكن لم تهدر وقتها خلال الرحلة بل كانت تزور المصحات وتتعرف على احوال العمل فيها ومن مصر انتقلت الى باريس حيث قضت فترة سنتين تدربت خلالها على ايدي راهبات المحبة في اصول العمل التمريضي وادارة المستشفيات، عادت بعدها الى لندن سنة 1853 وكان اول عمل قامت به ان اسست مستشفى للنساء العاجزات واتقنت ادارته والعناية بسكانه حتى اصبح مثلا في حسن الادارة والنظافة.
في العام التالي اي سنة 1854 وقعت الحرب وبدأت ترد الى انكلترا اخبار عن سوء الحال في المستشفيات العسكرية وخلوها من الادوية والحاجات الاساسية لانقاذ حياة الجرحى وثار الرأي العام ونجحت الصحافة في تكوين هذه الرأي الضاغط واغتنمت فلورنس الفرصة فباشرت باعداد نفسها مع مجموعة من ثماني وثلاثين ممرضة للتطوع لخدمة ضحايا الحرب وقد بعثت رسالة الى وزير الحربية (السيد سيدني هربرت) اعلمته فيها بانها اسست مجموعة تمريض والجميع على اتم الاستعداد للسفر والمباشرة بالعمل وعلى نفقتها الشخصية، وافقت الوزارة على ذلك اذ كانت الحاجة ماسة الى مثل هذه المبادرة. ابحرت فلورنس وفريقها الى الاناضول بتاريخ 21 تشرين الاول سنة 1854، ووصلت الى مستشفى سكوتاري كان الجرحى من الجنود يتطلعون اليها كانها نعمة هبطت عليهم من السماء واطلق بعضهم عليها لقب (قديسة). وكانت فلورنس اشبه بقديسة حقا لانها كانت تعمل على اعداد الطعام الى المرضى وتنظف الارض ولاتقصر في عملها على التمريض، وكانت تجلس الليل امام المصباح الضئيل النور تكتب التقارير عن الاوضاع وترسلها الى بلادها وتحث الرأي العام عبر الصحافة ليسهم في اطلاق دعوتها الانسانية. وكان من تأثير عملها ان تحسنت احوال المرضى الصحية وانخفضت نسبة الوفيات من 40 الى 3 بالمائة وذلك بعد انقضاء ستة اشهر على وصولها، في عملها هذا واجهت فلورنس مشكلات جمة مع المسؤولين لانهم كانوا يرفضون الكثير من ارائها، كانت تنفق من مالها الخاص لتشتري للمرضى طعاما مغذيا وقد استاء السفير البريطاني في استانبول ستارتفورد دو ردكليف وقد عبر عن استيائه منها بقوله: ليت هذه المرأة تنفق مالها على عمل لائق كبناء كنيسة في استانبول، وسمعه احد المرضى وكانت فلورنس قد اشرفت على علاجه، فاجابه عنها ان هذه المستشفى ياحضرة السفير هو كنيستنا وان الانسة فلورنس هي الرسول الهادي والملاك الرحيم، وكانت من عادتها ان تطوف على المرضى وتتفقدهم في الليل حاملة بيدها مصباحا صغيرا وهذا ما جعل الجنود المرضى يطلقون عليها لقب (السيدة ذات المصباح) وبعد انتهاء الحرب ولم تعد هناك حاجة لبقاء فلورنس وفريقها الطبي في الاناضول فقد خصصت الحكومة البريطانية بارجة حربية لتنقلها مع افراد فريقها للعودة الى بلادها، رفضت العرض باصرار وقالت: لا اريد جماعة تتملقني بل اريد قوما يفهمونني، وبرغم كل هذا فقد استقبلت لدى عودها استقبال الفاتحين ونشرت كل الصحف وصولها لانها كانت تتابع اخبارها وتنشرها الى جانب اخبار الحرب.
وهكذا ساعدتها عودتها على البدء بعمل جديد وبذات قوة من أجل تحسين الاوضاع في مستشفيات بلادها، فقامت بتأسيس معهد لتدريب الممرضات اطلق عليه (دار نايتنغيل) للتمريض، ولم تلبث ان اصبحت مستشارة دولية في حقل التمريض، وكان المسؤولون يطلبون رأيها من الهند الى كل دول اوربا.
تلقت فلورنس دعوة من امبراطور المانيا لزيارة البلد وقلدها اعلى وسام في الامبراطورية الالمانية وهو وسام الاستحقاق وذلك في تكريم اقيم في هذه المناسبة اعتبرته تكريما لمهنة التمريض، واما بلدها فلم يمنحها وسام الاستحقاق حتى سنة 1907 وكانت قد بلغت من العمر السابعة والثمانين. ولم تكن سن الشيخوخة عند هذه المرأة الخارقة، الاستراحة او التقاعد فبرغم اصابتها بالشلل الجسدي ظل فكرها متوقدا نيرا وقد الفت في شيخوختها ثلاثة مجلدات في مواضيع اجتماعية وانسانية واسهمت في دراسة وتنفيذ مشاريع متعددة كلها من أجل خدمة الانسان والانسانية لا في بلادها فحسب بل حيثما يوجد الانسان، ومن المشاريع التي اسهمت في تحقيقها: مشروع اصلاح مستشفى ليفربول، اسست مع هنري رونان السويسري (مؤسسة الصليب الاحمر الدولي). وكان لنشر مذكراتها سنة 1858 صدى تجاوز كل حد، فقد طلبت في تلك المذكرات ان تنتقل ادارة المستشفيات ورعايتها من ايدي الرجال الى ايدي النساء وذلك بناء على خبرتهن وتجاربهن العملية.
وفي العام 1910 توفيت عن عمر تجاوز التسعين، رحلت ولكن تبقى شعلتها متقدة تنتقل من جيل الى جيل وقد تم لها ما ارادته، ففي معظم بلدان العالم يعهد بمهنة التمريض الى ايدي النساء، السيدة ذات المصباح رحلت مثلما هو مقدار (لكل من عليها فان) لكن نور مصباحها باق ما بقيت هناك اهة الم واستجابة رحومة لتخفيفها.

التآخي