الرئيسية » مقالات » ليتني لم افق هذا الصباح !

ليتني لم افق هذا الصباح !

ليتني في ذلك الصباح الرمادي..لم أسمع ما سمعت!

كنت قد قرأت عن الهزات الارضية وكواليسها ورأيتها في شاشات التلفاز ومحطاتها، لكن هذه المرة لم تكن مشيئة الله بل كان عمل الارهاب الذي يحرق الاخضر واليابس!

في البداية، اعتقدت باني احلم ثم فكرت في الماضي لكن لم استجمع معنى هذا الصوت. لم أرد أن أفتح عيني لكني اضطررت لأني لم اتحمل تجاهل الواقع وصوت صديقي ريزان يرتفع: انه الانفجار! وبالرغم من ذلك لم أفتح عيني سريعاً. كنتُ أخاف الضوء ورؤية ما لا أتحمل أو أرغب برؤيته، ولكن ريزان اصّر وبصوته الاجش قال مؤنباً: هل انتم أموات؟ ألاتسمعون؟

رغم اني تأكدت من ذلك قبل ريزان منشغلا في جمع واستنتاج الماضي (قبل عامين عندما كنت شاهدا على حادث اجرامي انتحاري في نفس المدينة مستهدفا متطوعي شرطة المرور، و الذي كان مقرهم خلف جدار المعهد الذي كنت ادرس فيه) ولم افتح عيني مبتعدا في الخيال، اردت ان اعود الى النوم كي لا ارى لكن لا محال كان علي ان ارى الخراب والظلام.

سحابة سوداء، غيمة غريبة في وضح نهار صيفي حار من صباحات اربيل بعيدا عن عادات اربيل ذات الصباحات الجميلة وضحكات الاطفال وهم متجهون الى المدارس وكل الى عمله ومن قد بقي في بيته يهيء لعمل ما. كانت ساعات الحياة الاولى من يوم جميل لكنها في نفس الوقت الدقائق الاخيرة لأرواح بريئة تتأمل لكسب ما يملأ ويسد قوت الاربعاء الاسود لم اتوقع انه انفجار تخيلت امام عيني مدينة قامشلو في ساعات العصر في العشرين من اذار عندما كانت سحب نار نوروز تملأ السماء املا بقدوم العيد، لكن…آه من سحابتك اليوم يا اربيل! سحابة موت قدمت من موطن الارهاب شاحنة محملة بالموت تهز ارضك هزة رهيبة السيارات والبيوت تتخبط مع الدم والارواح وبندقية حارس أبى أن يتركها إلا مستشهداً وهي على كتفه حتى عندما وقع بقيت ملازمة لصدره، وموظفي المستشفى المتجهين لمعالجة المرضى لكن تحولوا الى مرضى وشهداء نعم، وايضا ثلاث اخوة كانوا متجهين لعملهم كي يعيلوا بيتا ترعرعوا في كنفات ساكنيه ويدهم بيد يقسمون ان لا يتركوا بعضهم البعض ولا شيء يفرقهم الا الموت وكان لهم ذلك، وطفل يحمل مستقبله على ظهره في محفظة مدرسية جميلة ويتدرج على قدميه الى المدرسة يغني اغنية صباح الخير يا بلادي ولكن يا للقدر اللعين! فقد كانت المرة الاخيرة التي يغني اغنيته تلك بينما تناثرت اعضاؤه ومحفظته واقلامه ودفاتره والتصقت بالتراب الى الابد!

ولم تزح تلك السحابة سريعاً مصرة ان يشاهدها كل من يطل على نافذة الصباح لتزرع في قلبه رجفة يوم لعين وصباح مقتول، لتزرع في اعماقه خوفا من الصباح وقلقا من الحياة الجميلة. مئات الجرحى ملقين على جنبات الطريق وتحت انقاض مأواهم…عشرات الشهداء الذين لطالما عرفوا من ابائهم واجدادهم معنى الموت في سبيل الوطن. بيد أن السحابة المصطنعة خجلت وحزنت رغم ذلك ولم تتحمل المصاب الكبير فغابت في لحظات غافلة مبتعدة ومعتذرة لتردد لم اكن انا بل كان صاعدي الذي يقودني اليكم.

بقيت أفكر الى متى الى متى؟..لكن كان جوابي يسبق سؤالي:هذا قدرنا نحن الكورد…غير اننا سنزيح تلك الكآبة والغيوم الرمادية عن صباحاتنا لتنظر القلعة المتشامخة كل يوم الى ابنتها-المدينة بعيون تتلألأ فيها الالوان الزاهية لعلمنا الأزلي وشمسها التي سوف لن تغيب الى ابد الدهر! فكل الغيوم ستمر أفلة وستبقى الشمس ساطعة، قوية تمنح النور والحب والحياة الى الارض التي تخطو الى حريتها ولا يوقفها شيء!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *