الرئيسية » الآداب » الوضعية الفكرية للجس دفي أعمال خليل عبد القادر

الوضعية الفكرية للجس دفي أعمال خليل عبد القادر

جسمي يمتد حتى النجوم…………. ” برغسون ”


تنويه منهجي : كتبت هذه الدراسة بناءا على صور الأعمال الإلكترونية، لذلك حصرت هذه الدراسة بالأعمال المدرجة هنا بترقيمها الموافق للدراسة، مع سحب بعض النقاط على أعمال أخرى للفنان.

تتقدم المستويات اللونية الطاغية في السطوح الجلية أو السطوح المشرقة نحو التمركز في العمق المشهدي لأعمال الفنان خليل عبد القادر ـ أعماله محل هذه الدراسة ـ ، بحيث تتقاطع حركة اتجاه السطح المتعدد بتضادات إنتاجية لمنطقة اللاتماييز التي تجعل البروز العنصر الشكلي و الدعامة التي يترتب عليها انتظام جملة الحدود الداخلية و الخارجية للأشكال ـ الألوان، إذ يغيب الخط كحد لسطح محدد، فلا تتقاطع الأسطح و لا تنتج توافقاتها الكمية بتوازن العلاقة الكمية بين قيم الثقل اللوني لكل سطح عبر تلطيفات إجرائية أو تحولات الطاقة بين الدرجات اللونية المتباينة، بل و إنما بتداخلهما الذي ينتج سطحا تترشح منه و بداخله معالجات متعددة لطبقات شفافة متراكمة من سطوح مشعة، لذلك يغيب الخط كحد لتوزع السطح في الأرضية و يحضر ـ يعوض حضوره كحركة لاتجاه السطح، كما في العمل رقم ( 1 ) الذي يتمظهر فيه الخط ـ الحركة كعرف أيقاعي لضربة الفرشاة الخاطفة، القصيرة و المجزأة لسطح العنصر الشكلي في العمل، و هو إجراء يتضاد إجرائيا مع السطح المعالج بترشحات طبقية لسطوح لونية تمظهرت عبر الشبكة النقطية للفراغ النقطي الذي يؤسسه التكنيك الترشيشي للون، و بذلك نغدو في مواجهة اللوحة مرتبطين بوضعيتين مغايريتين تماما لتطوير ـ تقيدم الحجم عبر السطح، و يكون للعمل بنية مزدوجة لعناصر الإدراك التي يحملها، غير أن هذه البينة المزدوجة بالذات هي التي يمكنها أن تكون الدال التعبيري المضاعف للإحساس ـ الشكل الموضوع كشيء موضوعي في العمل. إنها بنية تؤسس منطقها الشكلي الخاص بتضافر السطوح المتعدد المتضادة لإنتاج اللحم الحساس بين السطوح المشعة التراكمية و التي يفصل بينها مجال القوى غير المحسوسة الذي يفترض تقنيته الخاصة بتمويه التنافر القائم بين هذه السطوح المتعددة، فالخط ـ الحركة في الجسدين المتداخلين، قادم من جهة تحت السطح النافر للرمادي المشرق المرشوش، مما يجعل من اللوحة إطارا نسبيا ؛ مركز لتقاطع السطوح المشكلة بيت الجسدين، و كون إجراء الترشيش يؤسس فراغات نقطية صغيرة يتقدم عبرها شبكة نقطية أخرى لسطح أعمق أو أكثر بروزا، فإن المنطق التشكيلي الداخلي لهذا العمل يتوازن بقيمه الكمية المتضادة في عدم إعطاء الرجحان لحجم منبسط على سطح مستوى الدرجة اللونية الهادئة بالنسبة إلى سطح آخر مجزأ، و ذلك بنزع التأطير عن العمل، أي نزع ارتباطه بأرضية مكانية محددة للعمل و للعنصر الشكلي في العمل، و هذا الأمر كما أسلفنا يضاعف الدال التعبيري للشكل الدال البصري بحيث يغدو كل سطح محملا بانعكاس نقيضه و يغدو التنافر قيمة بصرية لتعميق الحقل البصري، لذلك يتم استخلاص الحالة الفكرية في وضعية الجسدين المفوّض بها عبر درجات اللون و تركيب سطوحه، تركيبه من تنافرات ضرورية لإنتاج الوضعية الجسدية التي فوض تمثل الفكر فيها. الجسدين هنا ليسا في العمق و لا في المقدمة، لأن قيمتهما الفراغية أو الموقعية معلقة و مستندة إلى أرضية غير مكانية، أو بصيغة أخرى معلقة بفضاء مطلق يأتي من خارج اللوحة و لا تشكل اللوحة بالنسبة له فضاءا نسبيا، بل تجلي جزئي للخارج الذي يتشكل بيانيا في التقاطع، فالمنطقة اللونية المتشكلة كمستطيل في اسفل شمال اللوحة تنتمي بدرجات ألوانها الداكنة للدرجة اللونية الجلية للجسدين و هي تتأخر فراغيا عن الرمادي المشرق و الذي ينسحب عليها بحبيبات نقطية تدفعه للخلف. هذا بالإضافة إلى الأحمر المشرق المرشوش على رشات لونية نهدية مشرقة تتقدم على سطوح الجسدين الذين بدورهما لا يبتعدان كثيرا في العمق بل يقتربان بحكم جلاء ألوانهما من مقدمة المشهد و هم يتقدمان موقعيا على الدرجة اللونية للسطوح المتعددة في يمين و أعلى اللوحة، أي على منطقة العمق البنية و الزرقاء و الصفراء المغطاة بمسحاة بيضاء تبهتها و تدفعها للتموقع في العمق، خلف الحيز الذي يشغله الجسد بسطوحه اللونية الأكثر جلاءا. إن الجسدان هنا يشكلان في غياب محدداتهما الخطية و المعوض عنها بإحاءات الحركة التي لم ترسم خط اليد في حالة العناق بل و إنما الحركة المعبرة عن الحالة العاطفية و الفكرية لوضعية العناق الحركية لذلك فهما يشكلان حقل قوى محسوس محاط بصيرورات لامرئية إلا انها حسية.
غير أن الصيرورة الحسية للكائن الجمالي الذي يؤسسه الفنان خليل عبد القادر يزداد امتلاءا في التحويرات ـ التقاطعات المتتزامنة لعناصر شكلية بارزة و محدودبة و مقعرة في العمل المرقم هنا بـ ( 2 ). الجسد ممدد و ممتدد في آن، تتقاسمه واقعيات تصويرية متنوعة. يخترق الجسد في الوسط شرخ عميق هو بياض في هيئة شكلية حادة تغرس في منطقة حمراء دامية و محاطة بصيرورات حيوانية نباتية موزعة في الحدود العامة لمجمل السطوح في اللوحة، و التي تتحايث مع ملمس السطح الحجري الذي يتألف من تنسيقات خفية لعفوية تموضع الخط ـ الأخدود و التشقق المتىزر مع تتدرجات الظل و النور على الآثار الرطبة لتخثرات كثيفة . إننا أمام وضعية مركبة بحساسية جد حذرة، فالعنصر الشكلي ممدد على كامل مساحة اللوحة و هو في امتداده هذا يمتد أفقيا و عاموديا نحو خارج العمل باستمرار القدمين خارج اسفل اللوحة و انبساط اليد اليمنى و تغلغلها في النيسج المتنساج من تموضعات حيوانية في المملكة النباتية بحوافها الباهتة التي تدفع بامتدد العمل خارجا عبر تخفيف اللون في الحواف، مؤسسا بذلك إجرائين مختلفين للوحدة العضوية للعمل، و ذلك بانبساط الجسد في السطح الحجري المحايث الذي ينفتح بإمكانات غير محدودة لصيرورة كل شيء جسدا غنسانيا، و في المقابل لصيرورة كل جسد إنساني حجرا أو نباتا أو حيوانا، و يتضح ذلك بعمق و جلاء من تماثل درجتي الإشباع اللوني للأحمر الدامي الذي أحدثه الصدع الأبيض في جسد الكائن الآدمي ـ أو بالأحرى في الكائن الحيوي الذي يختزن في كثافة سطوحه و تموضعاتها التراكبية إمكانات لا نهائية لتبادل القيم الشكلية بين الكائنات كلها، و الدرجة اللونية للنقط الحمراء الموزعة هنا و هناك في داخل و خارج كل سطح. فالبنية الإسنادية للموضوع هنا ليست غائية أو هي معوضة بحضور وهمي في الحيز الذي يشغله العنصر الشكلي، بل و إنما في لا أرجحية إسنادية لموضوع ـ شكل على آخر،فالتخثرات الحجري تحايث التموضع الحيواني بالدرجة ذاتها التي يحايث بها الجسد الآدمي للمحسوس الحيواني فيه، كل إسناد في هذا العمل يترشح بادخله إسناد آخر في مركب السطح الذي يلحف بتعايش العناصر المتباينة كلها دون طغيان هيئة على أخرى. لذلك يتركب السطح في هذا العمل من صيرورات سطوح تحمل باستمرار إمكان تمظهر سطح آخر من إحتياطاته، و ليس من سطوح متعددة التضادات. فالخط هنا الذي يحدد به الفخذ و الركبة و الساق ينتمي إلى الأخدود الحجري أكثر من انتماءه لجملة الشكل الإنساني، إنه خط لحركة غير إنسانية في الجسد أو تقاطع أخدود الحجر مع ميلان سطح الساق الآدمي. أما النسيج الأحمر الذي يخرج من الصدع ، التشقق، فإن انتشار الحيوان فيه يتمظهر بالدرجة ذاتها لتجل جرح آدمي، فالعنصر الشكلي في هذا العمل ليس تعبيريا بقدر ما هو ترميزي، لذلك يحافظ العمل في شروطه الشكلية التي ينتظم بها الشكل الدال، يحافظ على إمكان كوني هائل. و من وجهة نظري فإن اللمسة السحرية الحساسة في هذا العمل تتجسد في عدم تموقع هذا الكائن فراغيا، و لا أقصد بذلك وجوده في محور جذب القوى كما في العمل رقم ( 1 ). أي تخلفه عن المقدمة المشهدية للعمل أو تقدمه على الأعماق التي تليه بسطوحها الممسوحة بغلاف أبيض، إذ هناك إمحاء مستمر لشروط التموقع الفراغي، العمل كله منتشر في ذاته؛ في عالم ممكناته الداخلية، لذلك تجده في السطوح كلها وفقا للقيمة الموقعية التي يشغلها كل سطح في حيزه الخاص، فهو يتموقع؛ يكون ذو قيمة موقعية بتذبذبات متباينة بين الأعلى و الأسفل و في الجهات كافة، كونه ينتشر، فهو يتقدم للأمام في خاصرته، و في ساقه الخفيفة المحلقة نحو الأمام الأعلى و يتراجع نحو العمق في رأسه.
يمتدد الجسد في الكائنات، ينتشر فيها، يكون فيها و تكون فيه، يكون هي و تكون هي هو، يرتبط كل شيء بكل شيء في وحدة عضوية فريدة و غير محسوسة، إنه عالم محسوس لمحسوسات غير مرئية و باتت مرئية هنا في هذا العمل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *