الرئيسية » مقالات » تعدد السلطات المتنفذة و القيم دون الوطنية

تعدد السلطات المتنفذة و القيم دون الوطنية

المهندس الاستشاري / 

تتعمد الانظمة الشمولية والسياسات الاستعمارية ارساء العلاقات شبه الرأسمالية والرأسمالية مع الحفاظ على قيم المجتمع الاهلي (الولاءات دون الوطنية والوشائج الاصطفائية).. وبالاخص القيم العشائرية والطائفية..وتضمينها المحتوى الجديد لصالح ترسيخ انظمتها . وتحت راية التضامن العشائري والمظلومية الطائفية تعزز الاقطاب الاصطفائية سيطرتها الاقتصادية على مجاميعها محولة اياهم الى قطعان ترعاها ، ولتستثمر التقاليد العشائرية والطائفية في الاحتقانات الاهلية لمواجهة التضامنات الطبقية الامر الذي تسبب في زج العمال والفلاحين وسائر الكادحين في معارك لا مصلحة لهم فيها !. تسهم الوشائج الاصطفائية في استفحال الفساد ومظاهر الارتشاء والوساطة الى جانب تأثير البيروقراطية الادارية عبر الروتين العقيم والسلوك المتعالي للموظفين وتعقيد الاجراءات.
خلقت الرأسمالية التجارية والطفيلية في عراق ما بعد التاسع من نيسان البنى الاقتصادية – الاجتماعية الهجينية سليلة بنى العهد الصدامي و المغلفة بعباءات الولاء دون الوطني لتحفز بعض عناصر التطور الرأسمالي المشوه وفي الحدود الضيقة بما يخدم مصالحها فحسب… وتمخضت سياسات الاحتلال الاميركي حتى يومنا هذا عن احياء كمون الولاءات دون الوطنية ، دون تقديم اية بدائل رأسمالية متقدمة .. بل تكريس الوشائج الاصطفائية والعلاقات الاقتصادية المتخلفة التابعة لها…(طفيلية- كومبرادورية…) وتحت يافطات وشعارات ديمقراطية براقة – مجلس وطني منتخب ودستور دائم وحكومة مصالحة وطنية.. الخ لينتشر الفساد المتعدد الاوجه ، ولتتوسع قسوة الارهاب والطبيعة والآفات ، ويزداد تآمر كبار الملاك ورجال الدين على حقوق ومصالح العمال والفلاحين وخريجي الجامعات والكفاءات العلمية والثقافية ، وليقف الكادحون وجها لوجه امام الحياة في كفاحها اليومي المرير في سبيل البقاء والوطن الحر والشعب السعيد وسط صراع طبقي حامي الوطيس .
تعاضد الولاءات دون الوطنية الملاك والاقطاعيين الجدد وفحول الرأسمالية الطفيلية والكومبرادورية بالضد من متطلبات التقدم الاجتماعي وحاجات العلم ناشرة الخرافات معمقة الشعوذة والانقسام الطبقي .وتكبر الولاءات دون الوطنية في ابناءها اعمال الفوضى لأنعدام الضوابط القانونية والدينية ، ولتغرس في نفوسهم الولاء المطلق ، وليتحول ازهاق النفوس لأتفه الاسباب مفخرة لها ونصر لا يدانى . هكذا تتعدد السلطات المتنفذة مع القيم دون الوطنية.
يقوم التأسيس الاصطفائي على اسس تصون افراده بطرق قانونية وغير قانونية لتعيد انتاج العلاقات شبه الاقطاعية والرأسمالية مع بقاء المقومات التالية التي تعرقل قوة مساومة ومناورة الكادحين لأنتزاع حقوقهم المشروعة :
• التفاوت الشنيع بين الثروات العريضة للشيوخ والاغوات وكبار رجال الدين والائمة وآيات الله وبين فقر الفلاحين و عامة الكادحين المدقع.
• ارتفاع ارصدة رجال الدين الاكثر تطرفا مع مرور الوقت وامتلاك اكثر العناصر الدينية المسلحة تشددا والتي تتبنى الخطاب الطائفي الموتور في لعب شد الحبل والتنافس حول الاصول المالية المحلية ذات العلاقة بالعقارات والنفط .
• ازدواجية النخب السياسية الفاعلة بين الادانة الروتينية للطائفية السياسية والخطب الانشائية الفضفاضة الغامضة (محاولات الحفاظ على القوة الانشائية في التعبير والنصية في التفسير ) وبين انتزاع اكبر المكاسب من التفاعلات والمعادلات الجارية على الارض .
• الاعتراف المبطن للاحتلال الاميركي وحكومات ما بعد التاسع من نيسان بالولاءات دون الوطنية عبر الدستور الدائم وسلسلة من القوانين الوضعية.
• العقليات التبريرية السائدة وعصبيات التعلق بالطائفية والعشائرية وامجادهما واستغلال الكادحين.
• الجهود غير المشروعة التي تبذلها الطائفية السياسية للحيلولة دون نهوض المجتمع المدني وبالمراسيم سيئة الصيت المعروفة.
• الجهود غير المشروعة التي تبذلها الطائفية السياسية للحيلولة دون تطوير العمال والفلاحين وتثقيفهم ، والعمل على عزلهم عن كل ما يمكن ان يبعث امكانيات الانطلاق من عقال الاقطاع والعمامة الطائفية .
• محاولات الخصخصة والعودة بالعراق القهقرى واهمال قوانين الاصلاح الزراعي وتشريعات الحقوق النقابية العمالية .
• بقاء الفراغ الامني والاداري والسياسي لم تستطع اربعة سنوات كاملة من اعادة الاعمار التغلب عليه.. وتم ملء الفراغ الامني بالميليشيات وشركات المقاولات الامنية الخاصة والمافيات الاجرامية .
يكرس عجز الجمعية الوطنية ومجلس النواب عن الايفاء بواجباتهما النيابية البرلمانية الاساسية لجوء الناس الى الولاءات العصبوية المتخلفة غير الاصولية بسبب عدم حصول الشعب على حقوقه ( ان استراتيجيات النجاة قصيرة المدى حلت محل اجندات اعادة البناء بعيدة المدى)… اما المزج بين هذه الولاءات دون الوطنية وبين احدث النظريات في سيادة الدولة فهو تقليعة قذرة ودرس جديد في ديمقراطية الطائفية السياسية تسود بلادنا اليوم ليجر قطع الخدمات الاساسية تعمدا والتهجير القسري والارهاب اجراءا عقابيا واسلوبا في فهم واجبات الدولة وتوجيهها للأغراض الهدامة .
لقد لحق بالفعل عسفا كبيرا بمكانة الطائفة الديني والعشيرة الاجتماعي بفعل الامعان في توظيف هذه العوامل الاهلية في الاضطرابات الامنية ودور بعض التنظيمات الطائفية والعشائرية ورموزها المتنفذة في تكريس السطوة الشمولية والدكتاتورية واذلال الشعب . وتحولت الطوطمية الى اجلال لأقطاب الطائفية السياسية والولاءات الاصطفائية وتقديس لها ، وتحول التابو الى كل ما يتعلق بالتحريم ، والمحرمات الى توكيد لعدم جواز المساس بشخصية الشيخ – الاغا – الملا – السيد – آية الله …واملاكهم واقوالهم. ومارست الولاءات الاصطفائية ديمقراطيتها فطريا عبر الدواوين والروضات والحوزات والجوامع لتداول كل ما يهمها ويخص افرادها وحل مشكلاتها … لكنها بقت ولاءات عصبوية ذات نفس دكتاتوري مطلق لتوارث المناصب وقمع الحريات وقتل الديمقراطية المدنية البرلمانية في المهد.
يولد الجهل والامية والاضطرابات الامنية والانعزالية التربة الخصبة لترعرع تقاليد الوشائج الاصطفائية في ذاكرة الناس وعقولهم . عادت الانتماءات الاولية بالظهور في اسواق الولاء السياسي الرئيسية لتحل محل اي احساس بالانتماء الوطني او المصلحة الوطنية. والقوى السياسية لحركة شعبنا الوطنية ليست مجرد جمع جبري هندسي اداري ائتلافي توافقي تعشيقي بل هي بالاساس ضد تنظيمات الطائفية السياسية ومؤسسات الولاءات دون الوطنية المغروسة في سايكولوجية المواطن، وضد الاقطاع الطائفي السياسي داخل الوزارات والمؤسسات ذات العلاقة والمحاصصة وفق الولاءات الاصطفائية ونهب خزائن الدولة وهبات اعادة الاعمار لتمويل الميليشيات وملء الجيوب . ان تجريد العراقيين من الاطر الاصطفائية المتعصبة مهمة دقيقة وشاقة فهذه النزعات ذات مضار .. وينبغي التأكيد على مضارها بتدرج وصبر طويل . ومادامت الديانات السماوية نفسها لم تتمكن من انجاز مهمة دحر الطائفية والعشائرية فلابد من وعي هذه الولاءات الضارة مجددا ووضع اسس طويلة الامد لرفعها الى درجات الانتماء الوطني .. الدين لله والوطن للجميع .. وذلك بحد ذاته نضال مرير لأن الذي يكتسب المناعة لعدة قرون ليس من الهين الغاؤه في بضع سنوات . من هنا تتأتى النظرة الموضوعية .