الرئيسية » مقالات » هل يصلح العطار ما افسده الدهر؟

هل يصلح العطار ما افسده الدهر؟

لايخفى على احد من المهتمين بالشأن العراقي، ماتعرض له الكورد الفيليون من ويلات ونكبات ومصائب مازالت اثارها قائمة وماثلة امامنا حتى يومنا هذا، وفي المقدمة معاناتهم المزمنة مع قوانين الجنسية، ومنها قانون الجنسية الجديد رقم (26) لسنة 2006 الذي اصدرته الجمعية الوطنية العراقية مطلع العام الماضي.
لقد اعتبرت قوانين الجنسية الصادرة في العهود الملكية والدكتاتورية الكورد الفيليين من اصول اجنبية (ايرانيين) بالرغم من اصالتهم وعرقهم وصلتهم الوثيقة ببلاد ما بين النهرين منذ الاف السنين غير ان قوانين الجنسية التي سنت في ظل الاحتلال البريطاني وفقا لضوابط بيرسي كوكس- النقيب، عاملت الكورد الفيليين من منطلقات شوفينية وطائفية صرفة، كذلك قوانين الجنسية اللاحقة التي صدرت في ظل الحكومات الدكتاتورية التي اعقبت انقلاب 8 شباط الدموي سنة 1963، هي الاخرى تمادت في الاغراق في وحل الطائفية والعنصرية، في تعاملها مع مواطنة واصالة هذه الشريحة الاجتماعية، انتقاما وعقابا لهم لمواقفهم البطولية في الوقوف بوجه الاحتلال البريطاني والمشاركة في ثورة العشرين الوطنية المجيدة وبناء على ذلك جاءت قوانين الجنسية غارقة في لجة بحر من الطائفية والشوفينية حيث اعتبر القانون الاول للجنسية الذي صدر في ظل الاحتلال البريطاني رقم (42 لسنة 1924) كل من كان مقيما بصفة دائمة في العراق ومن رعايا الدولة العثمانية، عراقيين بالاصالة، وكل من كان مقيما في العراق ومن رعايا دول اخرى اجانب لهم الحق باكتساب الجنسية العراقية.
وبموجب هذا القانون حصل التركي الالباني والداغستاني والشيشاني وحتى الهنود الذين سجلوا في رعايا الدولة العثمانية مع مواطنين عرب سوريين او مصريين او ليبيين اوسعوديين وغيرهم طالما هم من رعايا الدولة العثمانية، لهم الحق بالحصول على الجنسية العراقية كمواطنين اصلاء وحصلوا على شهادة الجنسية العراقية من التبعية العثمانية، وقد تبوؤ قسم من هؤلاء العراقيين مناصب رفيعة في الدولة (رئيس وزراء، وزير، رئيس الديوان، مدراء عامين وغيرهم) بينما ابناء الشريحة الكوردية الفيلية، وبسبب تهربهم من اداء الخدمة العسكرية في الجيش التركي (العثماني) لجأت غالبية الاسر والعائلات الكوردية الفيلية ان يسجلوا انفسهم لدى السلطات العثمانية من رعايا الدولة الايرانية تخلصا من سلبيات الخدمة العسكرية في (السفر برلك) الذي كان يطول لاكثر من عشر سنوات فيما لوبقي المساق للخدمة على قيد الحياة، لان المجندين كانوا يساقون رأسا الى جبهات القتال لزجهم في اتون الحروب الدائمة بين الدولة العثمانية وبين الاوربيين وروسيا القيصرية.
ولهذا السبب وايضا بسبب الانتماء المذهبي لابناء هذه الشريحة فقد اكتسبوا حقداً جديداً عليهم (الحقد الطائفي) الذي مارسته السلطات الملكية ومن بعد الحكومات الدكتاتورية وصب نار غضبهم على الكورد الفيليين بسبب مواقفهم الوطنية المشرفة في حركة التحرير الوطني العراقية ومشاركتهم الفاعلة في حركة التحرير الوطني الكوردستانية، ومقاومتهم البطولية الباسلة لانقلاب 8 شباط الدموي الاسود سنة 1963 فقد اعتبرت جميع قوانين الجنسية ابناء هذه الشريحة من رعايا دولة اجنبية (ايران) ومنحوا شهادة الجنسية العراقية من التبعية العراقية، التي توقف منحها بعد انقلاب تموز 1968 وقد تعرضوا الى التمييز والتهميش والاقصاء لهذا السبب والحرمان من تبوؤ المناصب الحكومية السيادية والوزارات وحتى درجة مدير عام. رغم وطنيتهم واخلاصهم المشهودة لهم.
وكانت الحملة البربرية الهمجية التي تعرضوا لها في ربيع 1980 والتهجير القسري الذي جرى على اكثر من نصف مليون مواطن كوردي فيلي ومصادرة اموالهم وعقاراتهم وممتلكاتهم وتجريدهم من كل شيء سوى الملابس التي كانت على اجسادهم والقائهم على الحدود الايرانية في العراء ووسط حقول الالغام التي اودت بحياة الكثير منهم يفترشون الارض الوعرة التي هجروا اليها ويلتحفون السماء.. هذا فضلا عن احتجاز الالاف من شبابهم حيث تم اعدامهم لاحقا بعد قضائهم سنين طوال في سجون النظام.
وبعد انهيار السلطة الدكتاتورية، استبشر ابناء هذه الشريحة خيراً وعادوا الى ارض الوطن يحدوهم الامل باستعادة حقوقهم المسلوبة لكنهم عادوا ولم يجدوا من يصغي لسماع مشاكلهم ومعاناتهم باعادة ما سلب منهم، والكشف عن مصير ابنائهم الذين اعدموا ودفنوا في المقابر الجماعية.. واعادة هويتهم الوطنية التي سلبت هي الاخرى منهم.
وامام اصرار ابناء هذه الشريحةاصدرت الجمعية الوطنية العراقية قانون الجنسية رقم 26 لسنة 2006 الذي لا يختلف عن القوانين التي سبقتها والتي صدرت في العهد الملكي او الحكومات الدكتاتورية العنصرية.
حيث يمنح الكوردي الفيلي جنسية عراقية بالاكتساب وليس بالاصالة وهذه مخالفة صريحة للوائح حقوق الانسان والمواثيق الدولية ضد التمييز العنصري.
ونحن وعلى سبيل وضع علاج انساني لهذه المعاناة نقترح ان تعاد الهوية الوطنية (الجنسية لهذه الشريحة) باصدار قانون جديد يعتمد احصاء عام 1957 كأساس للمواطنة الاصيلة للعراقيين ويعتبر كل من كان مقيما بصورة دائمية في العراق عام 1957 ومسجلاً في احصاء النفوس لعام 1957 او ادى الخدمة العسكرية،عراقيا بالاصالة، ومنح جميع العراقيين الجنسية العراقية بصفتهم مواطنين اصلاء من الدرجة الاولى، واصدار بطاقة جنسية جديدة وفقا لهذا القانون والغاء كل ما يتعارض واحكام هذا القانون من انظمة وقوانين سابقة، ورفع كل اشكال التمييز والتهميش والاقصاء بحق ابناء هذه الشريحة الوطنية، ورفع جميع القيود التي كانت تحول دون تبوأ ابناء هذه الشريحة المراكز السيادية في الدولة او منصب او وظيفية حكومية ويفتخر ابناء هذه الشريحة معهم الاحزاب والمنظمات السياسية والاجتماعية التي سجلت لابناء هذه الشريحة مواقفهم الوطنية المشهودة دفاعا عن الوطن العراقي، وقدموا التضحيات الجسام في سوح الشرف والنضال في معارك شعبنا ضد السلطات الملكية والدكتاتورية من اجل عراق ديمقراطي حر، كما كان لهم شرف المشاركة الفاعلة ودعم حركة التحرير الكوردستانية بالمال والانفس.
وحان الوقت لكي تنعم ابناء هذه الشريحة بحقوقهم الكاملة كمواطنين حريصين على امن وسلامة البلاد والمشاركة في اعادة اعمار وبناء عراق ديمقراطي فدرالي يحترم فيه حقوق الانسان.
التآخي