الرئيسية » الآداب » واقع الحركة التشكيلية في سوريا: التشكيل الكردي في سوريا بين الحقيقة والواقع والواقعية والتجريد

واقع الحركة التشكيلية في سوريا: التشكيل الكردي في سوريا بين الحقيقة والواقع والواقعية والتجريد

هل حقق الفنان الكردي في سوريا مبتغاه في تطبيق نظرية طلاقة الريشة والحرية المحايدة كما يشاء وبما يمليه عليه واقعه في ظل الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية السارية؟
هل أصبح التجريد الفن الراقي والمباشر والمبسط لإخراج مكنونات الفنان الكردي؟
ما هو مصير الفنانين المغتربين ومدى علاقة ريشتهم بواقعهم؟
أسئلة وأخرى تطرح نفسها على الساحة التشكيلية الكردية في سوريا.
لقد أفرزت الحركة التشكيلية الكردية في سوريا عدداً هائلاً من الفنانين الكورد يتجهون اتجاهات مختلفة؛ فالبعض اختار الانطباعية أسلوباً بل هاجساً ارتبط بروحه يمكنه بها مصارعة هذا الواقع الذي يولّد في اليوم الواحد آلاف اللوحات الواقعية الحقيقية بتكوينات لونية يكون الأحمر مسيطراً على الجميع، والبعض الآخر سار مسرى التجريديين خالقاً لنفسه عالماً من الألوان التي تبدأ دون نهاية، يقف المشاهد حسرة أمام لوحاته حيث ينقله إلى عالم آخر لا تجد فيه إلاّ تناقضات للألوان التي تتشتت هنا وهناك في جميع أرجاء اللوحة رمزاً على تشتت شعبه هنا وهناك في جميع أرجاء العالم.
وفي الآونة الأخيرة خرّجت كلية الفنون الجميلة بدمشق بجميع أقسامها نخبة من الفنانين الكورد الشباب الذين أصبح لهم حضورهم على الساحة التشكيلية السورية، بالإضافة إلى ذلك فقد خرّج الواقع العربي في سوريا أيضاً نخبة من الفنانين المتحمسين الغير أكاديميين إلا بالاعتماد على الدراسات الخاصة الذين يغذون تجربتهم من بقايا هذا الزمن المخيف والمرير. هنا سنلقي الضوء على أعمال بعض الفنانين على وجه التحديد:
عبد الكريم مجدل بك: من الفنانين المتخرجين من كلية الفنون الجميلة بدمشق؛ هذا الانسان الذي صارع اللون والريشة قبل دخوله الأكاديمية لفترات لا بأس بها، ألوان ضائعة في خفايا المجهول، ريشة هادئة معذبة تخطط لنفسها آلاماً موجعة بألوان تميل إلى السواد تاركاً وراء الأفق الذهبي أسراراً كبيرة تعجز عن اكتشافها إلا روحه ونفسه، ريشة تخطط لشيء غامض وخفي، جماجم آدمية هنا وهناك، خطوط متقاطعة مشكلة زنزاناً لا تسكنها إلا روحه وخياله المراقَب من جميع الأطراف. عند دراستك وتحليلك للوحات عبد الكريم ستجدها تختبئ في ذاتها تاركة آلاماً وآمالاً إنسانية خلفها.
أما حسكو حسكو المتمرد في لوحاته التي تحكي قصص الأدغال، إنها – أي اللوحة – مدينة ضائعة بين خفايا الأشياء المتعددة التي رابط بينها إلا اللون وكأن كل شيء يعيش بمعزل عن الاخر، ولكن يربطها خطوط طولانية وعرضانية تخترق تلك الأشياء مشكِّلةً بذلك مدينة لا يسكنها إلا الأموات.
أما هژار عيسى العائد من أحضان الأصالة، فاللون عنده هو كل الأشياء التي يراها في محيطه، مختاراً بذلك اللباس والطيور والأبنية والناس والأشجار تعبيراً عن مكنونات داخله محافظاً بذلك على أصالة الفولكلور الكردي من الضياع، خطوط تسكنها روح نقية، ألوان دافئة بعيدة عن التعقيد تحمل بين طياتها أسرار الزمن الغابر، اللوحة عنده ألوان حزينة وأناس طيبون يحملون في قلوبهم آمالاً أشبه بالخيال.
أما المغتربون من الفنانين الكورد السوريين فسأذكر منهم عمر حمدي (مالفا) وبشار عيسى وعينيات عطار وبهرم حاجو، وهنا سنعالج بالتحليل النظري لوحات كل من عمر حمدي وبشار عيسى كونهما ذاقا مرارة الحياة أكثر من غيرهما لما كانا يقدمانه من صدق وأمانة في نقل الرسالة الفنية في ولو طيف.
فلوحات عمر حمدي براكين متفجرة تتقاذف بحممها في أرجاء العالم، معبراً بذلك عن الكبت النفسي الذي لاقاه وهو بين أبناء شعبه. عمر حمدي كأحد الخمسة الملونين الأوائل في العالم حسب ما ورد في وسائل الاعلام ينظر الآن إلى العالم على أنه وحش مفترس يحاول أن يبتلع كل ما هو جميل، حلبجة عنده بحر هائج يبتلع بأمواجه الأطفال والنساء والشيوخ والأشجار والأزهار والديار، ألوان سوداء يصاحبها الأحمر والأبيض على مساحات كبيرة تكاد تخرج من اللوحة لتطايرها هنا وهناك مشكِّلةً بذلك سحباً غير منتهية من الغيوم الماطرة وكأنك تعيش في عالم ميتافيزيقي من الخيال. ومع ذلك، بمقارنة عمر حمدي في لوحته حلبجة مع الاسباني فرانسيسكو دي غويا في المجزرة الاسبانية، نجد أن غويا قد أدخل الروح إلى نفوس الجنود الاسبانيين قبل إعدامهم وكذلك وحشية منفذي هذا الاعدام وأسلحتهم المخيفة الموجهة إلى صدورهم حتى طلقات الأسلحة بدت ظاهرة للعيان لوحشية هذه العملية، وكأن غويا كان ينظر إلى المشهد من بعيد ويعيشه مقطعاً مقطعاً، بينما بقي التجريد عند عمر حمدي هو الغالب في لوحته من البداية إلى النهاية دون إدخال أية رموز مباشرة تدلنا على فظاعة وبشاعة هذه المجزرة التي راح ضحيتها أكثر من خمسة آلاف من السكان المدنيين. أريد أن أقول بأن اللوحة خلت من العناصر الأساسية لها وهي النساء والأطفال والشيوخ ..الخ.. لم نلاحظ سوى تكوينات لونية بالغة التعقيد تدلنا على المشهد، ولكن يبقى ثمة انعدام تام للحياة في هذه اللوحة ومن الطبيعي أن عمر قد قصد أن يكون التصوير على هذا الأساس أثناء إنجازه للوحة مثلما كان غويا قد أراد أن يكون التصوير على ذلك الأساس. ولكن في مثل هذه المشاهد ينبغي أن تكون اللوحة مقروءة إلى حد ما للعالم لأنه في هذه الحالة بالذات يجب أن تجعل من الناس وأن تُشعِر الناس بحجم هذه المأساة، وهنا تكمن العظمة الحقيقية. وللتأكيد على هذه الحالة نورد لوحة المأساة لبيكاسو أثناء موت صديقه كازاجيماس؛ فهو لم يشر بصراحة إلى موضوع الموت، أشار إلى الوحدة أو غياب الحب، يظهر في اللوحة أفراد عائلة لا رابط عاطفي بينهم، أشخاص بدون حياة مجمدين كالتماثيل لا يوجد في المحيط ما يولد الأمل في كسر العزلة بين بعضهم البعض، فقط الطفل يقوم بحركة معينة رافعاً رأسه، يبدو الأشخاص وكأنهم يحاولون إخفاء أنفسهم في ملابسهم ولكنهم مع ذلك لم يتمكنوا من إخفاء أقدامهم العارية رمز حالة الفقر التي يعيشونها.
أما بشار عيسى فأينما وجدت لوحاته فإنها تعيدك إلى مسقط رأسك؛ أمانة في التصوير وصدق ودفء في اللون، غابات من الألوان الموحدة المترابطة بريشة ناعمة شفافة شفافية قلوب أبناء قريته ومنطقته وحبه للأراضي الحمراء الخالية من أي شيء إلا رائحة التراب المحلي. بشار المغترب القاطن في فرنسا ينقل عبر الخيال الساكن في قلبه بيوت قريته ونساءها وأطفالها، ينقل دجاجات أمه وحمامات الجيران، ينقل السهول والهضاب بكل روح قروية إلى أنحاء أوروبا، إنه يعيش مع اللوحة كما لو أنه يعيش على تراب وطنه وبين أهله وأصحابه، فهذه الروح النقية تظهر في كل لوحة تصنعها أصابع وريشة هذا الفنان المخلص لرسالته الفنية، فهو بذلك يبتعد عن التجريد المحض مختاراً التجريدي التعبيري أو الانطباعية الواقعية البعيدة عن التعقيد والتصنيع. وهذا ما يظهر إلى حد ما عند عينيات عطار وبهرم حاجو مع مصاحبة اللوحة بنوع من التكوين التجريدي وخاصةً عند عينيات عطار.
يبقى التحليل العام لواقع الحركة التشكيلية في سوريا البعد عن التكوين الواقعي وغيابها في أعمال غالبية الفنانين الكورد بصورة واضحة، ولكن هل إخفاء الواقعية بين طيات التجريدية والانطباعية أمر مقصود أم مراضاة للأمر الواقع هرباً من الرقابة على الخط واللون؟.
في رأيي الشخصي أن هذا الأمر ليس عفوياً من ناحية لأن التجريد والانطباعية كأحد أهم مدرستين في تاريخ الفن الحديث لا تأتي إلا بعد صراع مع الذات ومع اللون ومع الريشة ومع الواقع ولا تأتي إلا بعد كفاح طويل في أحضان الواقعية، لأن الكثير من الفنانين العرب أنفسهم لم يلجأوا إلى التجريد إلا بعد صراع طويل مع الواقعية. ومن جهة أخرى ففي نظري إن غالبية الفنانين الكورد السوريين لديهم تجاربهم المعطاءة والمبدعة في الحركة التشكلية فيميلون إلى التجريد بسبب الرقابة السلطوية الصارمة على أعمالهم وما يدل على هذه التجارب الشابة المبدعة وجود فنانين من الشباب الكورد بشكل واضح على الساحة التشكيلية السورية.
ولكن أسأل إلى متى ستقتحم الريشة الخطوط الحمراء تلك الخطوط التي أضحت عقبة شيطانية غيبية في وجه الكثير من المبدعين الكورد والصادقين من العرب على حد سواء؟؟؟.
التآخي