الرئيسية » مقالات » يهود العراق ذكريات وشجون. الحلقة 14 الوالد إبراهيم مير معلم، العراق يفترس أبناءه

يهود العراق ذكريات وشجون. الحلقة 14 الوالد إبراهيم مير معلم، العراق يفترس أبناءه

كان الوالد قبل نزوحنا من العراق قد أوصانا وصية عراقية أصيلة، إذ اعتاد أن ينصحنا دائما بنصائح مستحيلة: “سجلوا بالجامعة، وغوحو عند أبو الجامعة وقولولو، أبونا زنكين، دِرْسونا ومن يجي يرجعلكم حقكم زيّد ما ناقص!” (أذهبوا إلى عميد الجامعة وقولوا له إن والدنا رجل غني، اسمح لنا بالدراسة مجانا في البداية، وعندما يصل الوالد إلى البلاد سيفي لكم الدين وأكثر!). لا ندري إلى اليوم هل كان يؤمن بهذا المنطق الغريب؟ وما زلنا نبتسم لهذه النصيحة التي قد تكون سارية المفعول في أيام العسملي وأيام كـُتـّاب الملالي الذين كانوا يديرون مكاتب لتعلم الصغار، ولكن هذه الطريقة في العصر الحديث “ما تورّث” (لا تنفع). وعندما عاد بعد أن أنهينا الدراسة دون أن نستعين بنصائحه الغالية، سأل إذا كنا قد درسنا في الجامعة على “حساب وعده السموألي؟” ابتسمنا ابتسامة صفح و”تطويل بال”، قلنا كما كان يقول: “الحمد الله، الله قضاها بالطيب بس الفيس غركان” (انتهت على خير ما يرام، والضرر الوحيد كان غرق الفيس “غطاء الرأس العثماني” فقط)، وذلك لأن الجامعة أعفتنا من دفع أقساط الدراسة لأننا كنا من القادمين الجدد، ووفرت لنا الأعمال البسيطة لنستطيع التفرغ للدراسة، وأغدقت علينا المنح الدراسية بل أرسلت بعضنا للدراسة في جامعات انكلترا و إكمال التخصص في جامعات أوربا. وكنا في أكتوبر عام 1951 حوالي 70 طالبا عراقيا قد غزونا معهد الدراسات الشرقية في الجامعة العبرية لدراسة اللغة العربية والعلوم الإسلامية والشرق أوسطية. كان بيننا بعض الشعراء وأشهرهم مراد ميخائيل وزكي بنيامين هارون والمرحوم دافيد صيمح ويوسف سلطون ننشر ما نكتبه في جريدة “اليوم” و”حقيقة الأمر” الهستدروتية و”الإتحاد” و”الجديد” الشيوعيتين، وكان من الكتاب الأديب الياهو خزوم الذي كان يفخر بأنه ينشر مقالاته في جريدة “الجروزليم بوست” وجميل الوييا الذي كان يعمل في وزارة الخارجية شامخا بأنفه، وإبراهيم خياط زعيم الشيوعيين العراقيين في الجامعة ومن خريجي دار المعلمين العالية في بغداد. كان “شايف نفسه ويندعي بيها” لأنه درس مع نازك الملائكة وكان هو والطالب سليم فتال المتواضع من زعماء الشيوعيين اللذين كان يقودان مظاهرتنا الصاخبة احتجاجا على الوضع الاقتصادي العسير في حينها منددين بالحكومة ومطالبين بـالـ”ليحم عبودا” (الخبز والعمل) حاملين الشعارات الشيوعية “يا عمال العالم اتحدوا” و”الدين أفيون الشعوب” و”فليعش التضامن اليهودي العربي” وغير ذلك. أما في دروس اللغة العربية فقد كان من بين هؤلاء الطلاب من يريد إظهار “مراجلهم” في الإعراب وتبحره باللغة العربية، فيتجادلون مع الأساتذة الكبار من الفارين من الجحيم النازي في ألمانيا في صحة الأعراب ومعاني الجمل، “ليش هذولي أش يفتهمون، ليش بعغفون يطلبون شاي بالعربي؟” أما هم، فهم عراقيون أقحاح يتكلمون بلهجة قبيلة تميم فيقلبون لفظة حرف “الألف” إلى حرف “العين” ويتشدقون بهذا الحرف المجيد الذي يكثر العراقيون استعماله في مسبات أمهات وأخوات خصومهم، ولا يحسن أحد التلفظ به بهذه الصورة الصحيحة مثلهم حتى في رطانتهم باللغة العبرية والتي يقلب فيها الأشكناز حرف “العين” إلى حرف “الألف”. فهم فخورون بهذا الحرف الذي بدأ به عبقري العرب الخليل بن أحمد الفراهيدي قاموسه المعروف بـ”كتاب العين”. وأخيرا اكتشف هؤلاء العلماء بأن العراقيين لا يميزون بين حرفي “الضاد” “والظاء” في التلفظ والكتابة فاستغلوها ضدهم. وإذا كنا بصدد السباب فلا أروع من العراقيين في هذا الفن الشعبي المجيد بعد “فن العفاط”. وقد كان بعضهم لا يتكلمون إلا بالسباب والشتم، حتى بعض الوزراء والنواب في مجلسهم. قيل انه لما ابلغ جعفر العسكري مؤسس الجيش العراقي في 6921، بحركة بكر صدقي (1936) وأوعز إليه بإخمادها عن طريق المفاوضات، لأنه كان محبوبا من أفراد وضباط الجيش، خرج مسرعا إلى سيارته، فسـألته زوجته “وين رايح عيني؟”، أجابها: “آني رايح أنـ… أمه البكر صدقي” بدلا من أن يقول “أريد ردعه أو إخماد فتنته”، فكانت رصاصات الغدر من ضباط بكر صدقي قد ردت مسبته إلى نحره.
كان الأستاذ مراد ميخائيل الذي درس معنا، يرى أنه يستحق نيل لقب دكتور في الأدب العربي حتى بدون أطروحة ولا يليق بشاعر في مثل مكانته الجلوس مع “زعاطيط” مثلنا، أقصى ما يستطيعونه هو كتابة الشعر المنثور على الطريقة الجبرانية. لذلك طالب بالسماح له بكتابة أطروحة الدكتوراه رأسا وإعفائه من دراسة الماجستير، وعندما سألناه: “يابا ليش؟” أجاب: “ما أنا شاعر، حِتـّي مدحني شاعر العرب الأكبر معروف الرصافي”. رفض طلبه بدعوى أن الطلبة من العراق لا يحسنون البحث العلمي الموضوعي ولا اللغات الأوروبية للوقوف على أبحاث المستشرقين واستخدام المصادر الأوروبية لإغناء دراساتهم. وكان هذا الرفض إهانة كبرى لماضيه في العراق ولشاعريته. علق على هذا الرفض بقوله: “هذولي يخافون يعينوني محاضر هون كيف اعرف أكثر منّم ولكون أطلع عيبم بالعربي!”. كنـّّا نشعر بأن هذه الاهانة موجهة إلينا أيضا، فقد عرفنا الأديب مراد ميخائيل شاعرا في العراق على صفحات مجلتي “المصباح” لسلمان شينه (الذي أصبح فيما بعد نائبا في مجلس النواب العراقي ثم فرّ إلى إسرائيل عن طريق تركيا دون أن يقدم استقالته إلى المجلس، ورشح نفسه لانتخابات الكنيست ولكنه فشل في إعادة عجلة التاريخ إلى الوراء). كان مراد هذا مديرا لمدرسة شماش الثانوية في بغداد ويعرف جميع طلابها جيدا إذ لم ينجُ واحد منهم من صفعاته التي تعلمها في دورة ضباط الاحتياط في العراق. وبما أن الكثير منا لم ينج من مراسيم تمزيق الشهادات والوثائق في مطار بغداد قبل ركوب الطائرة للإقلاع بنا إلى المجهول، فقد توجهنا إليه ليمنحنا شهادة تصادق على دراستنا واجتيازنا لامتحانات البكالوريا العراقية. قام مراد ميخائيل نحونا ، والله يذكره بالخير، بواجبه الوطني في التضامن العراقي في إسرائيل وزود كل من طلب وثيقة تشهد بأنه من خريجي مدرسة شماش بما أراد، حتى عجب سكرتير الجامعة من كثرة الطلبة الحاملين وثيقة المصادقة على إنهاء البكلوريا بتفوق، ولم يعد يعيرها كبير اهتمام.
وشاء القدر أننا قبل هجرتنا إلى إسرائيل تعرفنا عن طريق خالي حاييم مدير محطة القطار برجل سعودي من الأخيار الأبرار يدعى عبد القدير، كان يزورنا مع زوجته الشابة الجميلة التي تصغره بثلاثين عاما تقريبا. وقبل سفره إلى الكويت مصطحبا زوجته العراقية الجميلة التي أتى إلى العراق خصيصا للزواج من عراقية بنت حلال، جاء لوداعنا. تذكرت طلب أخي جاكوب إرسال كتبه ووثائقنا وشهادات امتحانات البكلوريا إلى إسرائيل، انتهزت الفرصة وطلبت من عبد القدير النبيل الكريم: “عمي! عندي طلب، ما يخالف اندزلك الوثائق والكتب للكويت ومن هناك اتدزها على عنوان جاكوب بالقدس؟”. رضي عبد القدير الأريحي بالقيام بهذه المهمة الشريفة خدمة للعلم بالرغم من تكاليف البريد من الكويت إلى القدس (يوم كان بينها وبين القدس الغربية، حيث مقر حكومة إسرائيل الجديدة، علاقات بريدية سافرة). أرسلت له طردا ضخما بشهاداتنا ووثائقنا وصورنا الشمسية، والطوابع البريدية التي كان يجمعها الوالد. جاء الرد من جاكوب الذي كان من أوائل المهاجرين إلى إسرائيل عن طريق التسقيط للدراسة في الجامعة العبرية. وبعد نجاح هذه الإرسالية الرائدة أمطرتُ عبد القدير بوابل من الكتب إلى “أن صاح التوبة، خاطر الله بس”. رحمك الله يا عبد القدير الأريحي حيا وميتا، فقد أنقذت سمعة العراقيين أمام سلطات الجامعة العبرية ووزارة التربية والتعليم في إسرائيل التي لم تكن تصدق أن في العراق مدارس “وفوكها يعلموكم إنكليزي وفرنساوي؟” ولا يصدقون أن في العراق يوجد مستشفيات وسيارات وبايسكلات. وصلنا الطرد وأخرجنا أغلى وثيقة في حياتنا، شهادة تخرجنا واجتيازنا لامتحانات البكلوريا للحكومة العراقية موقعة بختم وزارة المعارف العراقية مع شهادة بالمعدلات التي نلناها في الحساب والجبر والهندسة والفيزياء والتاريخ العربي والجغرافية العراقية واللغة العربية. أخبرنا الأستاذ مراد ميخائيل بوصول الوثائق وكان سروره لا يقل عن سرورنا: “ابدالكم اغووها الشهادات للسكرتير مال الجامعة خلي يعماها (يراها)، قام يقلـّي أنت كذاب وكلا الشهادات مالك سخته (زور وبهتان)”. أخذنا الشهادات، ريمون أخي وأنا ودخلنا على سكرتير إدارة الجامعة دخول الفاتحين المنتصرين حاملين شهادات الحكومة العراقية التي تثبت اجتياز جاكوب الامتحانات بتفوق، إذا كان من الأوائل في العراق كافة وشهادتي المتريكوليشن والإنترميدييت التي نالهما بامتياز، وشهادة ريمون وشهادتي. دقق السكرتير النظر في الشهادات وفحص طوابع إنقاذ فلسطين وطوابع الحكومة العراقية وعليها صورة الملك فيصل الثاني وختم الوزارة والمدرسة، ثم أخرج الشهادة التي زودنا بها الأستاذ مراد ميخائيل وقارن بين توقيعه على الشهادة الحكومية وشهادته “المزورة” التي زودنا بها، غمغم غير مصدق، إذا السيد مراد ميخائيل رجل صادق لم يزور شهادات الطلاب العراقيين. “تودا، تودا ربا” (شكرا، شكرا جزيلا). خرجنا خروج الفاتحين، لقد أنقذنا سمعته ومكانته في الجامعة ومكانة الطلاب الذين يحملون شهاداته. وهكذا تغيرت نظرة الجامعة والأساتذة نحو الطلاب العراقيين الغزاة.
وممن رفض طلبهم لكتابة أطروحة الدكتوراه أيضا كان إبراهيم خياط بدعوى أن الطلبة الشرقيين لا يحسنون البحث العلمي بل يهتمون بالحفظ وينقلون ما قال فلان وما قال علان دون مناقشة وتمحيص. وكان إبراهيم خياط يرى نفسه الطالب النجيب لشاعر وبطل ثورة العشرين في العراق الدكتور محمد مهدي البصير. كان إبراهيم هذا يحدثنا عن دراسته عند الدكتور البصير، وقد ذكـّرني أخي بروفيسور الفيزياء النظرية في جامعة بن جريون في النقب، ريموند موريه، ومن حملة شهادة الأستاذ مراد ميخائيل بالحادثة التي وقعت بين الدكتور البصير وبين طالب شيعي عند دراسة الخياط للغة العربية في دار المعلمين العالية. طلب الدكتور البصير من طالب شيعي ومن إبراهيم خياط كتابة رسالة قصيرة عن موضوع يختارانه. اختار الطالب الشيعي الكتابة عن الدكتور طه حسين، ولما سمع خياط بموضوع الطالب الشيعي، أختار الكتابة عن الدكتور البصير، فقد علم أن البصير كان قد حصل على الدكتوراه من جامعة مونبلييه مثل طه حسين تماما، وكان مثل نظيره المصري بصيرا وقد تزوج بفتاة فرنسية أيضا، وجاء بها متأبطا ذراعها إلى بغداد بين تهليل الأصدقاء وزغردة الأهل بهذا الفتح العظيم. أوربية تخضع لفحولة شاعر العراق وبطل ثورة العشرين وتنطق بالشهادتين ويحسن إسلامها. ألقى إبراهيم الخياط إنشاءه وهو يكيل المديح لشاعرية “أستاذه الدكتور” وانجازاته العلمية وتفوقه في دراسته في مونبلييه في فرنسا وإحرازه على إجازة الدكتوراه بدرجة مشرف جدا التي قدمها إلى نفس الجامعة التي نال فيها طه حسين لقبه “وبيش طه حسين أحسن مني يابا!” ثم أضاف بأن الأستاذ الدكتور نشر كتاب “بعث الشعر الجاهلي” (1939) منافسا فيه نظيره المصري، وأن الدكتور البصير كان يقود المظاهرات الصاخبة ضد الإنكليز في ثورة العشرين ملهبا مشاعر العراقيين بقصائده الحماسية المحرضة ضد الجيش البريطاني المحتل وكيف ألقي القبض عليه وكيف سجن مدة سنة وغير ذلك من بطولات وصولات الأستاذ الدكتور. كان البصير يرهف السمع لهذه الرسالة الغراء ويهزّ رأسه مزهوًا بما يقوله عنه تلميذه الخياط النجيب وهو يردد بين الحين والآخر مقاطعا إياه باستحسان، “عافرم، عفيا بابني، على هيج ولد دنتعب!” وعندما جاء دور عبد الحسين لإلقاء إنشائه وفيه يكيل المديح لعبقري العرب في القرن العشرين الدكتور طه حسين عميد الأدب العربي والضجة التي أثارها كتابه “في الشعر الجاهلي” في العالم أجمع وقد توردت وجنتاه من حماسه لهذا النصر العربي المجيد، وكيف أجبر المؤلف على إعادة كتابته بعد سحبه من الأسواق وتعديله بنشره تحت عنوان “في الأدب الجاهلي”، وصوت عبد الحسين يعلو ويدوي متحمسا مع مواصلته إلقاء إنشائه “الفطحل”، قاطعه الدكتور البصير وقد ثار غضبه وصاح بطالبه الخائن للوطنية العراقية التي كانت تنافس مصر ومثقفيها، وقال بصوت متهدج حاول أن يجعله رزينا حليما: “عبد الحسين؟” أجاب عبد الحسين مزهوا منتظرا كلمات الإطراء من الدكتور الكبير:
– نعم أستاذ!
– يا أثول، قل نعم يا دكتور،
– نعم يا دكتور،
– عبد الحسين، أنت مو شيعي؟
– نعم أستاذ!
– مال العمى، كلتلك كول نعم يا دكتور!
– نعم يا دكتور!
– ولك انت شيعي، أكو أطهر منك؟
– لا ولله يا دكتور!
– زين، وهذا الخياط هذا أيهودي، أكو أنجس منه؟
– لا والله يا دكتور!
– ولك والله اشكد ما هذا اليهودي نجس والله أنت أنجس منه؟
حاول عبد الحسين مواصلة دفاعه عن نفسه، فأخرسه الدكتور البصير وصاح به:
– ولك مو آني سدّيت هل طهارة (المراحيض) وانت جاي تفتحها مرة لخ! اقعد يا نجس، يا سوطري، جاي يتباهى بطه حسين. ليش هذا لو ما يطبلوله وزمروله بجرايد الأهرام والهلال وغيرها وغيرها، منو كان عرفه؟ ليش هذا قاد ثورة مثلي وطرد الإنكليز، أشو لهسا قاعدين الانكليز على صدورهم وساكتين ويقول لك هذا المتفرنج المطربش، “أحنا أوروبيين مو عرب، أصلنا فرعوني وثقافتنا ثقافة حوض البحر الأبيض المتوسط”، لا خصمـت! ولله هذا خوش زوج كلام! ما شا الله على هذا الكلام الأعوج، من عابت هاي الجهرة، يالله أكعد ولي! يا غراب البين، يا بومة الخرايب!

كنا نضحك لهذه النكتة التي كان إبراهيم الخياط يرويها لنا بلهجته العراقية الإسلامية المتقنة وحركاته التمثيلية. كان الصهاينة من الطلاب يضحكون بتشفٍ ، “قتحنون وتونـّون على العراق وعلى مثل هايي الإهانات”، فيرد الشيوعيون: “هايي كلها من التعصب الديني، لو كان البصير شيوعي ما كان قال مثل هذا الحكي المهين!”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *