الرئيسية » مقالات » مع الانتخابات الفرنسية (2/2)

مع الانتخابات الفرنسية (2/2)

ما هي التوقعات الأخرى، عدا التقارب من واشنطن، في السياسة الخارجية الفرنسية القادمة؟
1 – في السياسة العربية:
كان العديد من المقالات العربية التي نشرت خلال الحملة الانتخابية الفرنسية تبدي المخاوف من تغيير سياسة شيراك العربية. معلوم أنه بقدر ما يخص لبنان، فلن تتغير هذه السياسة، التي هي أيضا سياسة الاتحاد الأوروبي، ونعني شجب التدخل الإيراني – السوري، والإصرار على المحكمة الدولية، ولم يبد سركوزي خلال حملته الانتخابية أي تصريح أو تلميح بتغيير هذا الموقف.
مع الأنتخابات الفرنسية

أما القضية العراقية، فربما سيكون الرئيس الجديد أكثر تفهما للسياسة الأمريكية، وهادئا جدا في التعامل مع الولايات المتحدة بوجه عام، ولكن ليس متوقعا تغيير السياسة المعتمدة لحد الآن حول العراق. ففرنسا ستكون في رأينا أكثر حذرا حول تدخلها العسكري في بلدان أخرى، بل وهي تستعد اليوم لسحب قواتها من أفغانستان مقابل إطلاق سراح الطالبان لمختطف فرنسي هناك، وهذا ما يؤيده سركوزي حسب تصريحاته الانتخابية. وهنا نتوقف لانتقاد مواقف دول غربية كإيطاليا وفرنسا بالرضوخ لمطالب إرهابيي طالبان، مما سيعزز قوتهم ويغريهم باختطاف المزيد من المدنيين الغربيين الموجودين في أفغانستان. وكانت إيطاليا قد ضغطت على حميد كرزاي لإطلاق سراح إرهابيين طالبانيين خطرين مقابل إطلاق سراح صحفية إيطالية عند طالبان.
تبقى القضية الفلسطينية، حيث أن الأسس العامة للسياسة الفرنسية في القضية متفق عليها في حزب الرئيس الجديد. ربما الجديد إن حدث فهو المزيد من الضغط على حماس للاعتراف بإسرائيل والالتزام بما يبق الاتفاق عليه من قرارات واتفاقيات.
2 – وعن تركيا، فلسركوزي موقف صارم جدا برفض انضمامها الاتحاد الأوروبي رغم أن المبدأ متفق عليه في الاتحاد الأوروبي. حجة الرئيس الفرنسي هي أن تركيا، برغم أهميتها وتاريخها، دولة من دول حوض البحر المتوسط، والأحرى أن تجد مكانها في إطار تكتل لدول الحوض. وهذا في رأيه لا يعني عدم دخول الاتحاد الأوروبي مع تركيا في اتفاقيات للأفضلية الاقتصادية وتعزيز
التعاون معها في مختلف المجالات. أما المرشحة الاشتراكية، فهي على العكس تقبل مبدأ الانضمام وتدعو لمفاوضات جديدة بين الطرفين. وخلال مناظرة المرشحين أضاف سركوزي مخاوفه من زحف الإسلاميين الأتراك على أوروبا، قاصدا سلطة حزب الرفاه الإسلامي، الذي تجري في تركيا اليوم مظاهرات حاشدة متتالية ضد ترشيح الحزب وزير الخارجية لمنصب رئيس الجمهورية. ومهما يكن، فإن سركوزي سيكون بين أمرين: إما مجاراة موقف الاتحاد الأوروبي أو طرح القضية لاستفتاء عام، حيث يبدو أن هناك أكثرية فرنسية تتعاطف مع موقفه.
3 – المظاهرات المعادية:
تؤكد الصحافة الفرنسية ليوم الأربعاء [ 10 منه ] أن الأنشط في المظاهرات المعادية لانتخاب سركوزي، كانت عناصر من أقصى اليسار الفوضوي، الذين كان لهم في السبعينات تنظيم يمارس الاغتيالات. عنصر أقصى اليسار بين الطلبة قامت منذ الأربعاء بالتحضير لإقامة متاريس حول الجامعات لمنع أكثرية الطلبة من الدراسة. هكذا كانت فرق اليسار بمخلف انتماءاتها ترد بضغط الشارع على قرارات لا تعجبها يتخذها البرلمان، واليوم، فإن هواة العنف من الفوضويين وأقصى اليسار يحتجون بالعنف على نتائج انتخابات عامة صوتت فيها أكثرية لشعب للرئيس الجديد. إن هذه العناصر اندمجت مساء إعلان النتائج بزعران العنف [ أو “الحثالة” على حد وصف سركوزي]،
في الضواحي الفرنسية ومدن أخرى، لتقوم بعمليات اعتداء على البوليس، ونهب المخازن، وحرق السيارات، التي زاد عددها في ليلة واحدة عن ألف سيارة تعود لمواطنات ومواطنين مسالمين. إن مشاركة هذه الأقلية من شبان الهجرة في اضطرابات العنف مرة أخرى ستقود لا محالة للمزيد من تشويه سمعة العرب والمسلمين والأفارقة، وتزيد من التفاف الشعب الفرنسي حول السياسة الأمنية الصارمة للرئيس الفرنسي. وما دامت المفارقات تتالى، فإن حزب لولين اليميني المتطرف ينوي من جانبه القيام بمظاهرات! هكذا يلتقي حملة الأيديولوجيات المتطرفة! أما سكرتير الحزب الاشتراكي فقد وجه نداء للتهدئة، علما بأن 250 من المتشددين في حزبه شاركوا في اضطرابات باريس.
4 – نقطة نور:
يبقى أن نيدي رأينا في مفهوم اليسار واليمين في فرنسا. فاليمين هنا يعني المحافظة وإهمال القضايا الاجتماعية لصالح الرأسماليين. أما مفهوم اليسار في فرنسا فهو التركيز على ما تم إحرازه من تدابير اجتماعية واقتصادية، كتحديد ساعات العمل ب 35 ساعة، ورفض مطلب خدمات الحد الأدنى في وسائل النقل العامة خلال الإضرابات المتتالية، التي تمارس خلالها النقابات ضغوطا على العمال غير المضربين وتلجأ للتهديد أحيانا.
لقد أشرنا في بعض المقالات السابقة إلى أن أحزاب “اليسار” الفرنسية هي المتهمة بالمحافظة ورفض التغيير والتجديد اللذين تتطلبهما الأوضاع في هذه المرحلة أو تلك، وبعكس كثير من أحزاب اليسار الأوروبي، لا تزال متكلسة على القوالب القديمة. أما مرشح “اليمين”، فهو على العكس داعية للتغيير والتجديد، وخصوصا نحو المزيد من الإنتاجية وزيادة وتيرة التنمية، كما ورد في مقالنا السابق. وكنا بمناسبة رحيل المفكر الفرنسي الراحل جان فرنسوا ريفيل، قد توقفنا عند تفسيره لما يعنيه اليسار له. كان هناك من يتهمه بالنزعة اليمينية المحافظة بسبب لبراليته، وهو يرد بأنه يساري لكونه يدعو للتجديد والإصلاح والتقدم، وأن اللبرالية لا تتناقض مع اليسار الحقيقي. [ انظر سلسلة مقالاتنا عن الملف الفرنسي حول اللبرالية المنشورة مؤخرا..]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *