الرئيسية » مقالات » الورقة الإيرانية لمؤتمر شرم الشيخ

الورقة الإيرانية لمؤتمر شرم الشيخ

أحد أهم أهداف مؤتمري شرم الشيخ هو إلزام الأطراف الإقليمية والدولية بعدم التدخل في الشأن العراقي ودعم الحكومة، وأن ألا تعكس خلافاتها على الساحة العراقية.
على هذا الأساس، من غير المعقول إهمال الورقة الإيرانية التي قدمت للمؤتمر، حيث لم تحظى بأي اهتمام إعلامي عراقي أو عربي أو دولي، وربما لم تناقش أصلا بداخل المؤتمر، رغم أنها كانت خطوة إيرانية واسعة نحو حسم الصراع في العراق لكي لا يكون ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والعالمية، فهي تمثل نقلة نوعية بالسياسة الإيرانية في العراق والمنطقة بالرغم من أنها تمثل اعتراف ضمني من إيران بأنها تتدخل بالشأن العراقي.
أصبح من المعروف أن إيران تتدخل بالشأن العراقي بشكل سافر، فهي شكلت ودعمت العديد من المليشيات الشيعية فضلا عن تقديمها المساعدات لبعض التشكيلات المسلحة السنية من أجل استمرار الصراع والقتل في العراق، وهذا يضاف إلى العديد من سقطات اللسان التي وقع فيها بعض ساسة إيران والتي تمثل اعترافات صريحة في هذا المجال، كقول جنتي “لا يهمنا شيء حتى لو قتل عشرة ملايين عراقي، المهم هو أن يفشل المشروع الأمريكي في العراق” وعلى هذا القياس صدرت العديد من هذه التصريحات، فضلا عن الأدلة الدامغة على هذا التورط السافر بأعمال العنف وضمان استمراره في العراق.
حقيقة أن دول الجوار الإقليمي، ليس لديها وسيلة، أو بالأحرى، لا تعرف وسيلة لمواجهة الموقف في العراق سوى إطلاق ماكينة العنف المسلح في العراق بوسائلها الخاصة، وبالفعل بدأت تعمل على هذا الأساس بعد أول مؤتمر لهذه الدول حال سقوط النظام السابق.
لكن بعد حين، تبين أن هذه الدول لها أجندات مختلفة ويجدون بالحالة العراقية الهشة فرصة تاريخية لتحقيق المستحيل الذي مازال البعض يحلم به، لذا راحت كل جهة تعمل وفق أجندتها التي يعتقدون أنها تحقق أطماعهم بهذا العراق الممزق الضعيف.
على هذا الأساس دعمت الدول العربية التنظيمات الإرهابية المتمثلة بفلول البعث الذين احتضنوا تنظيم القاعدة الذي يعتبر الأشد كفرا وهمجية من غيره، على اعتبار أن هذه التنظيمات تمثل المقاومة العراقية للاحتلال الأجنبي في العراق، وشكلت إيران المليشيات الشيعية المختلفة، كما أسلفنا، ودعمتها بكل قوة، بالسلاح والمال وحتى الدعم السياسي على أساس أنها أيضا مقاومة ضد الاحتلال الأمريكي.
رغم استمرار قتل الشيعة على أساس الهوية لمدة ثلاثة سنوات متواصلة، لم تتحرك المليشيات الشيعة المدعومة من قبل إيران بأي عمل ضد هذه الأعمال الهمجية، لكن حين انتهت هذه الأعمال بتفجير المراقد الشيعية المقدسة، لم تستطع الدوائر السياسية الإيرانية تجاوز هذا الأمر كونه يمثل أحد أهم محاور العقيدة، هنا فقط بدا الخلاف واضحا جدا، حيث أن هذا العمل لا يمكن اعتباره مجرد تمادي لعصابات البعث والقاعدة بالعنف الطائفي، لكن كان له أهداف غاية بالأهمية، وهي التقدم بخطوة كبيرة والتصعيد مع الصديق العدو على الساحة العراقية، ربما لمعرفة مدى إمكانيات هذا العدو وحدود قوته، المقصود هنا تلك المليشيات التي كانت متضامنة معها بشكل أو بآخر.
بعدم عام من الصراع الدامي المرير بين الطرفين في مواجهات من خلال الدم العراقي البريء الذي راح ضحيته عشرات الآلاف من الأبرياء في عمليات القتل المتبادل، حتى تراءى للبعض إن العراق يعيش حربا أهلية حقيقية، بعد بلوغ الصراع هذه المرحلة حدوده القصوى ونتج عنه مآسي لم تعد خافية على أحد، لكن تبين بعد ذلك أن ليس باستطاعة أي جهة من أطراف الصراع الطائفي الانتصار في العراق على حساب الطرف الآخر، وقد تبين أيضا لأمريكا أنها لا تستطيع حسم الصراع على حساب أي طرف في العراق، لكن، مع الأسف، لم تكن هذه الحقائق مشتركة بين الجميع، فهناك البعض، الأكثر غباءً، مازال يعتقد بإمكانية حسم الصراع لصالحه، وهذا ما بدا واضحا في شرم الشيخ أخيرا، حيث أن دول الجوار الإقليمي العربي باستثناء مصر، مازالوا يعتقدون بهذه الإمكانية من خلال استثمار أواصر الصداقة القوية مع أمريكا، خصوصا بعد أن حققوا انتصارهم الكبير يوم أعلن تقرير بيكر هاملتون الذي يهدف من حيث الأساس إلى أعادة صياغة لسيناريو العام91، يوم انطلقت الانتفاضة الشعبية الواسعة بالعراق وكادت أن تطيح بالنظام، لكن بمساعدة أمريكا حلت أللعنة على أبناء العراق المنتفضين ضد النظام.
هناك دلائل كثيرة تشير إلى أن ما يجري من حراك سياسي وعسكري عملياتي في العراق هو تهيئة الأرض الواقعية للإجهاز على المكتسبات التي حققها الشعب لحد الآن من خلال تقدم العملية السياسية، وعلى هذا الأساس قد هيأت دول الجوار الإقليمي الشخص البديل والمقبول عربيا لشخص المالكي المتهم بتحيزه الطائفي، وذلك لتشكيل حكومة بديلة سميت بحكومة الإنقاذ الوطني، وهو بالضبط ما يقترحه تقرير بيكر هاملتون سيء الصيت.
من هنا تأتي أهمية الورقة الإيرانية التي تفردت الحياة بنشرها مع خلطها ببعض الأوراق التي لم تكن أصلا ضمنها، حيث أن النقاط الثلاثة عشر التي تضمنتها الورقة تهدف إلى إبعاد الصراع الأمريكي الإيراني عن أرض العراق بوضوح، لكن بشروط، أهمها أن لا يكون البديل لحكومة المالكي هو الدكتور أياد علاوي، هذا إذا تم التوافق على تغيير حكومة المالكي. ففي الحقيقة أن الورقة لم تذكر علاوي بالاسم، لكن المسألة لا تحتاج إلى درجة عالية من الذكاء للوصول إلى هذا الاستنتاج، حيث أن النقطة الثالثة منها تشير إلى ذلك بوضوح.
في الحقيقة أن الورقة الإيرانية لم تذكر شيئا عن الملف النووي وليس هناك إشارة إلى لبنان أو فلسطين، لكن الصحيفة حملتها هذه الملفات في محاولة ساذجة منها لخلط الأوراق، حيث جاء في صياغة الخبر الذي نقلته الحياة ما يلي:
“وترى هذه الأوساط أن التصور الإيراني للحل في العراق لا يمكن أن يكون منفصلا عن «سلة المنطقة والملف النووي»، لذلك فإن أي اتفاق حول العراق بين القطبين المؤثرين فيه، أي إيران والولايات المتحدة، لا بد أن يترافق مع تفاهمات حول ملفات إقليمية أخرى، خصوصاً في لبنان وفلسطين”، انتهى الاقتباس من الخبر.
لكن حين نعود إلى بداية الخبر ونعيد قراءته بالكامل من جديد، لم نجد أي إشارة إلى تلك الأوساط، وأن مسألة “رؤيا الأوساط”، على حد زعم الصحيفة، مجرد تحميل الورقة ما ليس موجودا فيها، بل على العكس من ذلك تماما، وهو أنها أسقطت من حسابات إيران، ملفات لبنان وفلسطين والنووي، حيث كان هدفها واضحا، وهو إبعاد أي صراع دولي أو إقليمي عن الساحة العراقية، وهذا تطور نوعي وخطوة كبيرة جدا نحو الآخرين من أجل إيقاف نزيف الدم في العراق، لكن يبدوا أن الآخرين مازالوا يحلمون بتنفيذ أجنداتهم في العراق ولا يريدون التقدم نحو الخصم على أرض العراق والإصرار على استمرار نزيف الدم حتى يعود البعث ليحكم العراق من جديد، لذا دفعوا بإحدى صحفهم لتشوه ما جاء بهذه الورقة المهمة والواقعية.
الورقة لا تشترط جدولا زمنيا لخروج القوات المتعددة الجنسية من العراق، بل تشترط وضع برنامج محدد لانسحاب هذه القوات، وهو ما يتوافق مع الرؤيا الأمريكية والعراقية وحتى العربية، أضف إلى ذلك ترفض الورقة أي انسحاب غير مبرمج لهذه القوات خوفا من تداعيات خطيرة على الساحة العرقية (النقطة الأولى والثانية). كما وتمضي الورقة بالاتفاق مع رؤى الآخرين في برنامج المصالحة الوطنية (النقطة الرابعة). وتذهب الورقة الإيرانية إلى حدود بعيدة لم يجرؤ حتى الطائفيين العراقيين على التحدث عنها صراحة، وهو أنها تمنح مشاركة واسعة جدا للسنة في الحكومة تصل إلى ضعف حجم المكون ديموغرافيا في العراق مع إعادة النظر بقانون اجتثاث البعث(النقطة الخامسة)، وتقترح الورقة توزيعا عادلا للثروات الوطنية يتفق عليه جميع الأطراف وإعادة استيعاب أكبر قدر من ضباط الجيش السابق مع استثناء للمتورطين بجرائم ضد أبناء الشعب، وتقترح الورقة أيضا إشراك الشعب لوضع حد لنشاط العصابات المسلحة وضبط الحدود، كما وأنها تدعوا إلى تعديل الدستور وهو ما تقوم به حاليا لجنة برلمانية ينتهي عملها خلال هذا الشهر(النقاط من7 إلى10)، وهنا نقف قليلا عند النقطة الحادية عشرة، والتي تنص على ما يلي:
“تساعد إيران الحكومة العراقية في السيطرة على الجماعات الشيعية المسلحة ودمجها في الأجهزة الرسمية” وهو بالضبط ما اقترحته وثيقة عهد العراق والبيان الختامي للمؤتمرين، وفيها نستطيع أن نرى مدى تأثير إيران على نشاط هذه المليشيات بحيث تستطيع حلها ووقف نشاطها متى شاءت.
أما النقطة الثانية عشر فإنها لا تختلف عما يدعوا له الدستور العراقي بأي حال ما عدا نقطة واحدة وهي أن الورقة استعملت تعبير “فدرالية مناطقية” والتي لا تعني شيء، لأن أهم شرط لتشكيل فدرالية هو أنها تكون بين مناطق في نطاق جغرافي واحد، أي تتعلق بمناطق العراق التي تنسجم فيها المكونات الاجتماعية، بمعنى لا يمكن أن تشكل محافظة دهوك مع البصرة فدرالية واحدة! ربما القصد من هذه العبارة هو أن إيران لا تحبذ النظام الفدرالي في العراق، وهي النقطة الوحيدة التي وجدتها تختلف عما جاء في الدستور العراقي، وهي موضوع يمكن مناقشته، وأعتقد أنها ستكون أحدى أهم النقاط التي سيناقشها رئيس وزراء إقليم كوردستان في زيارته الحالية لإيران.
خلاصة القول يجب النظر لهذه الورقة بجدية على أنها تشكل خطوة للأمام نحو التقارب بين الأطراف الغير عراقية والتي تقاتل بعضها البعض بأجساد العراقيين ودمائهم.
رابط الخبر الذي نشره موقع “صوت العراق” نقلا عن صحيفة الحياة:
http://www.sotaliraq.com/iraq-news.php?id=52670

2007-05-06

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *