الرئيسية » مقالات » مخــاطــر ازمـــة الـوعـــي الشيعــــي

مخــاطــر ازمـــة الـوعـــي الشيعــــي

في مقالـة متواضعـة سابقـة بعنوان ـــ ثلاثيـة المأزق الشيعـي ـــ اشرت فيهـا الى التدني المخيف في مستوى الوعـي عند الملايين من بنات وابناء الشيعـة في العراق وتأثيره المدمـر كسبب مـن اسباب ازمتهـم التاريخيـة التي عليهـا تترتب جملـة تداعيات وترديات ’ بالتراجـع في المستوى الصحي والأخلاقي والمعنوي والوظائفي ومصادر الرزق وتعميم الجهل والفقر والرذيلـة والتهميش المطلق وعلى جميع الأصعـدة ’ كل هـذا وكثير غيره يشكل ابرز تقاسيم ازمـة الوعي والمأزق بشكل عام .
صحيـح ان شيعـة العراق والجنوبيين منهم بشكل خاص من الصعب الغاء او اجتثاث جذور الوعـي الراسخــــة فـي عمق تكوينهـم ’ لكونهم امتداد واحفاد لحضارات ومعارف وانجاوات تاريخيـة تراكمت في تكوينهـم عبــر الآف السنين ’ فقط وفي اسواء الحالات وهذا ما يحدث فعلاً ’ يمكن محاصرة تراثهـم تشويهـه وتحجيمـه ’ لكن ليس بالأمكان اجتثاثـه وتفادي احتماليـة نهوضـه ’ وتبقى مصدراً للريبـة والخوف والقلق بالنسبـة للأخريـن .
بعـد التغيير الذي حدث فـي 09 / 04 / 2003 ’ ورغم جروح التقتيل والأبادات وانتزاع الكرامات وتدمير الضمائر والضغط بأتجاه الخنوع ونزف الجرح الأكبر للمقابر الجماعيـة ’ نهض المارد الفكـري والمعنـوي لعـراقيي الجنوب والوسط بكامـل الحيويـة والأرادة وقـدم ما عليـه فأنجـز عمليتين انخابيتين واستفتاء على الدستور ’ رفعـوا خلالهـما ممثليهـم ورموزهـم الى راس السلطـة السياسيـة ووضعوهـم على ابواب الثـروة الوطنيـة ’ وضغطـوا بصبرهـم على اوجاع مآساتهـم وانتظـروا ’ بأن ممثليهـم سيرفعوا عنهم ثقـل انتكاستهم ويعوضون خسائرهـم ويتحسسون الآمهـم ’ ويعز عليهـم ان يروا بنات وابناء طائفتهـم غارقون فـي اوحال الفقر والجهـل والأوبئـة ’ او ينتهزوا فرصتهـم التاريخيـة والتـي جاءت بلا انتظار وقـد لا تتكـرر ’ ويرفعوا سواعدهـم وينخرطوا بين صفوفهـم ويتصدرون قيادتهـم ويسارعوا فـي اصدار التعليمات والأرشادات والنداءات الحماسية والفتـوات مـن هنـا وهنـاك تدعوا الزاماً وشرعاً متعلمي الطائفـة وكوادرهـا لفتـح مراكز مكافحـة الأميـة والتطوع للمساهمـة الأنسانيـة في رفع مستوى اهلهـم وتحسين اوضاعهـم الصحيـة والنفسيـة واعادة العافيـة الى مدنهـم وقراهـم والشروع بقدر الأمكان لبناء المؤسسات والمعاهـد للتأهيل المهنـي والأداري والتعليمي ومختلف المعارف والأختصصاصات ’ بذل الجهـد الأستثنائي لأمتصاص البطالـة وانعاش الحالـة المعاشيـة والحرص علـى عـدم تبذير المتوفر مـن ثرواتهـم فـي غيـر صالحهـم ’ واشراك المـراءة واعطاءهــا دورهـا كأم واخت وزوجـة فـي عمليـة النهوض والبناء وفـي المقدمـة اصلاح ما دمرتـه الأنظمـة الطائفيـــة والعنصريـة فـي نفوس واخلاق وضمائر بنات وابناء الطائفـة ’ لتصبـح مؤهلـة كمـربيـة ومرشدة ومعلمـة للجيل الفتـي لبنـات وابنـاء الطائفـة ’ كذلك يجب اعادة الثقـة والأمان والعلاقات التاريخيـة المميـزة اخوياً بين الشيعـة والمكونات الآخـرى داخـل جغـرافيـة الجنوب والوسط العراقـي .
كان ذلك كان منتظـراً بلهفـة .. وكان يجب ان يحصل ’ ولا يوجـد ثمـة سبب او مبرر مقنع للأبطاء والتلكـؤ فيـه ناهيك عـن فضيحـة الألتفاف عليــه ’ او ابتكار بدائـل مشوهـة تنضحهـا الأنانيـة والذاتيـة والنفعيـة والأفـق الضيق .
جاءت رياح الأنتظار والأمـل عكس ما تشتهيه سفـن حلـم الملايين وثقتهـم واحقيتهـم ’ فكانت احباطاً وخيبـة امل وانكفاءً وهروباً الى الأمام مـن امور لا يرغبون ان يصدقوهـا ’ انـه يتعلق بصميم عقيدتهم وايمانهـم .
اربعـة اعوام مـرت ’ لـم يأتي من يحمـل تحت ابطـه الدفاتـر والأقلام ’ او فتـوة مـن الساسـة والقيادات والمراجع العظام ’ تدعوهـم للأصغاء والأسراع فـي تعلم القراءة والكتابـة ’ او مـن يدعوهـم للمراجعـة المنظمـة لمراكز الأرشاد الصحـي ويشرح لهم ماذا تعنـي ( العقـل السليم في الجسم السليم … والنظافـة مـن الأيما، …. ) او مـن يشـرح لهـم بعـد الصلات فـي الحسينيات ومراكز العبادة الآخرى ما قالـه معلـم الكون والفيلسوف الأبـــدي والفلاح المتواضع جـدهم امير المؤمنين علي ( ع ) وما كتبـه فـي نهـج البلاغــة … وكذلك المعنى الأنساني والدروس الكونيـة لأستشهاد امامهم الحسين ( ع ) والأبعاد الروحيـة لقيـم الحـزن الكربلائـي .
مـن فتـح بيوتات وقصور النظام السابق وقد بنيت من ثروات الجنوب والوسط كمراكز صحيـة ومستشفيات ومصحات قبل ان يتخذهـا مقرات حزبيـة ومليشياتـة وبيوتات عائليـة … ؟
مـن سارع لبناء التجمعات السكنيـة المتواضعـة وجمـع فيهـا فقـراء الطائفـة المدفونين فـي حفر من الطين والصفيح بين المزابل المحاطـة بالمياه الأسنـة حيث القمل والبرغوث والبعوض والعقارب تماماً كما فعـله الشهيـد الزعيـم الوطنــي عبـد الكريـم قاسـم .. قبل ان يفكروا فـي تهريب ثرواتهـم وارزاقهـم … ؟
مـن دفـع مخلصـاً بأتجاه فتـح المشاريع الأنتاجيـة لأحتضان ايتـام المقابـر الجماعيـة وتخفيف وطأة الأضرار الأجتماعيـة التـي تسببهـا البطالــة … ؟
مـن تفقدهم وتأكـد مـن انهم يأكلون ويشربون ويلبسون في الحد المقبول انسانياً وان اطفالهم تتوفـر لهم حقوقهـم في زيارة المدارس ’ قبـل ان ينافس غيـره فـي التكـرش على حساب فقـر دمهـم … ؟
ابـداً لا يوجــد … وكلما ارتفـع الشأن الأجتماعي والأقتصادي والترفيهي الشخصي والعائلـي لممثليهـم في الوزارات ومجلس النواب والمراكز الأداريـة والأمنيـة والزوايا الخلفيـة للفـرهود الحكومـي ’ كلمـا انخفظ مستواهـم الأجتماعي وغرقوا فـي اوحال الجهـل والفقـر والبؤس العام والرذيلـة ’ وحصدوا دورة التاريخ المدمـرة لهزائمهـم الماحقـة فـي معارك الوعــي .
عاتبت احـدهم ’ لعدم الوفاء لطائفتهـم … وانهم خسروا ثقـة اهلهـم وسيخسرون اصواتهـم فـي الأنتخابات القادمـة … اجاب .
” لا تخاف .. فتـوة وآخـرى ستعيدا الأمـور الى نصابهـا وتحصل قائمتنا على اكثر مما حصلت عليـه الآن … اننا نعرف طائفتنــا ”
نعـم اصدقـه .. هكـذا ينظـر الى الملايين مـن شيعـة العراق … هكـذا تحجـم وتسفـه قيمتهم الأجتماعيـة وتختزل انسانيتهـم وادميتهـم بأرقام واصوات انتخابيـة ’ هكـذا كان ولا يزال ونرجوا الا يستمـر شـر امرهـم مضحكـاً الى هـذا المستوى البائس ’ فقط لأنهـم ضحايـا خسارة معركــة الوعــي .
اذا ما وجدنـا عذراً في تدني مستوى الوعـي عنـد الملايين مـن العامة ’ فمن اين نجد عذراً مقبولاً اجتماعياً واخلاقياً لشذوذ الوعـي وموت البصيرة وانعدام الرحمـة عنـد بعض او اغلب مع الأسف القيادات والنخب السياسية والدينيـة وهـي تقود هوس ورعونـة الأقتتال الشيعـي الشيعـي … ؟
بأسم مـن يقتلوا فرصـة الوعي ويكسروا الأقلام ويمزقوا الدفاتـر ويطلقوا الرصاص على قلب الكلمـة النافعـة والنصيحـة الجديـة ويجيشوا فقـراء الطائفـة ويدربوهم على اللااباليـة والأرتزاق والكسل وقتال بعضهـم … ؟
انهـا الوجـه الأقبـح والفضيحـة المشينـة لمـن يتصدر تلك المهمـة ’ والأنحطاط الأخطـر لوعـي وطويـة وخلفية مـن يزرع الفتنـة والفوضى والأقتتال بين عبـد الزهـرة وعبـد الحسين ويرمـل نسائهـم و ييتـم اطفالهم ثم ينسبهم الى فصيلـة الشهداء ’ يا للفضيحة شهـداء ماذا … ومـن اجل مــن … ؟
لنبحث عـن بقايا قطـرة مـن الخجل ’ قبل ان يجف الحياء نهاءياً ونقفل الأبواب بوجـه العتب ’ حتى لا يضطـر شيعـة العراق ان ينزعزا من ارتدوهـم ستراً لكثــرة ثقوبهــم .
07 / 5 / 2007
وللموضوع عـودة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *