الرئيسية » مقالات » (دُعَاء) ضحية مفردات بالية من التراث

(دُعَاء) ضحية مفردات بالية من التراث

التاخي 

يقول ت.س أليوت: “زارنا الشر أمس..” ، والشر زار قرية بحزاني ، المجاورة والتابعة إداريا ً للموصل ، في صباح 7 نيسان الحزين المنصرم ..فتاة في ميعة العمر تتناوبها الأيدي والأقدام ركلا ورفسا ، ثم يَهوي عليها أحدهم بأسوأ ما في الإنسان، يهوي بصخرة سمنت على جمجمتها ، تتدفق الدماء كالطوفان ، يراقب جمعٌ غادرته مشاعر الإنتماء إلى الحياة ، وآخر يصوِّر هول الموت ، و صيحات التكبير والفرح تعلو هنا وهناك ، أي قلب هذا الذي يهلل لموت نظيره في الأمنيات والأحلام ، والدم يفور وهي تتلوّى ألما فوق ألم تودّع دعاء سنيها اليانعة ، يحملها البعض لتضمها حفرة في ضاحية القرية، وبعد أيام يلفها قبر وحيد ..أية شائنة شنعاء أرتكبها أولئك الجناة .. أي ضمير راقد لم ينجد اليافعة وهي في طريقها إلى الجلجلة، لماذا كانوا يراقبون.. لِمَ لمْ تتحرك في احد منهم همة النخوة وقوة الرحمة فيحول بينها والوحوش الكاسرة ..؟!
أين كانت الشرطة وقوى الأمن الأخرى والفتاة تستغيث ضارعة من ينقذها من بين مخالب الأغوال ..؟ ما هي مهماتهم إن لم ينقذوا مواطنة من هلاك محقق..؟ أية جريمة نكراء هذه التي أرتكبت ومن أية طينة جُبِل قاتلوها ..؟ دون شك هي ليست من طينة الأرض الطيبة ، لا أدين طريقة التنفيذ وحدها ، أدين الجريمة أساسا وأولا ً، نحن هنا أمام جريمة مشدّدة : القتل وطريقة القتل . وإلى ذلك ، فالجريمة جريمة عبر رصاصة ، حجر ، أو جرعة سم ، أو.. لا فرق ، النتيجة واحدة : وقوع ضحية . بيد أنّهُ إنْ كان لا بدّ أنْ يُقتَل من يُقتل ، يقتله القانون بعد توفر أدلة الإدانة القاطعة ، حتى هذا الحق منعه الغرب المتحضر ، ألغوا الإعدام ، قالوا الدولة حين تُعدم تقتل باسم القانون . الفتاة كانت يجب أن لا تُقتل ، ان تبقى في دورة العمر لتأخذ مدارها إلى حين أن يتوقف القلب بعد قليل أو طويل ، نعم كان يجب أن تعيش ، الذين خططوا للفتك بها والقاتلون والمتفرّجون ، كم وددْتُ لو أستذكروا حكمة إبن يسوع :” من كان منكم بلا خطيئة فليرجمها بحجر” ، حينذاك لو ركنوا إلى قرارة وجدانهم لتراجعوا واحدا ، واحدا ، تُرى من هم ليرجموا الفتاة ويخرجوها من الدنيا مثلما تُخرجُ المئات من النساء في العراق ولكن في صمت…؟ّ قُتلِتْ والتهمة ذات التهمة البالية ، المتوحشة والبهيمية ، تهمة التسلّط الذكوري : (غسل العار) ؛ لم يكمن العار في دعاء ، يكمن في الجناة ، في تخلفهم الفكري الناجم عن مفردات من التراث غاية في الإنحطاط يزامنه كسلٌ في التفكير و سباتٌ في تنشيط ملكات العقل ، العار من يشوّه الحياة ويحيل الأنس إلى فجيعة ، والعنفوان إلى جمود مطلق ، هكذا فعلوا ويفعل الأشرار ، أما هي لم تشوّه عمر احد ، لم تأت ِبما يشين ، كل ما في الأمر انها دخلت في صلة إنسانية مع شاب لم يجمع بينهما تطابق الدين (هو مسلم، هي إيزيدية)..هل في مثل هذه الصلة ما يشين والأرواح يقول أبو حيان التوحيدي ” جنود مجندّة ما أختلف منها إفترقْ وما إختلف منها إتفق “..؟! صحيح ثمة محرّمات في كل تراث ، غير أنه صحيح أيضا أن الخروج عنها لا بد أن يتبلور بين الحين والآخر ، ليس بين الإيزيديين فقط ، لا… في كل مجتمع يتوسّع ويتفاعل مع ثقافات أخرى ، وهذا ما توجبه قوانين التطور الإجتماعي ، قانون لا يقبل الخطأ ولا النقض ولا تشلّه الجغرافيا ولا الأزمنة المتعاقبة ولا يوقفه العنف ، كما إنّ العواطف الأنسانية لا تخضع لأي قانون أو محظور ديني ولا تقولب في حال تأججِّها . إن تاريخ الإيزيديين يشير إلى هذا ، ثمة حالات مشابهة ، لنذكر مثلا ً : صلة الفارس الإيزيدي الشهير درويش عبدي بعدول المسلمة في أواخر القرن التاسع عشر في كوردستان، الصلة ترويها أغنية شهيرة يترنم بها إلى اليوم الكورد من المسلمين والإيزيديين على السواء، ..ماذا أيضا عن إقتران مسيحي بإيزيدية وإيزيدي بمسيحية في بعشيقة في العشرينيات من القرن المنصرم وبقاؤهما في القرية دون إحتجاج ؟ عن حالات مصاهرة بين المسلمين والإيزيديين من الكورد في منطقة عفرين في سورية وبين الطبقات الدينية الإيزيدية في المنطقة ذاتها ..؟ عن قران إيزيدي بمسلمة في السبعينيات في العراق وعيشهما بين ظهراني الأيزيديين في قريته لفترة من الزمن ..؟ وعن إقتران الشيوخ بالأبيار أيام الشيخ حسن و هو محظور ديني على ضوء هرمية المارثون الإيزيدي .. ، وعن ذات الخروج المتكرر بين إيزيدي المهجر في المانيا من غير العراق ، وماذا عن حالات عديدة أخرى أملي إليها التسامح أوغض النظر ، الحقيقة التي تعكس رحابة الفكر .. فلماذا لم يملى التسامح إلى حالة دعاء وبخاصة أنها والشاب ينتميان إلى ذات المحيط ، أسرتاهما تعيشان ولقرون مع المسيحين في بعشيقة وبحزاني ، ذات اللهجة ، ذات الأزياء ، وذات الأعراف والتقاليد ، حتى إن القصبتين يُضرب بها المثل في تآخي معتنقي الأديان الثلاثة : الأغلبية الأيزيدية ، المسلمون والمسيحيون ، فأين الغرابة إن تخللت هذا المصير المشترك بين الحين والآخر صلة بين فتى وفتاة من بعدين دينيين متباينين ..؟ أجل لماذا لم يملى التسامح إليهما مثلما فعل العديد من الإيزيديين في الأمس ويفعلون في الحاضر ..؟ الجناةُ لم يسامحوا رغم أنفراط الصحبة بينهما ، بعد أن أعتقلا ، كلاهما رغبا في الرجوع إلى أسرتيهما كأنّ صلة لم تكن ، هذا ما تمناه الفتى غير انه وضع وراء القضبان ، وما تمنته الفتاة غير ان القتلة أخرجوها من الدنيا ..جهلة ، متطرفون أنساهم التعصب الجارف مقاييس العقلنة في تقييم الأمور ، جريمة نكراء تّدان ، لكن من ندين ,,؟ ندين مخططيها و مرتكبيها فقط أم عموم الأيزيديين ,,؟ البديهية تقول مخططيها ومرتكبيها فقط ، فالأخ لا يؤخذ بجريرة أخيه ، و الأخيار لا ينتفى خيرهم إذا مرق أحدهم إلى الشر ، ونصف مليون أيزيدي لا يؤخذون بجناية زمرة جناة بين ظهرانيهم ؛ هكذا تؤكد البديهية ومن لا يوقن بها يعد إمّا متخلفا فكريا ، أو حاقدا يبحث عن ذريعة ما للتنفيس عن كوامن حقده ، تُرى ما علاقة الأيزيديين بالجريمة ، قلت حدثت حالات عديدة مشابهة بينهم أُملوا إليها طابع غض النظر أو التسامح ، وأضيف ليس ثمة نص ديني واحد في الدين الإيزيدي يحرض على العنف ، على قتل ولو ذبابة رغم مخاطرها الصحية …، إنه دين يؤكِّد بإتجاه وحدة الإنسان ، مسالم تماما وينظر إلى الحياة كقيمة إيجابية جدا لا يحق لأحد قمعها أو إنهاءها ، فقط الله ، يقول نص ديني إيزيدي ” له الحق وحده أن يهب الحياة ، وله وحده الحق في أن يأخذها ” . إن أشباه هذه الجريمة أرتكبت وترتكب في العراق وفي بقية العالم الثالث ، وإذْ ترتكب لا بد لكل من يوقن في قدسية الحياة إدانتها بصوت عال ٍ ، هذا ما قام به الإيزيديون بصريح العبارة ، بهذا الصدد صدر بيان شجب وإدانة شديدين من لدن المجلس الروحاني الإيزيدي الأعلى رئيسا ً ، أعضاءً وهيئة إستشارية ، جاء في البيان ” نحنُ رئيس وأعضاء المجلس الروحاني الإيزيدي الأعلى في العراق والعالم وهيئته الإستشارية ندين ونستنكر وبشدة الجريمة النكراء في 7 نيسان ،2007 في قرية بحزاني ..” .إضافة ، أستنكر ويستنكر الأيزيديون في العراق ، وبينهم كاتب هذه السطور ، وعبر المعمورة وبتباين مشاربهم الفِِعلة النكراء هذه ، ناشدوا ويناشدون العدالة والقانون أن تأخذ مجراها في مثل هذه الحالات ..ماذا يُراد من الأيزيديين أكثر من هذا . هذا ما لا يريده الإرهابيون والمتطرفون ، هم يدينون الإيزيديين كبيرهم وصغيرهم حتى الرضيع فيهم ، يوغرون صدور المواطنين ضدهم ، في الموصل قتلوا ستة وعشرين منهم ، 24 عاملا وشرطيان ، فتكوا بهم كونهم إيزيديون ليس إلا ،و يهددون بقتل المزيد ؛ أغلظوا الإيمان في بيان لهم باسم ( دولة العراق الإسلامية ) ، بأن من قتلوا من العمال سيعقبه إزهاق المزيد من ألحيوات وكما هو دأبهم ، وأغلظوا الإيمان بأنْ ( نجرينَّ أنهاراً من دماءهم النجسة ) وفق تعبيرهم المريض ، وحث أحدهم الناس بأنْ ( أقتلوهم سيفكم يفتي لنا ) ، ( بمثل هذا التوجه الدموي الفاشي يخططون لحكم العراق) ، قتلوا ، ويقتلون ، لذا غادر الإيزيديون الموصل ، غادر طلبة الجامعات ، الأساتذة ، الموظفون ، العمال وأرباب العمل . تبّا لهم ، متى عرف الأرهابيون قيمة الإنسان ليدينوا قتل الفتاة أو أيّ أمرئ آخر ، هم يقتلون كل يوم الأطفال والنساء والشيوخ ، كل يوم يبثون الموت والدمار والخراب في الطرقات والأزقة والشوارع ..؟ يدينون هذه الجريمة ليس كونها جريمة (غسل عار) ، أو محض قتل ، هم مع إرتكاب مثل هذا الموبقات ، يقتلون ويدينون الإيزيديين زعما أن من إرتكبوا الجناية أرتكبوها لأنّ الفتاة إعتنقت الإسلام ، وهي فرية واضحة فندها عبر وسائل الإعلام والد الفتاة ، أقرباء الفتى المسلم ، أمام جامع في بعشيقة ، كلهم أكّدوا أن الفتاة لم تغير من هويتها الدينية . لكن يلقون أذنا ً صمّاء لمثل هذه الحقيقة ، إذن هو حقدهم الدفين تجاه الأقليات الدينية في العراق زعما منهم أن أتباعها ( كفّار ) ، تجاه الأيزيديين بالذات زعما أنهم ( عبدة إبليس ) ، إفتراء دون شك يرفضه الإيزيديون مطلقا ً ، مرارا أكدوا انهم موحدين يعبدون الله دون شريك ، حتى أصبح الحديث عن هذا الجانب مملا لطابع التكرار فيه. مرة أخرى البديهية تقول لا يؤخذ الأخ بجريرة أخيه ، وهذا ما لا يرتضيه أيضا المتطرفون في إقليم كردستان ، ليس ثمة أدنى شك ، إن إدانتهم للجريمة هم الآخرون كلمة حق يراد بها باطل وينم وأسوة بالإرهابيين عن حقدهم إزاء الأيزيدية والأقليات الدينية الأخرى ، وإلا أين كانوا حين قتلت بؤر الإرهاب وببشاعة الإعلامية الطيبة الذكر أطوار بهجت قبل أشهر ..؟ لماذا لم يرفعوا صوت أستنكار ..؟! ولماذا لا يدينون جرائم قتل ( غسل العار ) في العراق سواء في الإقليم أو في الوسط أو الجنوب ..؟ أين كانوا حين إنقضّ متطرّفون على الأيزيديين في عين سفني في شباط المنصرم ,,؟ حين أضرموا الحرائق في مبان ودور لهم ، لماذا لم يدينوا هذأ الإرهاب وذاك ..؟ زمرة المتطرفين هؤلاء ، القلة القليلة ، لو أخلصوا حقا لكوردستان ، هكذا يدّعون ، لما أوغروا صدور الناس ضد الأقليات الدينية ، لدعوا إلى ثقافة التعايش والتآزر وإلبناء والإزدهار ، لأهتموا بشكل خاص بالإيزيدية والكاكئية ، الدينين الموحِّدَيْن ، كونهما الجانبين الوحيدين الباقيين من تراث الكورد الروحي قبل الإسلام الحنيف في الإقليم ، الأمم المتمدنة تولي آثار الأنسانية أقصى العناية سواء في تعزيز المتاحف أم في المزيد من التنقيب ، وفي الأقليم متحفان بشريان ، تراثيان ، مرئيان وثريِّان في مفرادتهما ، الأيزيدية والكاكئية ، فما بالهم لو قدروا لأجهزوا عليهما علما أن بقاءهما وديمومتهما من إرادة الله شاء أن يبقيهما ، ولو شاء الله لأعتنق أتباعهما الإسلام مثلما إعتنقه بقية الكورد في مراحل تاريخية سابقة ، فلماذا يعملون ضد إرادة الله إن كانوا حقا مسلمين مؤمنين . هؤلاء المتطرفون ومنذ مقتل الفتاة يؤلبون الشارع ضد الإيزيديين ، وهجم بعضهم على العمال الأيزيديين في زاخو ودهوك وأربيل مما أسفر عن جرح العديد منهم ، ورجوع معظمهم إلى جبل سنجار الذي منه يقبلون للكدح في هذه المدن بالإضافة إلى السليمانية لضمان رغيف الخبز في هذه الأوقات الصعبة كما قوطع الطلبة الأيزيديون في جامعة دهوك من زملاؤهم بعض الطلبة الذين تجمعهم بهم ذات القاعات . غير أن المتطرفين إنكفئوا على أعقابهم ، شكرا لنهج الحزب الديمقراطي الكردستاني ، نهج قيادة البارزاني التاريخية المعروف في الوقوف ضد كل نعرات التطرف دينيا ، عرقيا ً أو فكريا ، وشكرا لأجهزة الأمن الساهرة والموقنة في تنفيذ هذا النهج . إذن زار الشر يحزاني في السابع من نيسان ، وكان سيولِّي أدبارهُ حتما ً متجها إلى الأشرار في مستنقعاتهم لو أن الأجهزة الأمنية في المنطقة إضطلعت بمهماتها على الوجه الصحيح ، فلم تكن من مهمات الشرطة ومعها مسلحون أعتقال الشاب والفتاة في بستان زيتون في صباح ذلك اليوم وهما في وضع طبيعي ،(ربما كانا يفكران في الإبتعاد من المنطقة والعيش بسلام معا كقرينين في محيط آخر وحينذاك لو إبتعدا لأنتفى الحدث المرَّوع ولكان وقع الإبتعاد دون شك أخف بكثيرمن الآثار السلبية جدا التي نجمت عنها فيما بعد وفي مقدمتها مقتل الفتاة البريئة ) ، إنّ مهمة قوى الشرطة تكمن في تعزيز إستقرار أمن المنطقة وملاحقة المخربين وليس في ملاحقة و إعتقال صلة إنسانية لم يرتكب طرفاها أية جناية ، وحين أعتقلا كان يجب إيداع الفتاة في سجن للنساء ، وفي حال عدم توفرّه في المنطقة ، تسلم إلى بيت المختار مع تهيئة الحماية الكاملة إلى حين حل المعضلة حضاريّا ً ، هذا ما لم يحصل ، أحتفظوا بالشاب ، أما هي فسُلِّمت إلى مواطنين تعهدوا خطِّيا بالحفاظ على حياتها ، و حصل ما حصل بعد أيام من وجودها في حماية أحدهم في داره. من الجانب الآخر ، يجب ان يدرك هؤلاء الإيزيديون الذين ربما يفكرون في ذات السلوك الشائن في حال حدوث حالة مشابهة مستقبلا ً ، إن مجتمعهم محكوم كما ذكرت من قبلُ كأي مجتمع آخر بقوانين التطور الإجتماعي ، وأن الخروج عن العديد من المحرّمات ، ومن بينها محرّمات الزواج أو الصلة هو تحصيل حاصل لتفاعلهم مع ثقافات وحضارات أخرى وبخاصة في أجواء محطات التلفزة الفضائية الناقلة ثقافات الكون كل يوم الى بيوت غالبيتهم وتأثيراتها الجلية على موروثهم ؛ عليهم أن يدركوا أنه في حالة حصول هذا الخروج لا بد من التفاعل معه بصيغة واعية تنبذ العنف تماما وتطبيقا لنواهي الدين الإيزيدي في هذا الصدد ، ومقتدين أيضا ً بالأقليات الدينية الأخرى ( المسيحية، اليهودية، الكاكئية، الصابئة) التي في حال حصول الخروج عن المحرّمات تلك ينبذ أتباعها العنف تماما ، فالفتاة التي تقتل بذريعة (غسل العار) ، العرف المتوحش والبالي ، ينجم عن قتلها جريمة يقاضي القانون مرتكبيها ، أي خسارة أفراد آخرين من المجتمع ، ناهيك عن الآلام النفسية التي تبقى تلاحق أسرتها كمدا على خسارة فلذة كبد ، ناهيك عن الضرر المعنوي الجسيم الذي يحيق بالمجتمع جرّاء تحرّك المتصيدين في الماء العكر ومقتنصي الفرص ، في حين لو يُملى التسامح ، من منظور المحرّمات طبعا ، وفي حالة قرانهما يتركان لشأنهما ليقيما في محيط آخر ، فإن النفع يصيب ذويهما في المدى القريب و البعيد ، إذْ يتعاطف أطفالهما دون شك مع أخوالهم ، ومن يدري قد يصبح أحدهم في يوم ما شخصية سياسية وإدارية هامة ، فيكون نفعه أكثر وأبلغ لخؤولته . .إن التاريخ يحدثنا كيف ان والي الموصل سليمان نظيف باشا في 1913 ، زار الأمير علي بك في عين سفني ، أمير الإيزيديين في حينها ، كيف اخبره أنه يعتبر الإيزيديين أخواله لأن أمه إيزيدية إقترنت في ظروف خاصة بأبيه المسلم ، وسأله إن كان لأخواله أية مطاليب ، لم يصدق الأمير ما سمع ، غلبه الفرح ، ذهب إليه وقد غلبته الشكوك أن نذير شوم ينتظره وقومه ، ولا بد أنه في قرارة نفسه رأى أنّ إقتران تلك الأيزيدية من مسلم إنقلب بردا وسلاما على ملّته ، شكره الأمير وناشده أن يعيد إلى الإيزيديين معبد لالش ، محجّهم الرئيس ، الذي إحتله العسكر العثماني منذ 1898 في حملة عاصم باشا وحوله إلى مدرسة دينية إسلامية ، وأن يرجع إليه أيضا سناجق الطاؤؤس ونياشين أخري ، رجع الوالي وبدأ جهوده لتحقيق مناشدة الأمير ، بعد فترة زمنية ليست بالطويلة ، عاد المعبد إلى أصحابه مع العديد من الطواويس والرموز الدينية ، ولا يزال الأيزيديون في الشيخان يحتفلون كل عام برجوع تلك المفردات المقدسة ، والفضل كل الفضل يرجع إلى تلك الفتاة الأيزيدية التي أقترنت برجل مسلم . أما هؤلاء الذين يبررون أرتكاب الجريمة من زاوية أن عدم قتل الفتاة سيؤثِّر سلبا على مكانتهم الإجتماعية في بيئاتهم الثقافية المتصفة بعلاقات عشيرية حادة ، أقول أن الأثر السلبي لا يستمر إلا فترة وجيزة ثم يكفل الزمن بنسيانه ، وينسى الناس سريعا جدا في حال وجاهة وثراء أسر الفتاة لأن الثراء والسلطة قوة وللقوة أمتيازاتها . إن جميع حالات خروج النساء أو الرجال في المجتمع الإيزيدي ، ،عن محظورات الزواج والصلة في الحاضر او الماضي لم تؤثِّر سلبا على أسرهن ؛ بقى أولياء أمورهن وذويهن ّيحتفظون بذات المكانة الإجتماعية . إنّ حالات خرق هذه المحظورات لم تتحوّل إلى ظاهرة وتشكِّل نسبة ضئيلة جدا بين أيزيدية كوردستان العراق ، ربما دون النصف في المائة من الواحد في المائة ، وهو ما يعكس جنوح الغالبية المطلفة منهم إلى نسيج التراث يقينا ، ولذأ فمبرر القتل بذريعة (غسل العار ) ، كما يرى إلعديد ، كونه يشكّل ردعا هو مجرد تبرير لأرتكاب الجريمة التي لا يبرّرها أي عامل ، إن الردع يتبلور من تثقيف الناشئة من قبل أولياء الأمور بأهمية التراث في جوانبه الإيجابية . إنّ هؤلاء الذين يفكرون في القتل صونا للمكانة ، يجسِّدون قمة الأنانية ، يزهقون حياة لأجل كبرياء النفس الفارغة وما أتعسها من كبرياء تقام على دماء ضحية بريئة، هذا ما لا تقبل به قوانين السماء والأرض . إن دور رجال الدين و المثقفين الإيزيديين لا بد ّ أن يتجه بأشاعة ثقافة المحبة والتسامح ونبذ العنف تماما وكما يوجب ذلك الدين الإيزيدي.
لنجعل من فاجعة فتاة بحزاني مناسبة للدفاع عن حقوق المرأة في العراق ، في كوردستان، وفي الوسط والجنوب، لتنهض مؤسسات المجتمع المدني ويدا في يد مع الحكومة وأعضاء البرلمان في أربيل وبغداد في تفعيل هذه الحقوق ، لِيُسَنّ في برلمان بغداد قانون شبيه بالذي سُنَّ في أقليم كوردستان يعتبر فيه غسل العار جريمة من الدرجة الأولى ، ويؤكِّد أن القضاء هو الذي يبتّ في حالات الإتهام ب إرتكاب (العار) من جانب المرأة أو الرجل . إن المرأة ليست لعبة بيد الرجل ، المرأة والرجل نصفان كلاهما يكملان صورة الإنسان ، فكيف يجوز أن يتأرجح نصف على الآخر ؛ ألا تتشوّه الصورة ..؟!. رحم الله المظلومة دعاء رحمة واسعة ، قتلها الجهلة المتطرفون، وما أكثرهم في وطني.
* وزير سابق في حكومة اقليم كوردستان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *