الرئيسية » مقالات » عيدَ العمال في سورية الأسد…بأية حال عدتَ يا عيدُ؟

عيدَ العمال في سورية الأسد…بأية حال عدتَ يا عيدُ؟

أقرت أممُ الأرض وشعوبُها يوم الأول من أيار عيداً للعمال،بعد صراع مرير مرّت به العلاقة بين العمال وأصحاب المصانع والمنشآت،أسفرت نتائجُه عن حصول العمال من أسيادهم على بعض الحقوق والمكتسبات،كتحديد ساعات العمل بثماني ساعات يومياً،وجعل يوم عطلة أسبوعي،وتحسين دخلهم،وشمولهم ببعض أنواع التأمين،وغيرها من الحقوق، التي تختلف حجماً ومجالات من دولة لأخرى، ذلك لأن العمال عماد نهضة كل أمة،وبسواعدهم المفتولة وعرق جبينهم يشيّد بنيانُ حضارة أي شعب،وهم أوسع فئة اجتماعية في أي بلد من البلدان. والعمال السوريون بكردهم وعربهم …جزء من عمال العالم،يحق لهم ما يحق لغيرهم من العمال من حيث الاحتفالُ بالعيد السنوي لهم. ولكنْ هل يجد العاملُ السوري طعماً لعيده الخاص به؟وهل يستمتع حقيقة بالعطلة في مثل هذا اليوم؟وكيف؟

يوم عمل “تطوعي” بالقوة في عيدهم:
بلغ تقديرُ العامل وراحته وإسعاده وإسعاد أسرته من جانب ” النظامِ القومي التقدمي الاشتراكي في دمشق، الذي يستند في قاعدته الشعبية الواسعة على العمال والفلاحين ـ كما يتشدّق به إعلامُه ” أن ألزمَ العمالَ في جميع المصانع والمعامل العائدة للقطاع العام بالعمل التطوعي (دون أجر) في عيد العمال،تحت طائلة المحاسبة والمساءلة الأمنية،”وما أدراك ما المساءلة الأمنية؟”،والتهديد بالفصل من العمل،لمَن يتخلّف عن “أداء الواجب الوطني والقومي”في مثل هذا اليوم!أرأيتم نظاماً يهتمّ بالعمال والفلاحين مثل نظام الصمود والممانعة القابع في دمشق؟
وليت الراتبَ الذي يتقاضاه العاملُ السوري لقاء عمله المتواصل في القطاع الحكومي، وإفنائه زهرة عمره في الكدّ والكدح والنتح والشقاء، حتى خلال يوم عيده السنوي،…ليت هذا الراتبَ يكفي لتأمين المستلزمات الأساسية له ولأولاده ،إذن لكان الخطبُ يسيراً،ولكنْ ما يحزّ في القلب حقاً،ويعمّق المأساة،ويزيد في الحسرة والألم، أن العامل المسكين يُضطر إلى عمل إضافي بعد عمله الرسمي,وربما إلى عملين،لتغطية نفقاته،الأمر الذي يجعله محروماً تماماً من الراحة ورؤية أهله وأولاده معظم الأيام والساعات،ولا يكاد يجد فرصة للاجتماع بهم وقضاء ساعات معدودة معهم إلا في النادر القليل!!مع ما يترتّب على هذا الجانب من عُقدٍ نفسية ومشكلات وأمراض نفسية وجسمية وحرمان للعامل وأفراد الأسرة، وتفكك أسري واجتماعي.هذا إذا كان العاملُ في مرحلة الشباب والنشاط،ويتمتّع بالحيوية والقدرة على العمل. أما إذا كان مريضاً،أو صاحبَ علة أو مرض مزمِن، أو تقدّمت به السنّ،فهو ميت بين الأحياء،أو حيّ مجازاً لا حقيقة،وقد شاعت بين العمال السوريين عبارة ” عايش من قلة الموت” !!

وهجرة خارجية بحثاً عن فرصة عمل:
العمال السوريون في الدول العربية بعامة،وفي الدول المجاورة بخاصة،يبلغ عددهم مئات الآلاف،من مختلف المهن والاختصاصات،وكثيرون منهم يمتلك خبرات واختصاصات نادرة،وطنهم أحوج إليها،ولكنْ ما الحيلة إذا كان هؤلاء المساكين لا يجدون في وطنهم فرصة عمل كريمة،نتيجة الفساد المستشري في كل مفاصل الحياة فيه،وسوء الاستخدام الأمثل للطاقات والقدرات،وبسبب التخطيط الفاشل الذي يعجز عن التوفيق بين حاجة سوق العمل للأيدي العاملة وأعداد هذه الأيدي التي تنزل إلى هذا السوق سنوياً،ومن جرّاء تهريب رؤوس الأموال الوطنية إلى خارج الوطن،من جانب مستثمرين وأصحاب المال،خوفاً على مالهم من لصوص السلطة والقرارات الاشتراكية الفجائية،أو من جانب حيتان ” الاشتراكية والطائفية والتقدمية والصمود والتصدي والممانعة “،الذين لا يتورعون عن سلوك أي سبيل لجمع المال العام والخاص وتحويله إلى أرصدتهم في البنوك الأجنبية (يمكن الحصول على التقارير المفصلة بأرصدة أباطرة المال السوريين من أمثال رفعت أسد، وجميل أسد، وباسل أسد وآل مخلوف وغيرهم من شبكة الانترنت،وهم الذين ينحدرون من أسر فلاحية فقيرة،وأيّ عامل سوري خدم سورية أكثر من أيّ واحد من هؤلاء،فمن أين حصلوا على هذه الثروات الطائلة)،مع ما يعني ذلك من تدمير الاقتصاد الوطني،وتدهور أسعار الليرة السورية،وانعكاس ذلك على القدرة الشرائية للمواطن السوري؟وتراجع فرص العمل،وتقهقر النمو الاقتصادي،واستشراء البطالة الحقيقية والمقنّعة.
إن العمال السوريين المهاجرين إلى الخارج يُضطرون تحت ضغط الظروف القاسية التي يحيونها إلى دفع ثمن باهظ من كرامتهم وعزتهم وأغلى سنيّ عمرهم لدفع غائلة الجوع والعوز عن أنفسهم وعمن يعيلون،فتراهم يرضَون بأجور وأعمال لا يرضى بها أبناءُ البلاد التي يعيشون فيها،ويُحرَمون من امتيازات كثيرة يتمتّع بها أهلُ تلك البلاد!!ناهيك عن المشكلات الاجتماعية والنفسية والاقتصادية المترتبة على هجرة ربّ العمل.
لم نعهد سوريّاً يقبل بالذل والمهانة والأعمال الحقيرة الحاطّة بالكرامة في الغربة، لولا أنه رأى على يد سلطات بلده ما هو أقسى مما يراه في غربته المضاعَفة!!فهل ستطولُ هذه المعاناة أكثر مما طالت؟ وماذا سيخسر العمال السوريون يا ترى لو أنهم قاموا قومة رجل واحد ودافعوا عن كرامتهم التي تستباح،وحقهم الذي يُهضم؟هل الانعتاق والتحرر وإزاحة الطغيان خسارة أم استعادة للعافية ؟ ألا يستحق السوريُّ ـ عاملاً وفلاحاً وسائر فئات اجتماعية ـ حياة أفضل من هذه التي يعيشونها؟ هل من المعقول أن حزباً ,أو نظاماً (لا فرق،لأنهما واحد في اثنين،أو اثنان في واحد)سياسياً شمولياً يستلم البلد من بابه لمحرابه، طوال خمسة وأربعين عاماً دون منازع،وهو خلال هذه الفترة الطويلة ينتقل من فشل إلى فشل،ومن تراجع إلى تراجع،ومن تقهقر إلى تقهقر أشد،…هل يُعقَل أن ينتظر الناسُ عشرات أخرى من السنين ليحقق لهم هذا النظامُ جنته الخرافية الخيالية الموعودة ؟ وهل يرضى الناس أن يظلوا حقل تجارب أو البقرة الحلوبَ لهذا النظام، أو يأخذوا دور المتفرّج الأبله المشدوه لمسرحيات النظام السيئة الإخراج والأداء والمضمون،دون أن يحرّكوا ساكناً؟ إننا نشك في ذلك،ولنا من تاريخ سورية وجهاد أبنائها ضد الاحتلالات الأجنبية والطغيان الداخلي ما يؤكد قدرة السوريين على تكنيس العتاة والعتاولة، وتلقينهم الدروس القاسية،وإن تظاهروا باللامبالاة،أو الصبر إلى ما لا نهاية. ونكاد نجزم أن الشاعر قد قصد السوريّ بوصفه:
الحق أبلج والسيوف عوار فحذار من أسد العرين حذار
إن العامل السوريّ،وهو يستذكر إنجازات الحركات العمالية في دول العالم،ويمرّ به عيدُ العمال مرورَ الكرام، يحلم ـ بل من حقه ـ أن يوفّر له وطنُه الذي منحه أغلى سني حياته العيشَ الكريم،والسكن الذي يليق بالآدميين،وأن يتمكن من توفير المستقبل الزاهر لأولاده ويطمئن على أوضاعهم قبل أن يغادر هذه الحياة،فهل وفّر له نظامُ بلده معشارَ هذا الحق؟ ولماذا ؟ ولماذا لم يصبّ في جيبه بعضُ الخيرات التي قدّمها لبلده؟ هل يطلب المستحيل؟