الرئيسية » الآداب » لقاء قصير مع الفنان التشكيلي العراقي : آري بابان

لقاء قصير مع الفنان التشكيلي العراقي : آري بابان

الفنان التشكيلي العراقي : آري بابان
الفنان التشكيلي العراقي آري بابان فنان مبدع له أسلوبه المتميز المنفلت عن أساليب سربه ومجايليه. إنه يستمد أسلوبه هذا من درايته المثقفة بتكنيك اللوحة التشكيلية ومن قراءاته الواسعة في شتى صنوف المعرفة وعلى الأخص منها الجانب الروائي والأسطوري، فهو لا يخفي شغفه بالأعمال الروائية الكبيرة وخصوصاً تلك التي ترتفع بالواقع إلى ما هو سحري أو على الأصح ما تكشفه من سحر في الواقع الحياتي البحت. كما أنه مولع بالأساطير وكل ما يشكل تأويلاً خارقاً للحياة، ساعياً من أجل ذلك إلى اكتشاف حقائق الوجود الإنساني ومشكلات الإنسان في هذا الوجود. وبناء على هذا يشكل الإنسان محور اهتمامات بابان في تكوين اللوحة العام.
ولا يكتفي آري بابان بهذا بل يذهب إلى ما هو أعمق في نسيجنا الحياتي- الاجتماعي وما يقلق ذلك النسيج من اهتزازات وعنف لا مبرر له، فتكون العائلة، وليس الفرد وحده، هي ما يتصدى لها بابان ليكشف من خلالها الصراعات الدامية التي عاشها العراقيون مع السلطة الغاشمة وفي ظل هيمنة رجالها الذين أقل ما يقال عنهم أنهم قتلة.
إن المتلقي للوحات بابان يلمس بوضوح تأويلاته الخاصة للواقع والأسطورة معا مثلما يلمس الشاعرية الرفيعة في خلق التوازنات الإيقاعية في اللون وتوزيع التكوينات والشخوص وما يوحيه كل ذلك من دلالات فكرية عميقة.
إلتقيت الفنان آري بابان في السليمانية وكان لي معه هذا الحوار:

*ما الذي يميز الفنان التشكيلي؟
– إنه فنان بصري يستعمل اللون في رؤية العالم. وهو يخلق عالمه الخاص من خلال الاهتمام بالزوايا الجمالية.
* كيف تستمد موضوعات اللوحة؟
-أستمد موضوعاتي من الكتب والواقع. كوني مكتبي أعيش مع الكتاب. أنا أهتم كثيراً بفني الرواية والشعر، وقبل ذلك أنا مولع بتقصي الأساطير ودلالاتها. من خلال تأثري بالصور والأخيلة التي تتولد عندي في قراءاتي بالامتزاج مع الحدث اليومي الواقعي تنبثق لدي موضوعات لوحاتي. لا أريد أن أرسم الطبيعة والزهور. أريد أن أكون شاهداً على عصري من زاويتي الخاصة.
*من الذي أثر في نشأتك الفنية؟
– تأثرت بأستاذي فخري جلال في ثانوية الإمام قاسم في بداية السبعينيات. وتأثرت فيما بعد برسومات فان كوخ وغوغان ثم عالم آل غريكو وجاكوميتي. وقد يكون من المفاجئ أن أقول أن الأدب قد أثر بي أكثر من الفن التشكيلي. فضلاً عن ذلك فقد تأثرت بفن المسرح وجمالياته.
*المتلقي للوحاتك يرى أنها تعتمد السريالية مدرسة فنية، ما هي تجربتك في هذا؟
– يقول ماركيز في “رائحة الجوافة”، عندما يتكلم الإنسان في الأمازون بصوت عال تمطر السماء نتيجة الاهتزازات في الجو. قد تبدو هذه سريالية ولكنها واقعية للأمازوني. وبالنسبة لي لا أعد نفسي سريالياً، بل أنا أرسم وجهة نظري وأحسب فني واقعياً سحرياً، كما هو واقعنا العراقي. فعندما يغيب عن العالم في العراق في “حلبجة” ويدفن خمسة آلاف إنسان في لحظة واحدة، ألا ترى بأن هذا شيء سحري وواقعي في الوقت ذاته؟ وثمة آلاف الحوادث مثل هذه في أنحاء العراق كافة ولا مجال لذكرها الآن. إن هذا ما يدفعني إلى الرسم بهذا الأسلوب.
*هل أنت مع تبني طروحات الحداثة الغربية في الفن التي راحت تطغي عليها الرؤية التجريدية؟
-من المفترض أن الرؤية الفنية للفنان هي التي تحدد اتجاهه الفني. المدارس غير مهمة في العصر الحديث. لنرسم الفن. الأسلوب هو اختيار الفنان. ثم أن اعتبار الفن التجريدي هو أعلى مراحل الفن مجرد وهم. ولا أومن برأي شوبنهاور الذي رأى أن الفنون كلها تنزع نحو التجريد الموسيقي.
* كيف تقيم مسيرة الفن الكوردي ضمن مسيرة الفن العراقي عموماً؟
-الفن الكوردي يسير بوتيرة جيدة. الأهم من ذلك هو خلق الحوار بين الفنانين. كما أننا بحاجة إلى التلاقح مع فنون الشعوب الأخرى. الفن الكوردي له تجاربه المتطورة، هذا ما شهدته في المعرض التاسع لفناني السليمانية الذي كان تظاهرة فنية كردية عراقية راقية.
*في هذه المرحلة الصعبة من تاريخ العراق والمخاطر تحف بهذا البلد، كيف ترى دور الفنان أو المثقف عموماً في تجاوز هذه المرحلة؟
-أعتقد أن الصراعات غير المشروعة قد انتهت . لنعمل بما هو جميل وليفسح المجال للفنان والأديب فهذا عهدهما. كل فئة عليها أن تطرح ما لديها. نتنافس في الفن والرواية وفي كل شيء. الفن ذاته يغير المجتمع، هذا هو دور الفنان، أن يغير المجتمع، فمن خلال الفن يتطور المجتمع إلى الحالة الجمالية. الفنان بطبيعته يحب العدالة الاجتماعية. إن الدور الحواري مهم. لا يجب أن يبقى السياسي هو المرجع الوحيد في تغيير الأحداث. على المثقفين أن يدلو بدلائهم في عراق المستقبل. لابد أن يكون دورهم أساسياً في ذلك، وهو دور سياسي خارج كل الأحزاب.
*كيف تنظر إلى المستقبل وما الذي تخطط له للأيام القادمة؟
– أمنيتي الوحيدة أن تستقر أولاً الظروف في بلادنا ويتفهم العراقيون جميعا ًأهمية الفيدرالية لعراق المستقبل. إنها في تقديري الرابطة الجيدة التي يمكن أن تجمعنا. وبعد هذا الاستقرار كل فنان لديه مشاريع للمستقبل يسعى إلى تحقيقها. أتمنى أن تسنح الفرصة لي للتفرغ لأعمالي الفنية. وأنا بصدد إقامة معرض شخصي كبير في قلعة كركوك. لكنه في الحقيقة لن يكون معرضاً فقط، بل أحاول أن أجعل منه حدثاً كبيراً أجمع به الموسيقيين الأكراد والمسرحيين، كما تأتى لي ذلك في عام 1995 في منطقة حسيب صالح وعملت مع مجموعة من الفنانين أشبه ما يكون بتظاهرة فنية.


آري بابان
*تخرج من كلية الآداب-قسم المكتبات/ الجامعة المستنصرية عام 1976.
*يمارس الرسم منذ السبعينيات وأقام أول معرض له في سنة1972 على قاعة إمام قاسم في كركوك مع الفنانين كارا وأيوب شريف. وتتالت من بعد ذلك معارضه التشكيلية الشخصية والمشتركة العديدة التي أقامها في السليمانية ومدن كردستان، فضلاً عن معارضه الشخصية والمشتركة التي أقيمت في دول أوربية كثيرة كإنكلترا وألمانيا وفنلندة وهولندة التي احتضنت معرضه الأخير عام 2002.
*له مقالات عديدة في الفن التشكيلي.
*اشترك في معرض على جدران الأمم المتحدة مع مجموعة من الفنانين احتجاجاً على الغزو التركي لشمال العراق.
المصدر:
http://www.shiralart.com/shiralart/iraqiartist/articles/article_a_725.htm