الرئيسية » مقالات » تلوث مياه العراق وتاثيراته

تلوث مياه العراق وتاثيراته

 باحث كيميائي / المانيا
بيد ان مأساة العراق تكمن في انتشار اخطر وباء بين المجتمع وهو مظاهر التخلف في النزعات العشائريه والطائفيه والعرقيه فقد تمكن المحتل بدقه بالغه في احداث اعظم انهيار لهذا البلد لم يشهده منذ الهجمه التتريه المغوليه التي ازالت تاريخ بغداد عن بكرة ابيها كما يقال . ومن ثم توالت قرون الظلام لحكم بني عثمان الا ما ندر من وقفات لبعض السلاطين ولفترات وجيزه لترى بغداد شيئا من النور وفي مجمل الحكم العثماني كانت بغداد مركزا للتناقضات والمنازعات بعد ان كانت تحتضن مركز الاشعاع الحضاري والمعرفي وخير دليل هو مراجع الدوائر الغربيه التي تحتفظ بذلك الارث الحضاري لبلاد الرافدين او بلاد ما بين النهرين وقد امتازت ايام الازدهار في الخلافه العباسيه بارض السواد اثر كون البلاد غارقا بين الاشجار والبساتين بالاضافه الى حضارة العرب والاسلام وحضارة بابل ونينوى وأور .
لعل مقدمة موضوعنا عن الوباء الذي اصاب البلاد في النزعات العشائريه والطائفيه والعرقيه والدينيه والتي تدافع عنها للاسف حلقات ليست سهله في العراق هذه المقدمه الماساويه تقودنا الى ما هو اخطر وهو سرطان الطبيعه او التلوث ، فطالما لا يمكننا استئصال هذا الورم فانه سيستفحل وينتشر ليشل حياتنا رويدا رويدا . وهذا الداء يكون مخيفا لما يكون المجتمع يطلع عليه ولا يتمكن من تحسسه وبذلك يصبح الانسان يتوجه كالحيوان في نشاطه اليومي مع الفارق ان الحيوان يمتلك جهاز مناعه يتمكن من التكيف مع بيئته ان كان ملوثا ووسخا ولحين من الزمن ليصبح هو ايضا عنصرا غير نافعا ويتحول الى ماده سهلة الافتراس لحيوان آخر . اما الانسان ولانه يمتلك العقل والتفكير والمنطق الذي لا نجده عند الحيوان فانه يفترض ان يتحاشى الاسباب التي تهدد حياته وليس التفرج على تداعيات اهمال البيئه كما نشاهده في هذا البلد العريق . هذا ما يحدث في العراق اليوم وتحت وطأة الاحتلال ومعه الجهل والتخلف والابتعاد عن النهج العلمي للحياة . كما وان المحتل يتفنن في تعميق ما زرعه صدام اذبان 35 عاما من الحكم الهمجي وينتهج كل ما يرسخ التخلف والجهل وبعكس الشعارات التي جاءت بها لتجربة العراق في الشرق الاوسط وما شاكل .. وبالعوده الى موضوع بحثنا التلوث .
اذا استمر اهمال التعامل مع البيئه من ماء وهواء وتربه وكما نرى فلا نجد الا السكان وبعد بضعة عقود وقد انتشرت بينهم مختلف العاهات والامراض المتوطنه التي اختفت منذ عقود حتى في اكثر بلدان العالم تخلفا ، هنا وبقدر ما يسع المقال نتحدث عن تلوث مياه انهر العراق في مختلف مناطقه . فتعتبر مدينة بغداد اكثر مناطق العراق اكتظاظا بالسكان والمنشاآت والمشاريع صناعيه ام زراعيه او حرفيه . ففي جنوب بغداد يتلقى نهر دجله مئات الاطنان يوميا فضلات المجازر ومعامل الطابوق في جنوب مدينة بعقوبه والفضيليه والكماليه والرستميه ونهر ديالى بالاضافه الى الفضلات الصناعيه الثقيله للمنشاآت النفطيه في كل من مصفى بيجي والدوره والمعامل الاخرى لوزارة الصناعه في سامراء والتاجي وابي غريب . وهكذا لا تقل حصة نهر الفرات ايضا من هذه الفضلات مع الفارق ان نهر دجله اكثر تلوثا بسبب كونه يخترق بغداد .
في منتصف التسعينات بلغت نسب التلوث حدودا مخيفه وان تحدثنا بالارقام فان هذه البيانات لوحدها كافيه بالتعرف على مدى انهيار البلاد من دون التطرق الى باقي التداعيات . ففي منطقة الرستميه وعند ملتقى نهر سيروان / ديالى بدجله في منطقة جسر ديالى هناك العجب في قراءة مزايا ومواصفات مياه كل من نهر سيروان / ديالى ونهر دجله . كلنا يعرف ان نهر سيروان ينبع من المناطق المحاذيه للحدود الايرانيه شمال مدينة حلبجه منحدرا الى مدينة دربنديخان وثم منطقة كَرميان ليصل منطقة المنصوريه وثم مدينة بعقوبه ومن ثم ملتقاه بدجله جنوب بغداد في الرستميه . عند منابعه يمتاز نهر سيروان / ديالى بكون نسبة املاحه لا تتعدى 250 جزء بالمليون ان لم تكن اقل . ففي منطقة بانيخيلان مثلا انشأ صدام مصنعا للمياه المعدنيه انتج قناني بلاستيكيه تحت اسم مياه الفرات . وكان فعلا هذا الماء يمتاز ياحتوائه على نسبه مثاليه للاملاح لم تتعدى عن 200 جزء من المليون . وان نسبة الاملاح في المياه التي تعتبر صالحه للشرب يحب ان لا تتعدى عن 1500 الى 2000 جزء بالمليون في اسوأ الاحوال وفي معظم المجتمعات المتحضره لا يمكن تقبل الماء الذي تزيد املاحه عن 750 جزء بالمليون . ومن هذه البيانات الاوليه اذا انتقلنا الى ماء دجله وسيروان / ديالى جنوب بغداد نجد المآسي والكارثه التي تفتك ببطء بالسكان دون معرفه او درايه للاسف . لقد تجاوزت نسبة املاح جنوب بغداد 10 آلاف جزء من المليون ربما اكثر من هذا الرقم المخيف . اما اذا لاحظنا لون الماء الذي يفترض كونه رائقا دون لون كالمعتاد فان لون الماء في منطقة الرستميه اصفر مائل للاخضر وبرائحه كريهه جدا تعطي دلاله واضحه على شدة التلوث .
هناك مجمع سكني لوزارة النفط تتحمل نقل تلك المياه لارواء بيوته بعد اجراء بعض التحسينات عليه وبالرغم من هذه الجهود لكن لا يمكنهم التغلب على جميع النواقص ويبقى مائهم ذو لون اصفر خفيف وبرائحه نتنه شيئا ما . والجدير بالملاحظه ان مياه جنوب بغداد لا تصلح حتى للاغراض الزراعيه نظرا لاحتوائها على الفلزات الثقيله كالفناديوم والنيكل والرصاص والكروم والزرنيخ بالاضافه الى المغنيسيوم والكالسيوم الذان يسممان التربه وتعطي محاصيل حقليه ضعيفه ومشوهه بالاضافه الى ملاحظة السكان وقد ظهر على النشأ امراض غير عضويه كالتشوهات في البنيه البدنيه وضعف البصر ووهن الجسد والعظام وما شاكل . وتزداد المشكله تعقيدا كلما اتجهنا جنوبا وخصوصا في شط العرب في البصره فجميع المبازل ترمي بفضلاتها في نهري دجله والفرات دون رحمه . قد يقال ان المشكله هذه اهون من الانهيار الامني بالرغم من كونها موت بطئ لكن المصيبه تتعاظم بعد عقود لنجد ارض السواد مقفره كليا وامتدت الصحراء الى بيوتنا وتلك هي مأساتنا ونحن غارقون في بطون الجهل والخرافه منتظرين احدا من اعماق التاريخ لينقذنا من محنتنا والله المستعان كما يقال …

تعليق واحد

  1. النا الله يا كاكه مصطفى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *