الرئيسية » بيستون » بدرايا ومحنة سياسات التعريب والتهجير

بدرايا ومحنة سياسات التعريب والتهجير

كاتب وباحث وصحفي
ان دراسة المراكز الحضارية في كوردستان العراق تعد مهمة تاريخية كبرى في هذه المرحلة التاريخية من كفاح ونضال الشعب الكوردي وخاصة الشريط الذي مازال خارج السيطرة الادارية لحكومة الاقليم والذي يمتد من مدينة (سنجار) في محافظة نينوى وحتى (بدرة) في محافظة واسط ذلك لتعرض الشعب الكوردي في العراق الى اكبر حملات ابادة جماعية وتعريب وعمليات التغيير الديموغرافي لمدنه وقراه شملت حتى الاسماء التاريخية الضاربة عمقاً في التاريخ.
فقد تعرض هذا الشريط الى اسوأ عمليات تزوير تاريخية امتدت الى تراثه وحضارته واسماء مدنه وشوارعه وقصابه الجميلة وخاصة في فترة العهد المقبور.
وقد كانت هذه المدينة احدى (الكور) التي تشكل منها (اقليم السواد) في العصور الاسلامية الى جانب بغداد والبصرة والكوفة والنهروان كما كانت مدينة مندلي مركزاً لهذا الاقليم.
تقع المدينة على مرتفعات الحدود العراقية- الايرانية وهي بهذا تشرف على النهر القادم من الاراضي الايرانية والمعروف بنهر
)كلال) حيث ينطلق النهر من مرتفعات بشتكوه احدى الامارات الكوردية الفيلية المستقلة حتى عام 1929 وعن حاكمها الاخير رضا خان.
وتبعد عن العاصمة بغداد زهاء مئة وخمسين كيلو متراً الأمر الذي اكسبها اهمية استراتيجية وبخاصة ابان الصراع الصفوي والعثماني – ولاحقا الحرب العراقية- الايرانية الاكثر كارثية.
وتشير مباحث الدارسين الى ان اسمها التاريخي هو (بدرايا) وكانت تضم عشرات القرى المزدهرة.
ومن الباحثين ما يرجع اسمها التاريخي الى الاصل السومري (الديره) ثم اضاف الاراميون الحرف (باء) الى التسمية لتصبح (بدرة) بمرور الوقت والتي تعني (البيت او الدار) وحذفت الياء بالادغام.
فيما يرى باحثون آخرون ان التسمية تعني (الحصن او القلعة) ومنهم المرحوم الاستاذ فؤاد سفر الذي اكد معنى الحصون والتاريخ والتي كانوا يشيدونها القدماء بكثرة لتوفير الحماية والامن من مخاطر البيئة والحروب.
وشكلت ظاهرة القلاع هذه غالبية المدن الحدودية كمدن زرباطية او مندلي او خانقين والتي كانت تشيد لذات الغرض.
ويورد الباحث والمؤرخ الحسني عن بدرة ما يأتي: “ان اسم بدرة ورد في الكتب الارامية بصورة (بيت درايا) وتعني الذين يذرون الحنطة او سواها ومايزال اهلها يطلقون عليها اسمها القديم (بدرايا) ويرددون حكاية مفادها: ان موقع (بدرة) كان غابة من غابات الاكاسرة ومرعى للأغنام.. ولوعورة طريقها قالوا عنها (بدره) اي الطريق الرديء او الوعورة باللهجة الكوردية الفيلية التي تقول (بد) و(ري) كانت المدينة جزءا من اقليم (لوردستان) الذي تقاسمت نفوذه الدولتان العثمانية والصفوية تبعا لنتائج الحروب المختلفة بينهما على مدى قرون ابتداء من سنوات 1590 و1629 وحتى 1727 و1731.
وبالرغم من اقرار الخط الحدودي بين البلدين بعد الاعتراف الايراني بدولة العراق عام 1929 الا ان العلاقات الاجتماعية المبنية على وشائج روابط الدم والقربى استمرت بين العشائر الكوردية الفيلية التي شطرتها الاتفاقيات الى شطرين دون الرجوع الى الاهالي.
وقد استمرت تلك العلاقات والتي تأثرت بالجانب الآخر من الحدود كما هي الحالة مع سكان علي الغربي ومندلي اذ كانوا كثيرا ما يرسلون ابناءهم الصغار الى قرى جبال بشتكوه الايرانية ليعودوا الى ديارهم بعد ان يشبوا.
تميزت المدينة بازدهارها الزراعي والذي ادى الى نمو وانتشار حركة التجارة وكانت تحيطها البساتين اليانعة حيث انتشرت زراعة التمور والفواكه والتي كانت على درجة من الجودة والوفرة.
كما انها كانت مدينة للعلم والأدب وتشير (السالنامة العثمانية) الى ان مدينة الكوت المركز كانت تابعا لقضاء بدرة وقد ادى الصراع العثماني – الايراني الى تدهور اوضاع المنطقة اقتصاديا جراء الحروب ودمارها فضلا عن ازمة المياه التي خلفتها النزاعات المستمرة حيث تعتمد المدينة على نهر (كلال كنكير) القادم من مرتفعات (بشتكوه) ومتكون من رافدين هما (كنجان جم) و(كاوي) والتي كانت تستغله السلطات الايرانية في النزاعات.
وقد برزت المشكلة الى الوجود مع مطلع عام 1930 عندما تم تحويل مجرى نهر (كنجان جم) وحفر قنوات جديدة مما تسبب في انخفاض مناسيب المياه في مجرى النهر داخل الاراضي العراقية مما تركت اثارها على المدينة واحوالها.
وعلى الرغم من احتدام ازمة المياه اقتصاديا وسياسيا وديموغرافيا الا ان السلطات العراقية لم تكن جادة في وضع حد نهائي لهذه المشكلة بل اكتفت بالحلول الوقتية غير القانعة.. كنقل المياه بالصهاريج او حفر الآبار الارتوازية وهو ما لا يسد حاجة المنطقة الاروائية والزراعية.
واستمر الوضع حتى سبعينيات القرن المنصرم حينما تم انجاز مشروع ري (بدرة – جصان- زرباطية) بشق قناة بطول 64كم يستمد مياهه من نهر دجلة.في ضوء تلك المشكلات ومعاناتها انخفض حجم السكان تصاعديا وبلغ معدل 8% سنويا كباقي المدن العراقية الاخرى كمندلي وخانقين.
ففي احصاء عام 1947 كانت نسبة سكان بدرة هي 7.3 % من مجموع سكان المراكز الحضرية في لواء الكوت وبلغت النسبة (1 و0%) فقط سنة 1987 بينما تجاوزت نسبة النمو في مدينة الكوت وسواها 2 % سنويا للفترة (1970- 1987).
كما ان توقعات الجهاز المركزي للاحصاء في وزارة التخطيط العراقية كانت تشير الى ان حجم السكان في بدرة سيصبح (4388) نسمة سنة 1987 الا ان النتائج الاحصائية لتلك السنة بينت ان عدد السكان (410) فقط بفارق (3978) نسمة وهذا ما يعني نزوح 90 % من السكان عن المدينة لاسباب عديدة منها استمرار التوتر في العلاقات العراقية- الايرانية التي تترك اول ما تترك اثارها على هذه المناطق ثم ان حرب الثماني سنوات التي اجهزت على البنية التحتية للمدينة والتي بقيت معرضة للاهمال بعد سقوط الدكتاتورية في عام 2003 وهي من الغرائب.
كما ان سياسات التعريب التي قام بها النظام المقبور والخاص باستيطان العشائر العربية محل الكورد السكان الاصليين مثلما فعل باجزاء اخرى من كوردستان العراق وبخاصة محور كركوك – خانقين – مندلي.
حيث اشار احصاء عام 1977 الى ان نسبة العرب في المدينة هي 99 % من مجموع السكان.
وقد سبقت الاشارة الى ان معظم سكان الكوت كان خليطا من العرب والاعاجم (الكورد الفيليين) كما بينها الحسني .. كما ان سكان قضاء بدرة وتوابعها جصان وزرباطية كانوا من الكورد الايرانيين حسب وصف الحسني).
كما اشار لونكريك في دراسته الموسومة (اربعة قرون من الاحتلال) في الصفحة 17 الى مدن بدرة وجصان وزرباطية وشيخ سعد ذات غالبية كوردية لورية حتى الان .
وفي اشارة الى الفترة التي عاشها في العراق.. ويضف لونكريك:
ان عشائر شمر طوكه اجتازت نهر دجلة محتلة الضفة اليسرى بين ديالى والكوت كما اخذ عشائر بني لام تزاحم السكان اللور في مواطنهم الحالية.
كما اورد الباحث طه الهاشمي قائمة بأسماء العشائر والقبائل العربية التي استوطنت مدينة الكوت خلال القرنين الماضيين.

التآخي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *