الرئيسية » مقالات » الى أنور البني ضمير سورية الجديدة

الى أنور البني ضمير سورية الجديدة

بعيدا عن المغالاة حيث نضال الرجل وتفانيه ومواجهته للاستبداد وهو في أوجه وفي عقر داره بادية للعيان , أوالمحاباة حيث هو سجين مقيد اليدين وليس مسؤولا أو متنفذا أو مليونير ا فان السجين أو المعتقل السياسي الأستاذ أنور البني يمثل حالة استثنائية في المشهد السياسي السوري للأسباب التالية :
الأول : جذوره الوطنية العميقة على الصعيدين الشخصي والعائلي في التصدي للدكتاتورية ومن أجل التغيير والديموقراطية والانخراط منذ بداية تفتح وعيه السياسي في أكثر المنظمات الوطنية ثورية ونقاء في بدايات عملها الكفاحي وأقصد – رابطة العمل الشيوعي – الذي أنجب كوكبة مميزة في الثبات المبدئي والتضحية من أجل الأهداف المنشودة با الساحة النضالية السورية المعارضة في مختلف المناطق في الحقبة الأولى من عمرها كما ذكرنا والأستاذ البني في قلب ذلك الرعيل الذي شهد أسماء أخرى لسنا بصدد تداولها في هذا المقام .
الثاني : أن امتهانه لمهنة المحاماة في الأعوام الأخيرة لم يكن الا انتهاجا لخطه الوطني بطريقة جديدة بديلا موضوعيا سليما عن العمل السري خاصة عندما قرر البقاء على أرض الوطن وعدم الرحيل الى ديار الاغتراب وخيارا مكلفا محفوفا بالمخاطر حيث طريق المواجهة العلنية مع سلطة الاستبداد وأجهزتها القمعية التي أعلنت الحرب عليه منذ الأيام الأولى بكافة السبل ولم يترك المحامي والحقوقي المدافع عن قضايا الناس القانونية والاجتماعية في الاطار الوطني الأوسع وفي تمازج عضوي مع هدف التغيير الديموقراطي فرصة الا واستخدمها من أجل النجاح في احقاق الحق وصيانة انسانية وحرية الشعب السوري ولو في حدودها النسبية وفضح وتعرية نظام الاستبداد أمام الرأي العام العالمي ومنظمات حقوق الانسان الأوروبية وبرلماناتها كلما سنحت له الفرصة وكان جليا أن الاسلوب العلني لممارساته النضالية لم يغير قناعاته الثابتة في استحالة احداث التغيير الديموقراطي المنشود عبر ما يسمى باصلاح النظام من خلال قرارات وخطوات وترقيعات هنا وهناك .
الثالث : انتماؤه الديني – المذهبي الآقلاوي الذي ورثه عن أسلافه لم يدفعه الى الانطواء والانعزال – كما حصل مع البعض ممن كان محسوبا على خانة اليسار – أو الشعور بالاندفاع نحو مصالح ضيقة على حساب مشاعره الوطنية الصادقة تجاه شعبه السوري برمته أو الانحياز الى صفوف الأصولية القومية – الشوفينية كما فعلها البعض الآخر وانني شخصيا اذ أعترف رغم تعاملي معه مراسلة منذ سنوات وتقديمي له ميدالية تكريمية باسم جمعية الصداقة الكردية العربية قبل ثلاثة أعوام في مؤتمرها بأربيل عاصمة اقليم كردستان العراق لم أكن على علم بانتمائه الديني الا من خلال مقالة السيدة ناديا قصار – دبج نشرت في موقع الحقيقة وذلك ضمن سرد سيرته وتاريخه النضالي وجذوره العائلية أقول ذلك في ظروف تصاعد العصبيات الدينية والمذهبية وتلاقي الأصوليتين القومية والدينية في بلداننا لأسباب عديدة من أهمها تحديات الاستبداد والدكتاتورية والخوف على المصير وفقدان الأمن والاستقرار الشخصي والمجتمعي , ان جميع فعاليات ونشاطات الاستاذ البني كانت تدور حول حاضر ومستقبل الشعب السوري برمته معتبرا نفسه صاحب القضية الوطنية الشاملة وأولى من الجميع في الدفاع عنها بأمانة وشفافية .
الرابع : وهي الأهم بنظري تحرره كعربي سوري ينتمي الى القومية السائدة من نزعة الاستعلاء القومي تجاه الشعب الكردي السوري مبكرا ومن عقدة التفوق والهيمنة وقبوله للآخر الكردي ليس كمواطن فحسب بل كقومية رئيسية ثانية بعد القومية العربية من حقها التمتع بحقوقها الأساسية وتقرر مصيرها في اطار سورية الديموقراطية الموحدة ولا أخفي هنا أن قلة قليلة من مواطنينا وشركائنا العرب السوريين من مثقفين وسياسيين تحمل هذا التوجه السليم تجاه كرد سورية وقضيتهم رغم أن الزمن كفيل بانحياز الأغلبية الى هذا النهج الوطني الديموقراطي , لقد أثبت الأستاذ البني موقفه هذا على أرض الواقع من خلال مشروع دستور سورية الجديدة الذي طرحه للمناقش قيل حوالي العامين والذي حمل بين دفتيه موقفه اللافت المتقدم بخصوص الشعب الكردي وحقوقه ودوره الوطني وشراكته الشعب العربي السوري في القرار والمصير وفي الادارة والمساهمة في السلطتين التشريعية والتنفيذية , وقد كنت كتبت بتلك المناسبة : ” في مبادرة مبدعة ومّتسمة بدرجة عالية من المسؤولية الوطنية افتتح الناشط الحقوقي المحامي ” أنور البنّي ” الجولة الأولى من- معركة- صياغة الدستورالجديد لسورية المستقبلية المنشودة من بنيها , طارحا مشروعا على الرأي العام داعيا الى مناقشته واغنائه بالمساهمات والآراء , وحسنا فعل الأستاذ ” البنّي ” فهو من جهة سلك الطريق الصحيح عندما تناول موضوع الدستورالقادم الذي لا يمكن ضمان أي تقدم على درب التغيير من دونه ,ومضمونه سيعّبر عن طبيعة البديل المرتقب ومدى التزامه باالمبادىءالديموقراطية وقيم التجديد والمفاهيم الانسانية ليحل مكان دساتير بالية مؤقتة أو دائمة لم يمسها التغيير منذ عقود وهي نصوص فرضت معظمها الانقلابات العسكرية لخدمة الأنظمة الاستبدادية على شكل مراسيم وقرارات جهات حزبية ومجالس – ثورية – مستقوية بالأحكام العرفية والاستثنائية بدواعي مصالح الأمن القومي المزعومة , ومن الجهة الأخرى قدم خدمة كبرى للشعب السوري ولكل من يعّز عليه مستقبل البلاد ومصير الوطن باختصاره الطريق والتحضير من الآن لأمر واقع لا محالة فجميع الخيارات والبدائل تقود الى التغيير بغض النظر عن وسائله وأدواته ومدى عمقه ” .
يستحق الأستاذ أنور البني وهو رهينة نظام الاستبداد أكثر من بيان تضامني من أطراف المعارضة أو مقالة متعاطفة من جانب أصدقائه ومحبيه – كما هو الحال معي الأن – انه في وضعيته ومكانته يجتاز حدود حالات الاعتقال المتبعة يحق الكثيرين الى درجة الاقتراب من التحول الى ظاهرة وطنية فريدة ومميزة استنادا الى ماضيه وحاضره اللذين يؤهلانه ليجسد بحق ملامح سورية المستقبلية التعددية الديموقراطية المنشودة يجب منحها حقها من التقدير والمواكبة والاهتمام فمتابعة قضية البني في هذا الاطار هي المواجهة الحقيقية مع نظام الاستبداد والطريق الى ادانته وهي تقتضي منا جميعا ابراز مواقفه الوطنية ومناقشة مشروعه حول دستور سورية الجديدة كما دعا هو الى ذلك لدى طرحه كما أنه من الواجب الوطني ان تتداعى أطياف المعارضة عربا وكردا لتشكيل لجنة خاصة لمتابعة قضيته وسائر السجناء والمعتقلين السياسيين وتحديد يوم وطني خاص بالاستاذ البني تتخلله الاعتصامات السلمية واقامة الندوات حول فكره ومواقفه ومشروعه الدستوري وتقديم المذكرات الى الرأي العام العربي والعالمي من أجل ممارسة الضغط على نظام دمشق لاطلاق سراحه مع سائر معتقلي الرأي .