الرئيسية » شخصيات كوردية » زِرْياب.. الموسيقار العبقري والمغنّي البارع

زِرْياب.. الموسيقار العبقري والمغنّي البارع

للكورد منذ القديم تعلّق شديد بالغناء والموسيقا، وحسبنا دليلاً على ذلك أن من أشهر المقامات الموسيقية التراثية مقام يسمّى (كُرد )، وآخر يسمّى (نهاوند)، وما نهاوند إلا من مدن الكرد العريقة.
ثم لا يخفى أن مدينة (حلب) هي موطن الموسيقى الأصيلة في بلاد الشام، ومن أشهر الذين حافظوا على ذلك التراث الموسيقي الأصيل مطرب وملحّن يدعى (بكري الكوردي)؛ هذا ما جاء في كتاب (حلب: لؤلؤة التاريخ ودرّة بلاد الشام)، بل إن الخبير بالموسيقى إذا تتبّع الأغاني والموسيقى العربية والتركية والفارسية لوجد العديد من أقطابها هم من أصول كوردية، ولوجد أيضاً أن روح الموسيقى الكوردية تسري في عدد غير قليل من تلك الأغاني.

ولننتقل الآن إلى أعماق التاريخ الإسلامي، إلى العصر العباسي الذهبي، لنتعرّف على سيرة الموسيقي والمغنّي الكوردي العبقري (زرياب).
بحث عن الهوية
عاش زرياب بين العامين (160-230 هـ)، والمؤسف أن الأخبار عن بدايات زرياب قليلة، ومعظم الذين كتبوا عنه اعتمدوا ما ذكره (المقري) في كتابه (نفح الطيب)، والذي لا يتطرّق إلى أصل زرياب، وإنما يكتفي بذكر أنه مولى أمير المؤمنين المهدي (والد هارون الرشيد)، وأن اسمه (أبو الحسن علي بن نافـع)، ثم ينقل تلك الرواية التي تربط بين لونه ولقبه، فيقول: (زرياب لقبٌ غلب عليه ببلاده من أجل سواد لونه، مع فصاحة لسانه، وحلاوة شمائله، شُبِه بطائر أسود غرِد عندهم).
وينقل الدكتور (حسن إبراهيم حسن) في كتابه (تاريخ الإسلام: العصر العباسي الأول) ما رواه المقري، ويضيف أن زرياب فارسيّ الأصل؛ والمعروف أن كثيرين من المؤرخين القدامى عدّوا الكورد فرساً تارة وعجماً تارة أخرى. وعلى سبيل المثال يتحدّث الجغرافي ابن رُسْته في كتابه (الأعلاق النفيسة) عن مدينة ( حُلوان ) فيقول: (وأهلها أخلاط من العرب والعجم من الفرس والأكراد).
وينقل الزركلي في كتابه (الأعلام) عن المستشرق (بروفنسال) أن زرياب ولد في الجزيرة. ويستبعد الزركلي الرواية التي تربط بين لون زرياب واسمه، ويذكر أن (زرآب) في الفارسي معناه ماء الذهب، وعرّبوه بكسر الزاي وإبدال الألف ياء، ويرى أن هذا التفسير هو الصحيح. والفارسي المذكور هنا هو الكوردي بالطبع؛ لأن اللفظة كوردية جملة وتفصيلاً. على أن الباحثة الألمانية (زيغريد هونكه) حسمت الأمر في كتابها الشهير (شمس العرب تسطع على الغرب)، فنصّت بوضوح أن زرياب فتى كوردي.
زرياب في قصر هارون الرشيد
كان زرياب تلميذاً لمغنّي الخليفة (إسحاق الموصلي)، فتعلّم منه أصول صناعة الموسيقى والغناء، وكان ذكياً طيب الصوت، ففاق أستاذه، وإسحاق لا يشعر بذلك، إلى أن جرى للخليفة (هارون الرشيد) مع إسحاق خبره المشهور في الاقتراح عليه بمغنّ غريب مجيد للصنعة، لم يشتهر مكانه إليه، فذكر له تلميذه زرياب، وقال: (إنه مولى لكم، وسمعت له نزعات حسنة، ونغمات رائقة لصيقة بالنفس، وأحدس أن يكون له شأن). فقال له الرشيد: (هذا طَلَبَي، فأحضرنيه لعل حاجتي عنده).
وأحضر إسحاق زرياب، فأمر الخليفة بإحضار عود أستاذه إسحاق، فلما أُدني إليه العود لم يتناوله، وقال: لي عود نحتَه بيدي، وأرهفته بإحكامي، ولا أرتضي غيره، وهو بالباب، فليأذن لي أمير المؤمنين في استدعائه.
فأمر الرشيد بإدخال العود إليه، ولما تأمّل الخليفة العود وجده شبيهاً بعود إسحاق، فقال له: (ما منعك أن تستعمل عود أستاذك؟)، فقال زرياب: (إن كان مولاي يرغب في غناء أستاذي غنّيته بعوده، وإن كان يرغب في غنائي فلا بد لي من عودي. فقال له: (ما أراهما إلا واحداً). فقال زرياب: (صدقت يا مولاي، ولا يؤدي النظر غير ذلك، ولكن عودي وإن كان في قدر جسم عوده، ومن جنس خشبه، فهو يقع من وزنه في الثلث أو نحوه، وأوتاري من حرير لم يغزل بماء سخن يُكسبها أناثة ورخاوة، وبَمُّها ومَثْلثَها اتخذتهما من مُصْران شبلِ أسد، فلها في الترنّم والصفاء والجَهارة والحدّة أضعاف ما لغيرها من مصران سائر الحيوان، ولها من قوة الصبر على تأثير وقع المضارب المتعاورة بها ما ليس لغيرها).
فاستبرع الرشيد وصفه، وأمره بالغناء، فجسّ الأوتار، ثم اندفع فغنّاه: (يا أيّها الملكُ الميمـونُ طائرُهُ…… هارونُ، راحَ إليك الناسُ وابتكروا) .
فأتمّ النوبة، وطار الرشيد طرباً، وقال لإسحاق: (والله لولا أنّي أعلم من صدقك لي، على كتمانه إياك لما عنده، وتصديقه لك من أنك لم تسمعه قبل، لأنزلتُ بك العقوبة لتركك إعلامي بشأنه، فخذه إليك واعتن بشأنه، حتى أفرغ له، فإن لي فيه نظراً).
الأستاذ الغاضب والتلميذ الهارب
بعد أن اكتشف الخليفة عبقرية زرياب الموسيقية، وأبدى إعجابه الشديد به، سُقِط في يد إسحاق، وهاج به داء الحسد، فخلا بزرياب وهدده بالقتل. فاختار هذا الفرار، وفضّل النجاة بنفسه من الاغتيال، فخرج من بغداد، وأعانه إسحاق على ذلك سريعاً بمال وفير، فرحل ومضى متوجهاً نحو بلاد المغرب، واستراح قلب إسحاق.
وتذكر الخليفة الرشيد زرياب، فأمر إسحاق بإحضاره، فقال له إسحاق: (ومَنْ لي به يا أمير المؤمنين؟! ذاك غلام مجنون، يزعم أن الجن تكلّمه وتطارحه ما يُزهى به من غنائه …. فرحل مُغاضباً ذاهباً على وجهه مستخفياً عني، وقد صنع الله تعالى خيراً في ذلك لأمير المؤمنين، فإنه كان به لَمَم يغشاه ويفرط خبطه، فيفزع من رآه).
فسكن الرشيد إلى قول إسحاق، وقال: (على ما كان به فقد فاتنا منه سرور كثير).
زرياب في الأندلس
اختار زرياب الرحيل إلى المغرب، وقضى وقتاً قصيراُ في بلاط (زيادة الله الأول الأغلبي) أمير القيروان في تونس، حتى دعاه (الحكم الأول) حاكم الأندلس. فسار زرياب وأولاده إلى الأندلس، ونزلوا من البحر في ميناء الجزيرة، لكنه علم بوفاة الحكم، وتولية ابنه عبد الرحمن الأوسط (سنة 206 هـ)، فضاقت به الدنيا، ولم يدر إلى أين يتوجه.
لكن سرعان ما أرسل (عبد الرحمن) إلى زرياب ينبئه بأنه منفذ وعد أبيه، وكتب إلى عمّاله أن يُحسنوا استقباله، ويُسهّلوا له طريق الوصول إلى قرطبة. وعندما وصل زرياب بعياله إلى قرطبة أنزله عبد الرحمن في دار فخمة، وبالغ في إكرامه، وقرّر له راتباً شهرياً قدره مئة دينار، وقرّر لكل من أولاده الأربعة عشرين ديناراً. وأغدق عليه وعلى أولاده الأرزاق، عدا ما خصّص له من الشعير والقمح، وما وهب له من الضياع والدور والبساتين التي قدّرت بأربعين ألف دينار.
ولما سمع عبد الرحمن غناء زرياب أُعجب بمواهبه، وقدّمه على جميع المغنّين، حتى إنه كان يُجلسه إلى جانبه، ويستمع إلى غنائه، وإلى ما يقصّ عليه من أحوال الملوك وسير الخلفاء ونوادر العلماء. ولم يلبث أن ملك زرياب قلب عبد الرحمن، حتى إنه أمر بأن يفتح له باب خاص يستدعيه منه متى أراد.
زرياب يزيد في العود وتراً
زاد زرياب بالأندلس في أوتار عوده وتراً خامساً اختراعاً منه، إذ لم يزل العودُ بأربعة أوتار على الصنعة القديمة، فزاد عليها وتراً آخر متوسطاً، فاكتسب به عوده ألطَفَ معنى وأكمل فائدة. وهو الذي اخترع بالأندلس مضراب العود من قوادم النسر، بدلاً من مرهف الخشب. وأبدع زرياب في تنسيق الألحان، حتى توهّم أن الجن هي التي تعلّمه؛ ولا عجب فقد ورث هذا الشعور من أستاذه إسحاق الموصلي الذي ورثه عن أبيه إبراهيم الموصلي.
طريقته في تخريج المغنّين
كان زرياب إذا أراد أن يعلّم تلميذاً أمره بالقعود على وسادة مدوّرة، فإن كان ليّن الصوت أمره أن يشد على بطنه عمامة؛ لأن ذلك يقوي الصوت، فلا يجد متسعاً في الجوف عند الخروج من الفم. فإن كان لا يقدر على أن يفتح فاه، أو كانت عادته أن يضمّ أسنانه عند النطق، أمره بأن يدخل في فيه قطعة خشب عرضها ثلاثة أصابع، يُبيتها في فمه ليالي حتى ينفرج فكاه.
وإلى زرياب يرجع الفضل في تعليم الجواري الغناء في عصره والعزف على العود، ومن هؤلاء (غِزلان) و(هُنَيدة)، ومنهن (منفعة) التي اشتهرت بفرط جمالها، وقد أعجب بها (عبد الرحمن)، فأهداها زرياب إليه، فحظيت عنده.
وصفوة القول أن زرياب لم ينقل إلى المجتمع الأندلسي فنون الموسيقى وضروب الغناء فقط، وإنما نقل إليه أوجه الحياة الحضارية التي كان المشارقة ينعمون بها، فكان بذلك من أهم عوامل التواصل بين مشرق العالم الإسلامي ومغربه في ذلك العصر .