الرئيسية » مقالات » تسعة ملايين جائع في بلاد دجلة والفرات

تسعة ملايين جائع في بلاد دجلة والفرات

قبل وأثناء وجود نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني في بغداد ضمن جولته لترتيب أوضاع العراق والمنطقة لما هو قادم في مخطط الإدارة الأمريكية تجاه إيران والمفتوح على شتى الاحتمالات، صعدت الأطراف العراقية الطائفية المتصارعة، من وتيرة استعمال أسلحتها. فمن كان منها داخل العملية السياسية، رفع سقف مطالبه وهدد بالانسحاب منها أو الانسحاب من جزء منها، ومن كان مناوئا لها استعان بمُندّسيه وبمعلومات دوائر مخابرات دعمه الخارجي لتدقيق إحداثيات قذائفه ومفخخاته، والكل هنا يستعرض أمام نائب الريس الأمريكي حضوره على مبدأ أنا أزعل أو أنا اقتل فأنا موجود ، دون اعتبار لما لهذا التصعيد من ثمن فادح يدفعه المواطن العراقي من قوته ودمه، وفي الوقت ذاته كان العراقيون ينتظرون المباشرة في تحقيق التزامات الحكومة العراقية والمجتمع الدولي بما ورد في وثيقتي العهد الدولي واجتماع دول الجوار الموسع في منتجع شرم الشيخ المصري، وهي التزامات ثقيلة في مقدمتها تحقيق مصالحة وطنية حقيقية ونزع سلاح الميلشيات وتصفيتها وإنجاح خطة فرض القانون وتشذيب الدستور، ولذلك فان البلد في أمس الحاجة في هذا الوقت الى تطور نوعي في تعاون الكتل السياسية معزز بالثقة فيما بينها، وتبديد هاجس الشك والريبة المتبادل والمهيمن على قادتها، وهم مطالبون بتأكيد غيرتهم على الوطن قبل كل اعتبار.

في ظل هذه الأجواء الصعبة في العراق الغني بالمياه والطين والمعادن، تؤكد وزارة التخطيط و التعاون الإنمائي ان تسعة ملايين مواطن يعيشون تحت خط الفقر وفق آخر إحصائية خرجت بها ، وهذا يعني جوع ثلث أبناء الشعب العراقي. الخبر المفجع يؤشر للواقع العراقي الوريث للحقبة الدكتاتورية والاحتلال والإرهاب والمحاصصة والطائفية والفساد. واقع ينوء تحت وطأة تلك الأثافي الست وليست الثلاث. وللمزيد من هذا الغيض من الفيض المر، ذكر تقرير لمنظمة الشفافية الدولية صدر أخيرا «أن ما حذرت منه المنظمة في آذار 2005 قد تحقق، أو بات قاب قوسين أو أدنى، وهو إن العراق بات الأكثر فسادا بين دول العالم». وأشار الى ان عددا من المسؤولين العراقيين في مستويات مختلفة، يمارسون نهبا منظما للدولة وثرواتها ومرافقها، يتكامل مع إقدام الاحتلال على تبديد مليارات الدولارات من الأصول العراقية التي تم الاستيلاء عليها بعد سقوط النظام السابق. أما آخر تقرير نشر في صحيفة نيويورك تايمز في عددها الصادر يوم 12 أيار الجاري فقد ذكر أنه لم يعرف مصير إنتاج من النفط العراقي أعلن عنه خلال السنوات الأربع المنصرمة بلغت قيمته مليارات الدولارات.

ان مثل تلك الأخبار قد لا تصل الى الغالبية من المواطنين العراقيين الذين يتحدون المصاعب المعيشية اليومية بما بقي لهم من جرعة شجاعة و بقية رمق. لكن المؤكد ان المكاتب الصحفية لسدنة الأطراف الطائفية المتحاربة و فرقائهم أغنياء “الجهاد”، قد اطلعت على مثل تلك الأخبار وغيرها، ولكنها مشغولة عنها بالدفاع عن غنائمها ولزيادتها وللاستئثار بامتيازات السلطة الرسمية وغير الرسمية ومغرياتها، وليبقى المواطن الأعزل هو الضحية وهو يدرك أن ما بين احتراب الطوائف، واحتراب أبناء الطائفة الواحدة، يرتع السراق بخيرات العراق بينما يجوع ثلث أبنائه. ومطبقو “الشريعة” يسنون سيوفهم برقاب الفقراء والنساء، ويهيم مئات الآلاف على وجوههم داخل وخارج العراق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *