الرئيسية » مقالات » رجم فتاة كوردية يتحول الى ثورة نسوية في كوردستان ( * )

رجم فتاة كوردية يتحول الى ثورة نسوية في كوردستان ( * )

كوردستان موطن لمجموعة متنوعة من الديانات ، وهذه الديانات دفقت بإفكار راديكالية جذرت مجموعة من القيم التي طوقت الناس بدائرة من الممنوعات ، والمرأة كانت منذ القدم أسيرة تلك الافكار التي قيدتها من الحريات التي كانت تتمتع بها قبل سيادة الشرائع الدينية فيها ، حيث يلاحظ في المناطق الجبلية الوعرة الموجودة في الاعماق ثمت عادات وتقاليد كوردية قديمة لم تتأثر كثيرا أو قليلا بالشرالئع الاسلامية ، حيث من حق المرأة أن تصاحب رجل حسب إختيارها دون أن تتعرض الى ملاحقات الاهل ويطلق الاكراد على تلك العملية ب ( ره دو ) .
هنالك من يتحدث عن أعداد هائلة من النساء يقتلن يوميا في كوردستان بحجة غسل العار ورغم إالغاء قانون غسل العار من قانون البرلمان الكوردستاني إلا أن أعداد القتلى من النساء لم تقل لحد الان وذلك لعدم وجود سلطة قضائية مستقلة أو سلطة تنفيذية قوية ، وفي الشهر الماضي نقلت عدسات كاميرات أجهزة الهاتف المحمول قضية رجم فتاة إيزيدية في السابعة عشر من عمرها قتلت على خلفية قصة عشق مع فتى في عمرها في قصبة ( بعشيقة ) – 10 كلم جنوب شرق الموصل – رجما بالحجارة وطابوق البناء في عملية مفتوحة في الشارع العام للمدينة وسط جمهرة من الناس بين راجم ومصور ومزغرد وهم يهتفون بكلمات مثل ( الله أكبر ) وبارك الله بمن يرجمها الى أن تموت الفتاة أخيرا إثرة ضربة كبيرة من طابوق كبير على رأسها من قبل شاب مفتول العضلات ، وما يثير الانتباه أن ( دعاء خليل ) وهذا أسمها وفي سكرات الموت تحاول تغطية عورتها التي تنكشف من جراء الضرب المستمر ما يبرهن وهن التهمة التي ألبسوها من إجل قتلها .
أول من عرض فلم رجم الفتاة المغدورة هو موقع البصرة نيت وهو الموقع الرسمي للقيادة القومية لحزب البعث المحذور في العراق ، والغرض من نشر الفلم كان لاثارة النعرة الدينية بين المسلمين السنة والايزيديين وقد أقتربت التحقيقات الجارية في الحادث الى أن تنظيم القاعدة تكمن وراء تلك الجريمة المروعة لتبررقتل الايزيديين بشكل جماعي ، حيث قال الموقع على أن الفتاة المذكورة أيزيدية تزوجت شاب مسلم وغيرت دينها فنتجت ما نتجت ، وعلى خلفية تلك الكتابة قامت المنظمات الارهابية الاسلامية في مدينة الموصل بحجز حافلة تقل مجموعة من العمال الايزيديين في معمل نسيج الموصل وقامت بذبح ثلاثة وعشرين فردا منهم وتم رمي جثثهم على الطرقات ، وأعلنت إحدى المنظمات التابعة لتنظيم القاعدة في العراق على إنها ستقوم بقتل خمسة مئة من الإيزيديين إنتقاما من الفتاة التي أسلمت حسب إدعائهم ، ولكن متابع الفلم لا يلاحظ من يتكلم باللغة الكوردية وهي لغة الكرد الايزيديين في المشهد المعروض وكما يلاحظ ترديد كلمات التكبير والتهليل الخاصة بالمسلمين الراديكاليين ما يثبت أن الجريمة إرتكبت من قبل هؤلاء والايزيديين ربما براء من تلك الجريمة ، وفي مكالمة تلفونية لنا مع مجموعة من الوجوه الدينية والأكاديمية والثقافية الإيزيدية ومنهم ( هادي بابا شيخ نجل الرئيس الروحي للإيزيديين ( يحمل الجنسية الالمانية ) أستنكر الجريمة بشدة وأدعي أن سابقة كهذه لم يحدث بين الأيزيديين وأضاف بانهم ينظرون الى المرأة ككائنة مقدسة ويجسدون روح الله في الام ولا يمكن أن يقدموا على فعلة شنيعة كهذه ، وكذلك الحال مع الامير تحسين بيك الايزيدي أمير الطائفة الايزيدية في العالم حيث صرح لوسائل الاعلام بان الجريمة بشعة ومحط أستنكاره وسخطه في آن واحد وأضاف بان العملية هي مدبرة لتبرير حملة جينوسايد ضد الاقلية الايزيدية .
الايزيدية أحدى الديانات القديمة ، وتحسب ضمن الديانات الإيرانية القديمة ( قبل الاسلام ) حسب البروفيسور الالماني جمال نبز أستاذ الديانات القديمة في جامعة برلين الحرة ويقول إنها من الديانات التي تؤمن بتناسخ الارواح ( الدونادون ) وهي مجموعة متفرعة من الديانة الزرادشتية القديمة ولا زالت مجموعات منها قائمة في كوردستان ومنها _ الطائفة الكاكائية والطائفة اليارسانية ، وقد تعرضت الأقلية الإيزيدية الى مجموعة من حملات الابادة على مر المراحل التاريخية ففي عهد الدولة العباسية والدولة الاموية كانت هذه الطائفة تلوذ بالجبال خوفا من الملاحقة المستمرة وفي عهد الامبراطورية العثمانية تعرضت هذه الطائفة ال ( 72 ) حملة إبادة منظمة حافظت الجبال الوعرة الموجودة في كوردستان على البقية الباقية التي كانت تتكاثر ليبقى التعداد السكاني لهم كما هو الان ، وحتى بعد تشكيل الدولة العراقية على أنقاض الدولة العثمانية تعرضت هذه الطائفة الى حملات تطهير وقمع ، ففي عهد وزارة ياسين الهاشمي في ثلاثينات القرن المنصرم تحركت وحدات الجيش العراقي لضرب ما كانت تسمى بتمرد داود الداود الشخصية الايزيدية التي عارضت قانون التجنيد الاجباري أسوة برئاسات الطوائف العراقية الاخرى فنتجت حركة الجيش خسائر فظيعة في الارواح ومن ضمنهم الاطفال والنساء .
وكتحصيل حاصل للأختفاء الدائم لهذ الطائفة أصبحت المعلومات المنشورة عن هذه الطائفة شبه معدومة وبالمقابل نشطت مخيلة الناقمين منهم في نسج عشرات القصص الغريبة للإساءة بالايزيديين ورميهم في هامش المجتمع .
ليس هنالك أحصاء رسمي لعدد الايزيديين الذي يعيشون في كوردستان العراق وتركيا وسوريا وجورجيا وأرمينيا وإيران وهنالك جالية لهم في المانيا ولهم فيها جمعيات ودور ثقافية خاصة بهم ويصدرون فيها مجلات ومطبوعات ومواقع ألكترونية بالحرية التي أفتقدوها في مواطنهم الاصلية ، يقدر الباحثون عددهم ب ( 755000 ) الف نسمة يعيش ( 55000 ) منهم في كوردستان العراق وهي النسبة العظمى أي 75 % من مجموع الايزيديين لهم رئيسهم القبلي يدعي الامير تحسين بيك ولهم رئيس روح يدعى ( بابا شيخ ) ، أقدم معبد لهم يسمى لالش في محافظة دهوك حيث يعتبر بمثابة الحج لهم وكتابهم تدعى ( مصحفا ره ش ) .
تعتبر المعلومات المدونة عن الايزيين نادرة جدا نظرا للتقوقع والابتعاد والعزلة بسبب حملات الاضطهاد وكل ما كتب عنهم ليس الا رؤوس اقلام وأبرزمن كتب عنهم هم المؤرخ العراقي عبدالرزاق الحسني والكاتب الكوردي شاكر فتاح والقاضي زهير عبود كاظم والوزير في العهد الملكي توفيق وهبي والبروفيسور جمال نبز بالاضافة الى عدد من الاكادميين الإيزيديين من أمثال الدكتور خليل جندي وأخرون ولكن في الاونة الاخيرة ظهرت مجلات ومطبوعات خاصة بالمنظمات الايزيدية في ظل الحريات التي منحتها حكومة أقليم كوردستان لمختلف الاتجهات الفكرية .
عودة الى قتل الفتاة الشابة وتلك الطريقة البشعة التي أصبحت مادة لفتح قريحة الكتاب والشعراء والباحثين الكورد حيث يقدر الكتابات التي ظهرت على صفحات الجرائد والمجلات والمواقع الالكترونية بأكثر من خمسة مئة كتابة لحد الان وشوهدت المنظمات النسوية تنشط بإقامة المظاهرات والنشاطات والندوات والامسيات في كل مكان في كوردستان أحتجاجا لما جرى في مدينة بعشيقة الخارجة عن أقليم كوردستان الذي يتسم بأمان متميز على عكس الاماكن الساخنة من العراق ، ومن المرجح أن الاصوات الأحتجاجية التي تصاعدت وتيرتها مؤخرا قد تؤدي الى نتائج إيجابية من شانها تحريك البرلمان الكوردستاني بإعادة النظر الى المادة السابعة من الدستور المقترح والتي تنص على أن الدين مصدر من مصادر التشريع في إقليم كوردستان وربما تنشط الأجهزة التنفيذية المتمثلة بجهاز الشرطة في تطبيق القوانين الصادرة في برلمان كوردستان ومن ضمنها رفع ( قانون غسل العار ) الذي كان ساريا في عهد صدام حسين وتم إلغائه في أقليم كوردستان وإعتبار جرائم قتل النساء بدعوى غسل الغار من الجرائم العادية التي يحاكم منفذيها حسب قانون العقوبات البغدادي .
من أجمل مطالبات الناس في كوردستان على خلفية الجريمة هي المطالبة بإقامة تمثال للمغدورة وجعل يوم قتلها يوما لحرية المرأة وتلك الظاهرة تعني أن النية العامة للناس متجهة نحو نبذ العنف ضد النساء .


( * ) المقالة كتبت أساسا لمجلة دير شيبغل الالمانية بعد الحادث ولذلك تخلو من التفاصيل الدقيقة عن الديانة الإيزيدية التي لا تهم القارئ الالماني كثيرا بقدر أهتمامه بالحدث .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *