الرئيسية » الآداب » بمناسبة اطلاق حرية البث الكردي في تركيا: متي كان أول بث اذاعي كردي؟

بمناسبة اطلاق حرية البث الكردي في تركيا: متي كان أول بث اذاعي كردي؟

تركيا تأخرت (63 عاماً) عن العراق في مجال اطلاق حرية البث الاذاعي الكردي، فأول بث اذاعي كردي بدأ من بغداد عام 1939 بدعم مباشر من الحكومة العراقية آنذاك، التي افتتحت قسما كرديا في اذاعة بغداد. فقرات برنامج الاذاعة، بما فيها الأغاني والموسيقي، كانت تبث من الميكروفون مباشرة، من دون تسجيل مسبق، كما جري في ما بعد. الفنان الكردي الراحل علي مردان (من كركوك) استاذ المقامات المعروف، كان من أوائل العاملين في الاذاعة. يأتي صيف عام 2002 ليصدر البرلمان التركي قراراً باجازة بث اذاعي وتلفزيوني كردي، مع فارق آخر عن بغدا ذلك الزمان، فالاذاعة الكردية بدأت بدعم وتمويل مباشر من الحكومة العراقية.
بينما الاذاعة أو الاذاعات الكردية، التي ستبدأ في تركيا، ستكون علي الأرجح بتمويل أهلي (قطاع خاص)، ولا أظن ان الحكومة التركية ستمول مشروعا اعلاميا كهذا.
فينبغي ان ننتظر حتي نتحقق من كيفية تنفيذ القرار، الذي هو علي الرغم من كل شيء ــ كما قلنا سابقا ــ قرار مهم للغاية لأنه يفتح ثغرة، ستتوسع، في جدار عقلية الانكار الطويل لأي وجود قومي كردي في هذا البلد.
ومن المفيد التأكيد علي دور الاتحاد الأوروبي، الايجابي، في اقناع تركيا باتخاذ هذه الخطوة الأولية. فالاتحاد الأوروبي يستحق التقدير والاحترام من الشعب الكردي، لاصراره المتواصل علي الحل السلمي العادل للقضية الكردية في تركيا والبلدان الأخري، وبغض النظر عن أسباب قبول تركيا لاتخاذ هذا القرار (سواء كانت اقتصادية، أو ذات صلة بتداعيات الموقف الأمريكي من النظام العراقي، أو رغبة تركية فعلية للانضمام الي الاتحاد الأوروبي، وهو أمر لا يزال المحللون يرونه بعيدا، وبعضهم يعتقدون بأنه لن يحصل أبدا)… بغض النظر عن هذه الأسباب، فالخطوة ايجابية.
ففي السياسة لا يمكن للمرء أن يحصل علي كل ما يريد. وما يقال عن الضرورة وهو تحصيل حاصل لمحصلة قوي متعددة، متناقضة أو متحالفة ومتقاطعة (مثل الحركة في الفيزياء)، تستقر عند ركيزة ما. فهذا هو ما حصل.
علي أي حال، اغتنم هذه الفرصة، للتعقيب بنبذة موجزة عن تاريخ الاذاعة الكردية في الشرق الأوسط.
أول بث اذاعي كردي في التاريخ، كما قلنا، بدأ من بغداد عام 1939، وهو مستمر حتي اليوم. وأول بث تلفزيوني كردي (حكومي) تجريبي بدأ أيضا من العراق عام 1968 ــ 1969، واتذكر أن أول برامجه بدأ من مدينة كركوك.
حرية الاعلام هي أولي الحقوق الثقافية لأي شعب. فاحترام الاعلام باللغة الأم دلالة ثقافية سياسية، اجتماعية مهمة، تدخل في مجري الوعي بمن هم الأصدقاء أولاً.
الفترة من 1939 حتي 2002 تبلغ (63) عاماً، ليست قليلة في تاريخ الشعوب، وبغض النظر عن التطورات والتقلبات السياسية في العراق، فان الاذاعة الكردية فيه كانت مفيدة للغاية، اذ أفسحت المجال أمام ازدهار الموسيقي والأغنية الكردية، وتسجيل وتخليد جزء هام من الفولكلور الكردي، وتفتح مواهب عشرات الفنانين الكبار، وكتاب البرامج والتمثيليات والتقارير الاذاعية والمواضيع الادبية والعلمية باللغة الأم.
الأرشيف الغني لهذه الاذاعة تراث فني وأدبي، ساهم فيه معظم الكتاب والشعراء والفنانين، ولا سيما في الموسيقي والغناء، وتخرج من هذا العمل الاعلامي عشرات الكوادر الذين تعلموا ميدانيا (معظمهم بدأوا من دون تجربة مسبقة) وخدموا الاعلام الكردي في الحركة الكردية، وحتي اليوم.
قبل ان نسترسل في ذكر تاريخ الاذاعة الكردية، نتوقف عن محطة أخري داخل العراق، وهي اذاعة (صوت كردستان العراق) التي تأسست عام 1963 في المناطق المحررة في عهد قيادة الزعيم الراحل ملا مصطفي البارزاني، ومن بين أوائل من عملوا فيها من المذيعين والفنيين طاقم من عدة كوادر كانوا قد عملوا سابقا في الاذاعة الكردية ببغداد. أما الادارة التحريرية السياسية للاذاعة (التي تأسست سراً) فكانت من قبل قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني.
هذه الاذاعة مستمرة حتي الآن، تخرج منها هي الأخري عدد كبير من الاعلاميين وعمل فيها عدد من المثقفين الذين تبوأوا في ما بعد مواقع قيادية في الحزب.
وأغني سجل الاذاعة الطويل تراث الفن والاعلام والثقافة الكردية بارشيف اتسع لعشرات المواهب المتفتحة في ظل المقاومة، لولا الاذاعة لكانت قد ماتت قبل ولادتها.
وفي ما يلي هذه النبذة عن باقي الاذاعات الكردية:
ــ تأسس، من قبل الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، في (حيفا) بفلسطين قسم كردي اذاعي (بنهج ضد النازية) عمل فيه الشاعر عبد الله گوران والفنان رفيق جالاك وغيرهما.
ــ في 1955/1/1 وافق الاتحاد السوفييتي علي افتتاح قسم كردي في اذاعة (يريفان) في ارمينيا، لمدة ربع ساعة اسبوعيا، ثم زيدت فترة بثه، كانت موضع اهتمام المستمعين في مختلف الاجزاء، سيما في المناطق ذات اللهجة الكرمانجية الشمالية، ولهذا القسم أيضا أرشيف غني بمئات الأغاني والبرامج الثقافية (الاذاعة الكردية في بغداد بدورها ظلت موضع اهتمام المستمعين في معظم الاجزاء).
ــ عام 1957 افتتح في مصر، في عهد الزعيم الراحل جمال عبد الناصر قسم كردي اذاعي، بنهج ضد حلف بغداد، وتأييد للقضية الكردية، حاز في وقت قصير علي اهتمام واسع من قبل الشعب، واعدائه الذي سعوا الي التقليل منه. فقد حاول النظام الشاهنشاهي الايراني امتصاص تأثيره عن طريق افتتاح اذاعة بالكردية من مدينة (كرمانشا) ثم انتقلت في ما بعد الي طهران. هذه الاذاعة لم تستطع مقاومة التأثير السياسي لاذاعة القاهرة، بل استغلها الفنانون والكتاب الاكراد لاحياء التراث وتطوير الموسيقي والغناء، فكان لهم ذلك فعلا، بمعني ان ديالكتيك الحياة قد جري لمصلحة الثقافة الكردية، رغم المقاصد السياسية للنظام الشاهنشاهي.
ــ باستثناء فترة قصيرة من عمر اذاعة سرية تبث من احدي الدول الاشتراكية، بادارة الشيوعي العراقي (1963 ــ 1965) فان اذاعة (صوت كردستان العراق) ظلت الاذاعة السرية الكردية الوحيدة منذ عام 1963 حتي اوائل الثمانينات، حيث كانت طوال الفترة تبث من المناطق المحررة في كردستان العراق.
مع بداية الثمانينيات تعددت الاذاعات الكردية السرية من كردستان العراق ومن كردستان ايران.
ــ قبل عشر سنوات افتتحت اذاعة (صوت امريكا) قسما كرديا، لمدة ساعة يوميا، ومن المحتمل ان تزداد فترة البث قريبا حيث وضعت ادارة الاذاعة امامها اقتراحات عديدة بذلك .
وافتتح قسم كردي بربع ساعة اسبوعيا من اذاعة السويد بثها الان يصل المسامع في الشرق الاوسط.
ومن المحتمل، كما سمعت، ان تفتتح اذاعة (العراق الحر) قسما باللغة الكردية بفترة معينة قريبا.
هذا ولبعض الجاليات الكردية في اوروبا واستراليا برامج اسبوعية بالكردية بتمويل ذاتي غالبا او بمساهمة معينة من بعض الحكومات.
حديثنا الان عن البث الاذاعي، وليس التلفزيوني الذي بدأ (حكوميا) من بغداد (ثم فضائيا قبل اعوام) ، والذي باشرته فضائية (سحر) الايرانية ايضا قبل 4 ــ 5 سنوات،وقبل ذلك بدأت من ارض كردستان العراق، اول فضائية كردية باشرت بثها التجريبي 1996 ــ 1997، بعد ان كانت فضائية كردية اخري تبث من اوروبا.
الشعب الكردي في تركيا كان، بشكل او اخر يستفيد من جميع تلك البرامج الاذاعية والتلفزيونية لكنها ليست بديل محطات خاصة به للبث علي ارضه، وهو ما يمكن ان يحققه بعد الان، بعد اجتياز صعوبات ومراحل قانونية اخري، ربما.
واما الحقيقة التي ينبغي ذكرها، بعد هذا السرد، فهي انه بحكم تمركز الحركة الثقافية في عاصمة الدولة العثمانية انذاك ، فان المثقفين الكورد من (كردستان تركيا ــ حاليا) هم اوائل من اهتموا بالصحافة وهم روادها ومؤسسوها.
اول جريدة هي (كردستان)، اصدرها من القاهرة (م. بدرخان) 1898 وهو مثقف كبير من (تركيا ــ حاليا).
وخلال الفترة من (1907 ــ 1919) ، كانت اسطنبول هي العاصمة الاولي التي شهدت صدور عدة مجلات هامة في تاريخ الصحافة الكردية، منها مثلا: روزي كورد، وكوردستان (غير جريدة كردستان الاولي)، وازين وغيرها.
أتي عام 1923 ليغلق جميع منافذ حرية التعبير والنشر والبث باللغة الكردية هناك، حتي الايام الاخيرة.
فلو أتيحت للصحافة والاعلام الكردية منذ ذلك الحين حرية كافية هناك ، لكانت الثقافة الكردية الان في مرحلة متقدمة جدا، قياسا علي ما هي عليه الان.

جريدة (الزمان) العدد 1286 التاريخ 2002 – 8 – 14

AZP07
FLKA