الرئيسية » الآداب » عيسى برواري والديمقراطية

عيسى برواري والديمقراطية

 لمن لايعرف من أبناء هذا الجيل وخصوصا من الكورد (عيسى برواري) رحمه الله فإني أقول لهم بأنه مطرب وعازف كوردي عاش ومات في الموصل، وكان بستانيا في متحف الموصل عندما كان والدي رحمه الله مديرا له، وكان ذلك في ستينات القرن الماضي.
في تلك الايام لم يكن احد يعرف الفيديو كليب والموجات الفنية الهابطة، ولذلك فلم يكن من المستغرب أن يكون الفنان يعمل في أي وظيفة ليسد رمقه.
في تلك الايام لم تكن العلاقة بين الادنى والاعلى وظيفيا تتحكم بها العقد والبيروقراطية ولا أقولها من باب المزايدة فقد كانت علاقة عائلية – اخوية صميمية بكل ما تعنيه الكلمات.

بعد انقلاب 14 تموز وماشهده العراق من أحداث جسام تمثلت أساسا بقتل الملك الشاب فيصل الثاني والتمثيل بجثته وجثث عائلته بواحدة من أشنع عمليات القتل في التاريخ السياسي الحديث، حيث تبدلت معطيات الحياة السياسية في العراق عموما فصار الناس يسمعون بديمقراطية الزعيم الأوحد وحماة الثورة من المقاومة الشعبية والتي يتبدل اسمها حسب الزمان والمكان في شرقنا العجيب وماتبع ذلك من تغيرات لازلنا نجر أذيالها الى يومنا هذا.


لمن لايعرف من أبناء هذا الجيل وخصوصا من الكورد (عيسى برواري) رحمه الله فإني أقول لهم بأنه مطرب وعازف كوردي عاش ومات في الموصل، وكان بستانيا في متحف الموصل عندما كان والدي رحمه الله مديرا له، وكان ذلك في ستينات القرن الماضي.
في تلك الايام لم يكن احد يعرف الفيديو كليب والموجات الفنية الهابطة، ولذلك فلم يكن من المستغرب أن يكون الفنان يعمل في أي وظيفة ليسد رمقه.
في تلك الايام لم تكن العلاقة بين الادنى والاعلى وظيفيا تتحكم بها العقد والبيروقراطية ولا أقولها من باب المزايدة فقد كانت علاقة عائلية – اخوية صميمية بكل ما تعنيه الكلمات.
بعد انقلاب 14 تموز وماشهده العراق من أحداث جسام تمثلت أساسا بقتل الملك الشاب فيصل الثاني والتمثيل بجثته وجثث عائلته بواحدة من أشنع عمليات القتل في التاريخ السياسي الحديث، حيث تبدلت معطيات الحياة السياسية في العراق عموما فصار الناس يسمعون بديمقراطية الزعيم الأوحد وحماة الثورة من المقاومة الشعبية والتي يتبدل اسمها حسب الزمان والمكان في شرقنا العجيب وماتبع ذلك من تغيرات لازلنا نجر أذيالها الى يومنا هذا.
في تلك الايام بدأت أول بوادر خروج أجهزة الدولة عن مسارها المعروف في أداء الخدمات ومعرفة كل انسان لواجباته وحقوقه وما أعقب ذلك من انقلابات وتصارع دموي لازلنا نعاني منه مهما أخذ من مسميات وطروحات.
في أحد الايام وكان والدي يتحدث مع عيسى متهكما وقال له: أليست هذه الديمقراطية التي نريد؟ وكان قبلها قد أبدى عيسى تبرمه من مسألة تأخر الراتب وأمور اخرى بدأت تفكك المجتمع.
فقال: يا أبا برهان (وهو الاسم الذي تعود مناداة والدي به) ماذا أفعل بالديمقراطية؟.. آكل ديمقراطية؟.. أشرب ديمقراطية؟.. أريد راتب.
نعم فالشعب الذي لايشبع خبزا ولاتقدم له الخدمات ولايأمن على مستقبله من غائلة المجهول لايقيم للديمقراطية وأخواتها وزنا، وهذا ما يجب على كل من ينشر الديمقراطية ويبشر بحسناتها أن يهيأ الجو لها لكي يلقى الناس سمات الحرية والديمقراطية. مع لقمة الخبز والأمان.
مات عيسى برواري قبل هذه الأحداث بعد أن ترك العزف والغناء وذهب للحج وكان يؤذن في الجامع القريب من داره خمس مرات يوميا وقد عرضوا عليه آلاف الدولارات لقاء حفلات في بلاد المهجر فأبى وبإصرار، فقد كانت هداية الله نعمة كبيرة عليه لم تزحزحه عن موقفه.
هكذا هي الفطرة عند الإنسان السوي.. فالعدالة هي أسمى من كل شيء فقد عرفها قبل اربعين عاما كما عرفها آخر ايام حياته.
رحم الله عيسى رحمة واسعة فهو لم يعش ليرى ديمقراطية القتل على الهوية والمقابر المفتوحة والجثث التي تنهشها الكلاب،
ولو اقتصر الأمر على الراتب وتأخره لهانت الأمور.
المصدر: الافق الجديد