الرئيسية » مقالات » كرة الزئبق العراقية بين الجمهوريين والديمقراطيين

كرة الزئبق العراقية بين الجمهوريين والديمقراطيين

صراع الجمهوريين والديمقراطيين الأمريكان حول قانون ميزانية تمويل القوات الأمريكية في العراق وأفغانستان بشرط جدولة انسحاب القوات الأمريكية من العراق، تخطّى قاعات حوار الدوائر المغلقة الى تبادل التقريع العلني و طلب اللجوء الى سلطة المحاكم، بعد ان تم تمرير هذا القانون في مجلسي النواب والشيوخ من قبل الديمقراطيين، و التمترس وراء الصلاحيات ” حق الرفض” من قبل الجمهوريين وزعيمهم جورج بوش.
رئيس الأغلبية الديموقراطية في مجلس الشيوخ هاري ريد، وصف نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني بأنه “كلب تهجمي”!، ردا على نعت ديك تشيني للديمقراطيين بالانهزاميين الذين عليهم “ان يتخذوا قرارات مبنية على مصالح أمن بلادنا وليس على مصالح حزبهم السياسية”. وحِدّة الشقاق هذه وصلت الى مطالبة نائب ديمقراطي أمريكي معارض للحرب في العراق بمحاكمة نائب الرئيس الأمريكي في مجلس النواب وعزله من منصبه وفق لائحة تتهم ديك تشيني بتضليل الأمريكيين فيما يتعلق بغزو العراق في العام 2003 وتهديده إيران مؤخرا دون سبب، ولأن “سلوك نائب الرئيس كان له اثر هدام على الأهداف المؤسسة لدولتنا.”
تصاعد حدة الصراع بين الحزبين يأتي في أسابيع مهمة وحرجة بالنسبة للحكومة العراقية ومجمل سير العملية السياسية السلمية التي يراهن على نجاحها العراقيون. ففي الجانب الداخلي فان إجراءات خطة فرض القانون لا تزال في بداياتها وهي لم تستكمل بعد مستلزمات نجاحها الفنية بسبب حداثة أجهزة الحكومة الأمنية وفقر تجهيزاتها التقنية، وكذلك التلكؤ في السير بعملية المصالحة الوطنية بل والاستخفاف بها أحيانا، والتغيير الوزاري الموعود الذي لا يزال وعدا.
أما في الجانب الإقليمي والدولي فان الحكومة العراقية ترى في انعقاد مؤتمر إعلان العهد الدولي في مطلع أيار مايو القادم في شرم الشيخ بمشاركة دولية قياسية موعودة، وكذلك انعقاد مؤتمر وزراء الخارجية الموسع للدول المجاورة للعراق بمشاركة الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن ، إنجازا سياسيا واقتصاديا وامنيا كبيرا يساعد في احتواء الأزمة العراقية ويمهد للخلاص منها.
وإذا كانت هناك مجموعة عوامل ضاغطة باتجاه منع الفكاك من الأزمة العراقية، منها عوامل التخندق والاحتراب الطائفي والعرقي والفساد والتدخل الإقليمي السلبي وجرائم التنظيمات الإرهابية الظلامية التي باتت معروفة بتفاصيل منابعها وأدواتها وأهدافها و تتمنى بل تسعى الى إسقاط الحكومة الحالية تمهيدا لإفشال العملية السياسية السلمية برمتها، فأن تصاعد حدة الصراع الأمريكي الأمريكي بين الجمهوريين والديمقراطيين بسبب معلن هو تحديد جدول انسحاب القوات الأمريكية من العراق وارتباط هذه الجدولة بالموافقة على تمويل نفقاتها لفترة العام القادم، انعكس وسينعكس بالضرر و بوضوح اكبر على تطورات القضية العراقية خصوصا وان مصادر فئات متنفذة في الحزب الديمقراطي أخذت بالإيحاء الى أن الانتصار الحاسم على جورج بوش و إدارته الحالية يمكن أن يمر عبر طريق غير وعر يتلخص بإفشال تطبيق خطة فرض القانون وإسقاط حكومة المالكي حتى قبل نفاذ المدة المقترحة لإتمام تحقيق هذه الخطة في الخريف القادم، وذلك لتأكيد برهان الحزب الديمقراطي أمام الناخب الأمريكي على الفشل التام لمسار بوش في العراق والمنطقة.
وهكذا صارت القضية العراقية كرة من زئبق يسعى كلا الحزبين الإمساك بها سعيا لاستثمارها أداة انتخابية لكسب أصوات الناخبين الأمريكان بعد ان افلح الديمقراطيون باستغلال تداعياتها والفوز بالأغلبية في انتخابات تشرين الثاني/ نوفمبر من العام الماضي في مجلسي النواب والشيوخ بعد اثني عشر عاما من سيطرة الجمهوريين على المجلسين.
ان إيحاء الديمقراطيين المغامر هذا ان تحقق، له عواقبه المأساوية على العراق والمنطقة، وهو حماقة لا تقل عن حماقة غريمهم الرئيس جورج بوش. فهل يتأكد اتهام ” الكلب الجمهوري التهجمي” للديمقراطيين بأن قراراتهم تبنى على مصالح حزبهم السياسية ولا يتورعون في سبيل الفوز بالانتخابات الرئاسية والبرلمانية على اتباع مبدأ الغاية تبرر الوسيلة مهما كان الثمن؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *