الرئيسية » الآداب » جدليات الابداع في المسرح الكوردي

جدليات الابداع في المسرح الكوردي

تبرز التراكمات الابداعية في مجال المسرح الكوردي تنوعاً ملحوظاً في حقل الكتابة الدرامية تعكس هاجساً قوياً يسكن العملية التجريبية التي اقتحمها بعض المسرحيين الكورد وقد تسلحوا بأدوات معرفية واعية يتداخل فيها البعد الفلسفي بالفني والسياسي بالأدبي لتأخذ الدلالات المنتجة وجودها داخل فضاء النص الأدبي الذي تحكمت في صياغته وتركيبه ذات مبدعة نقلت اليه الواقعي بالمتخيل فأعادت خلق العالم – لغويا- برؤى جديدة تتجاوز السكون والثبات والنمطية الى الحيوية والحركية. وأرى هذا النوع من التراكمات الجادة – مشروطة – بمجموعة من المقاييس الأدبية التي يعطيها طابعها الأدبي ويميزها كجنسٍ أدبي واع بقوانينه التي توفر له الشروط الضرورية للكتابة الدرامية واعدها في الوقت ذاته عملية ميلاد صعبة في محيط ثقافي وفكري لا يزال يؤسس مقولة الأدبي، ويجد في البحث عن أدوات فنية مغايرة يؤسس بها فنه المسرحي. هذا البحث الجاد جعلنا نعود الى تاريخية الوجود المسرحي الكوردي في منتصف الثمانينيات من القرن المنصرم لنعيد الى الاذهان عروضاً جادةً سواء كانت على مستوى مسرح الطفل… ام بعض الاتجاهات المختلفة بأختلاف التكوين والمنظور والقناعات التي ينطلق منها المبدع الكوردي. وهذا الاختلاف بالرغم من التناقضات التي تسكنه يرسم طريق الارتباط باللحظة التاريخية للكشف عن خللها وما تحمل من انتكاسات وهزائم وأحباطات. لقد وجد المبدع الكوردي في الواقع المعاش دافعاً موضوعياً لتكوين رؤيته والتعبير عنها لنقد السلبيات- من هنا جاءت مسرحية (اللا مبالي الذي في داخل البرميل) في منتصف الثمانينيات لفرقة كرمانج- (بى خه مى ناوبه رميله كه) للكاتب – أنكيلى كرالي جيف والتي اعدها السيد (عمر علي أمين) عن ترجمة الاستاذ شكور مصطفى الكوردية للمسرحية. وكذلك – مسرحية (محمود الكسول) – خوله ته مه ل) التي كتبها الفنان المسرحي الكوردي (كاوه أحمد ميرزا) نعم لقد كان للخط الدرامي للمسرحيتين ومضمونها دور في تبيان اهمية العمل في حياة الانسان حيث كانت خاتمة- اللامبالي في المسرحية الأولى هي رمية في مياه النهر.. بينما تجلى مصير (محمود الكسول) في المسرحية الثانية.. بتركه وحيداً في الغابة لتأكله الذئاب وبهذا اكدت المسرحيتان في تلك الفترة الزمنية الملتهبة بالحروب- على رفض المجتمع للشخص اللامبالي تجاه أهمية العمل. والكسول الذي لا يحرك ساكنا من أجل تقدم مجتمعه. والجدير بالذكر – ان فرقة – كرمانج – للتمثيل المسرحي قد قدمت أنذاك عروضاً مسرحية للطفل- في دهوك والسليمانية وفي اقليم كوردستان بشكل عام.. ومن عروضها المسرحية التي قدمتها في السليمانية مسرحية (عدم الالتقاء – به يه ك. نه كه يشتن) وهي من تأليف وأخراج الكاتب المسرحي الكوردي (محسن محمد).. وفي دهوك. قدمت مسرحية (مخاض قريتنا- زانى كونده كه مان). وفي اربيل قدمت – مسرحية (الضحك وفق القانون)- بيكه نين به بى ى ياسا). وتحتفظ الذاكرة الثقافية باعمال مسرحية أخرى تركت بريقها في فضاءات الابداع الكوردي. مثل مسرحية- كولاله- التي أعدها.. المخرج والكاتب حمه رشيد هرس. عن قصة أجنبية والتي قدمتها. فرقة جمعية الفنون الجميلة- في السليمانية. وقد شهدت الثمانينيات أيضاً جهوداً مسرحية على مستوى (الهواة) كانت جهوداً متميزةً- (أخراجاً. ووعياً واعداداً) مثل مسرحية (الجور. والعدل). تأليف واخراج شفيق محمد.. ومسرحية (رحلة الحنظلة) أعداد سعد الله ونوس- ترجمة/شيرين ك/أخراج صديق عزيز أحمد. وكذلك مسرحية بيت الجنون- أخراج برزان عارف- وهي من تأليف الكاتب الفلسطيني توفيق فياض- … والذي أريد ان أقوله في هذا الاقتضاب – ان المسرح الكوردي لابد ان يعيد النظر في جدلياته وثنائياته لا سيما انه يمتلك تاريخا ثراً. وعطاءً دافقاً. وقد أخترت (مرحلة الثمانينيات) لان المسرح الكوردي قدم في تلك المرحلة- جهداً مسرحياً- رغم أنه كان يعاني كبقية المسارح العراقية. تنميطا من قبل دوائر النظام ومؤسساته من هنا جاء الاجتهاد والبحث والتنقيب بمعاناة حقيقية وصادقة عن مواضيع جادة، وقضايا تتجاوز المحلي لتعانق ما هو انساني وهذا ما قدمه المسرح الكوردي. وهذا ما أعطانا نصوصاً مسرحية ذات مواقف تتبنى الدفاع عن أنسانية الأنسان، غير أنني وحتى لا أسقط في اطلاقية الاحكام التي تثمن هذه الاتجاهات علينا ان نتعامل معها بنوع من التحفظ لسببين. 1-هناك أتجاهات كانت ولا تزال مؤمنة بوظيفتها ، ودورها التاريخي في مجال الثقافة والفن جاعلة من ممارستها وعيا.. تاريخيا يتبلور بما هو درامي … وساعية في الوقت ذاته الى ترسيخ التقاليد المسرحية في التربية الكوردية. 2-لقد تولدت في المعطيات السابقة أتجاهات ظرفية لم تكن فعلاً بقدر ما كانت – موضة عابرة ارتهنت حياتها بما هو مناسب.. من هنا ارى من اللازم وضع الظاهرة المسرحية في المسرح الكوردي في أطارها التاريخي لنستشف من ذلك مقومات وجودها وقيمتها المعرفية وأبعادها الايديولوجية من خلال أحداث تواصل جديد مع المتلقي وبوشائج فنية جديدة ترتقي الى رؤية الانسان الكوردي. وتطلعاته نحو غدٍ مشرق. لأن المسرح لقاء يجري في زمان.. ومكان معينين. لقاء بين الناس تتواشج فيه العلاقات في الفرجة. وتتصادم لان مكونات الفرجة تتحرك كرموز. وأشارات وايحاءات تغلف مباشرتها بشعريتها وجماليتها لتقدم لنا عالماً يحفل بالتناقض الذي يتطلب فهمه تكوينا شموليا لادراك كنه الفرجة وعمقها وما تمارسه على المتلقي.
التآخي