الرئيسية » مقالات » يهود العراق ذكريات وشجون. الحلقة 13… الوالد إبراهيم مير معلم، العراق يفترس أبناءه

يهود العراق ذكريات وشجون. الحلقة 13… الوالد إبراهيم مير معلم، العراق يفترس أبناءه

ضاق الوالد ذرعا بالملاحقات العديدة التي عانى منها في بغداد، ثم جاء “المنخل” (الغربال) الذي قصم ظهر جمل صبره وناخ بسببه حَرِنـًا، يأبى البقاء في هذه البلاد التي تفترس أبناءها. غاب عن داره ذات صباح، أتت سيارة شحن ووقفت أمام الدار و”فَـشّ (كَسَر) السايق قفل الباب” وصار ينقل الأثاث وكل محتويات الدار وما بقي من الفرهود الثاني الذي شـنه أبو الجراوية الثاني” على الوالدة. سأل الجيران من أولاد الحلال السائق: “شكو! اشدعوى، أشدتسوون!”، أجاب السائق بكل صفاقة وجرأة، “إبراهيم أفندي كال إلنا يريد يتحول الغير بيت واحنا دنحول له غراضه، كال هسه يرجع ويساعدنا بالتحويل”. عاد والدي إلى الدار و”شاف الدار قفرا ومفرهدة حتى المكناسة، تكرم، أخذوها ويّاهم. وهسا وين أروح ووين أولـّي وجهي!” لم يبق له سرير ينام عليه ولا وسادة ولا شرشف. فتش في بعض الخزائن المثبتة في الحائط، ووجد لدهشته، “خاشوكة فضة ومملحة فضة من صنع العجم” نحتت عليها صور سلاطين الفرس، وهي من بقايا مهر الوالدة وقد “أعماهم الله عنها”. كانت هذه البقايا الباقية من عز عراق أيام زمان قابعة تولول لمصير أخواتها اللواتي بقين من هذا الفرهود النظيف الجديد الذي مرّ بدون إراقة دماء، وكانت هذه الأدوات الباقية تعويضا من الوالد لأدوات الطعام التي سرقت مني يوم أن حاولت أن أصبح تاجرا أيام طفولتي حين عرضتها للبيع مع ابنة عمتي كحلا وفرار “أبو الجراوية بها على صحن الفرفوري” دون أن يدفع الدينار الذي طلبته عنها. وضع الوالد هذه البقايا من عز العراق وذكريات شبابه في جيبه وهو يشتم أولاد الحرام الجدد. ضاق المقام به وقرر هذه المرة السفر إلى طهران بعد أن يئس من مستقبل العراق. وعندما قدم إلى إسرائيل، كانت هذه هي الهدية التي قدمها إلى الوالدة من ذكريات زواجهما وشبابهما الراحل، ملعقة ومملحة من الفضة الخالصة وطاقية الصلاة التي خاطتها له الوالدة مع تلميذاتها من مدرسة الأليانس كجزء من الجهاز الثمين الذي قدمته له من خالص مال عائلتها.
وعندما استطاع والدي مغادرة العراق إلى إيران بجواز سفر حصل عليه في أيام الزعيم الأوحد الذي يترحم الوالد عليه كلما جاءت سيرته، وتمتع بجو الحرية تحت ظلال شاه إيران البهلوي، وطابت له “كعدة طهران” عدة أسابيع وإذا بثورة جديدة تقوم في العراق ويطيح حزب البعث بقيادة الزعيم عبد السلام عارف ناكر الجميل الذي صنعه معه عبد الكريم قاسم المتسامح بعد أن أشفق عليه. كان هذا الزعيم المتسامح قد “ضيّع “المشوتين بين القومجية والشيوعية ” في انقلاب عسكري في 9 شباط 1963 أصبح يعد عند الكثير من العراقيين كأشنع غدرة من غدرات السياسة في القرن العشرين. سيق الشهيد عبد الكريم قاسم إلى استوديوهات تلفزيون بغداد وأعدم رميا بالرصاص مع زميله المهداوي الذي قضينا الساعات الطوال نستمع إلى محاكماته في القدس من إذاعة بغداد وإلى مهازلها الشعبية. وفجأة وصلت إلى الوالد رسالة من سفارة الجمهورية العراقية البعثية في طهران، ورقمها 495، والمؤرخة 169963 بتوقيع السفير العراقي الدكتور عبد الحسين زلزلة، تأمره كمواطن يهودي “حامل جواز السفر العراقي المرقم 521269126 والصادر في بغداد بتاريخ 39961″، بما يلي:
” لما كنتم مشمولين بحكم الفقرة (ج) المضافة إلى المادة الخامسة من القانون 12 لسنة 1951 التي نصها على اليهودي العراقي الذي غادر العراق خلال المدة من 20960 إلى غاية 30963 أن يعود إلى العراق خلال مدة ستة أشهر من تاريخ نفاذ هذا القانون، فإذا لم يعد بعد انتهاء هذه المدة فلمجلس الوزراء بناءً على اقتراح الوزير أن يقرر إسقاط الجنسية عنه ويجري التصرف بأمواله وفق القانون رقم (5) لسنة 1951 والأنظمة الصادرة والتي تصدر بموجبه، لذا فإننا نبلغكم بوجوب العودة إلى العراق خلال مدة ستة أشهر …”، وهكذا تمكنت الحكومة العراقية الجديدة من “فرهدة” أملاك اليهود بصورة قانونية نظيفة، هؤلاء اليهود الذين أحبوا العراق وتمسكوا به لكي يواري ثراه أجداثهم إلى جانب آبائهم وأجدادهم.
وصلت هذه الرسالة بعد أن كان والدي قد “شمع الخيط وشالها” من طهران إلى تركيا ومن الإسكندرون إلى ميناء حيفا بقارب صيادين بحري تفاديا لتوقيع تأشيرة دخول إلى إسرائيل على جواز سفره العراقي المقدس الثمين، إذ لعل وعسى أن يعود إلى العراق بعد زيارة العائلة التي أضناه الحنين إليها، ولعله يتمكن من العودة إلى العراق خلال ستة أشهر فلا تسقط عنه الجنسية العراقية ولا تصادر أملاكه. فضل الوالد البقاء في إيران بعد أن أصبحت حياة اليهود في العراق جحيما لا يطاق وقد هدّه الحنين إلى العائلة “ليش أش فضل من العمر، وخلي الأرض والأحلام تروح فدوه على راس أولادي!” وعاد إلى العائلة وهو يذرف الدموع كلما التقى بولد من أولاده الأربعة وبحفيد من أحفاده من ابنتيه.
بكت الوالدة وهي تطلق العنان لدموعها الحارة الغزيرة لتطفئ حرقة الفراق الطويل على كتف الوالد الذي عاد إليها فجأة وهي ممسكة بآخر تذكار لشبابها الراحل. أخذ سيارة أجرة من حيفا إلى القدس، ولكي لا تفاجأ الوالد ويغمى عليها، أرسل السائق ليقول لها، هناك رجل جاء من حيفا عن طريق الإسكندرون بسيارة تاكسي وليس لديه نقود إسرائيلية ويرجو أن تدفعي أجرة السفر”. وأدركت الوالدة من هو هذا الرجل الذي قدم على هذه الصورة، فقد تعودت على “دكة المحبوب الخزعلية” و “المكسورات” العديدة التي قام بها في حياتهما الزوجية. فهو لا يستشيرها بشيء، عملا بموقف الرجال من النساء في الشرق والذي يدعي الرجال المسلمون انه يستند إلى الحديث الشريف “ناقصات عقل ودين”، و”شاوروهن وخالفوهن!”. وعندما عُدتُ إلى البيت فتحت الوالدة باب الدار قبل أن افتحه بالمفتاح وقالت لي بصوت آمر وبجدية، لا تدخل إلى غرفتك! أريد أن أحدثك بشيء”، نظرت إلى وجهها الذي يتعمد الرصانة، وفجأة ومن دون وعي مني دفعتها عن طريقي وصحت بها: “والدي هنا، دعيني أدخل، دعيني أدخل!”، صدق حدسي، فقد كان والدي جالسا على سريري وهو ينتحب. فراق أحد عشر عاما، كعدد الكواكب التي سجدت ليوسف مع الشمس والقمر ذقنا فيها مرارة صراع التأقلم والدراسة باللغة العبرية، جالسين مدة الثلاثة أشهر الأولى دون أن نفهم كلمة من المحاضرات باللغة العبرية، ونسهر الليالي الطولية نتحضر لامتحانات آخر السنة.
كـنـّا آنذاك في السنة الأخيرة لدراسة الماجستير في علوم “ما اطّعم خبز”، وقد “راحت عليه” الأراضي التي اشتراها في بغداد الجديدة ولم يتمكن من تربية الأولاد ليصبحوا تجارا كما كان يشتهي، فلم يستطع أن يجعل منا تجارا مثله، فقد نال جاكوب درجة الماجستير في الاقتصاد ونلتُ ” ويا للعار” الماجستير في آداب اللغة العربية، ونال ريمون درجته في الفيزياء، ونال مراد أصغرنا سنا منحة لمواصلة دروسه في فن الرسم في فلورنسا وفي باريس، وهذه وصمة عار أفظع في جبين العائلة بالنسبة له ولأخي البكر: “أش عزا هذا الموضوع مال الشعاعير (الراقصين بزي النساء)، هذا غاح يقدغ يغبي مغة، يغبي اولاد؟ (ما هذا الموضوع الحقير، هل سيستطيع بواسطة مهنته المبتذلة هذه أن يعيل زوجة وأن يربي أولادا؟). وبالمال القليل الذي استطاع أن يستخلصه من براثن الرقابة والتفتيش العراقية، استطاع أن يخلصنا من سكنى الخيام والصرايف لشراء دار تليق بسكنى البشر وتبرع، وبما بقي من المال لديه من عزّ بغداد تبرع به لبناء قسم العيون في المستشفى شعريه تصيديك بالقدس، (ولعل السبب في ذلك هو أسفه لفقدان بصر العين اليمنى لأخته عمتي ريما لأنهم أخذوها إلى طبيب شعبي وليس إلى طبيب أوروبي ولم ينجح معها العلاج؟). ظل الوالد يردد بعد تبرعه لبناء قسم العيون: “ميا حيف ما انتفعت العراق بفلوسي وبالمستشفى مالي! لكن حكام العراق يعغفون بس هجمان البيوت، مثل سوق الغزل ما يحمل عمارة”. تبرع الوالد بما بقي له من مال دون أن يرف له جفن، “خطشلكم فلوس، الفلوس اتغوح وتجي، بس العلم يبقى! والحمد لله درستم وبعد اشويه تسيغون دكاترا، بعد أشتغيدون؟” (ماذا تفعلون بالفلوس، فهي غير مستقرة، العلم وحده الذي يبقى، والحمد لله لقد درستم وبعد قليل ستصبحون من حملة شهادة الدكتوراه، ماذا تريدون أكثر من ذلك؟). ولكن كيف موّلنا دراستنا في الجامعة العبرية؟ فهذا أمر آخر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *