الرئيسية » مقالات » هل هناك نقد لموقفي في المؤتمر أم محاولة للإساءة والتشويه ؟

هل هناك نقد لموقفي في المؤتمر أم محاولة للإساءة والتشويه ؟

وصلتني من أحد الأصدقاء رسالة معممة إلى بعض الأصدقاء الديمقراطيين المعنيين بالشأن الديمقراطي! سأحاول مناقشة هذه الرسالة ولغرض وضع القارئة والقارئ في صورة المسألة المطروحة للنقاش أنشر هذه الرسالة لأنها لشخص مجهول الهوية كملحق بهدف الإطلاع عليها, كما سأنشر مقالتي لكي يطلع عليها من لم يتسن له حضور المؤتمر ومن يرغب بمعرفة ما جرى كملحق أيضاً.

حوار مع صاحب رسالة مجهول الهوية والعنوان

سأحاول مناقشة الأفكار الأساسية لهذه الرسالة ثم أضع ملاحظات على البعض الآخر.

1. تنطلق الرسالة من وجود مؤامرة ضد المؤتمر ينفذها أحد الأصدقاء الحميمين لكاظم حبيب الذي يتميز بطيبة القلب وبسيط إلى حد وقوعه في فخ نصبه له ذلك الصديق الحميم. وأن الهدف من هذا الفخ هو نسف المؤتمر.
كم تبدو لي أن فكرة المؤامرة قد عششت في رؤوس بعض العراقيين بحيث أصبحوا عاجزين أن يتصورا أن هناك من له وجهة نظر أخرى خاصة به يعبر عنها كما يشاء, ولكن لا يعني ذلك انه يريد تهديم العملية السياسية التي خاضتها لجنة دعم الديمقراطية. فالشخص المقصود الذي لم يذكر اسمه هو الأخ فخري كريم, وهو صديق حميم واحترمه وله رأي في المؤتمر ولا يعني اتفاقي معه بهذا الرأي أو بغيره, ولكنه لم يعمل ضده وانتقد الطريقة التي جري فيها العمل مباشرة مع أعضاء اللجنة ذاتها, ولكنه لم يتدخل في دفع أحد إلى مناهضة هذا المؤتمر, وأبدى منذ البدء عدم رغبته في حضوره. ولكن كان لا بد لكاتب الرسالة أن يحترم رأي هذا الإنسان ذي الخبرة الطويلة بالعمل السياسي بدلاً من اتهامه بالمؤامرة والتآمر ضد المؤتمر أولاً. وكان عليه أيضاً أن يحترم رأيي إذ ساندت المؤتمر منذ اليوم الأول ولم أقف ضده بل كنت مستعداً لكتابة ورقه عمل وضعتها تحت تصرف اللجنة وفق طلب اللجنة وعبر رئيس اللجنة, وأملي أن يكون كاتب الرسالة قد أطلع على هذه التفاصيل. ولو كانت لي ملاحظات على المؤتمر لأشرت إلى اللجنة ذاتها التي كلفت رئيس اللجنة ببحث مجريات المؤتمر معي حين لقائي برئيس اللجنة في لندن قبل عقد المؤتمر بثلاثة أسابيع تقريباً. ولكني أخبرت رئيس اللجنة أثناء انعقاد المؤتمر, وبعد إطلاعي على الأوراق المطروحة للمناقشة, بأن المؤتمر عقد لغرض تنشيط دور التحالف الكُردستاني في دعم القوى الديمقراطية العربية, وأن التقارير المكتوبة لم تتطرق إلى هذا الموضوع الحيوي ولا بد من الإشارة إليه وسأطرحه في مطالعتي, إضافة إلى ملاحظات أخرى في إطار الوقت الذي حدد لي بثلاث دقائق كما هو حال بقية المشاركين. إن الشعور بوجود مؤامرة, وأنا السياسي المحنك, كما يقول كاتب الرسالة, تهمة بائسة وتستوجب الشفقة على كاتبها لأنها تعبر عن إصابة صاحبها بعقدة التآمر عليه وعلى المؤتمر. وخلال وجودي في كُردستان لم أتحدث مع الصديق ورفيق النضال الطويل فخري كريم أي كلمة حول هذا المؤتمر, وليس هناك ما يمنعني من قول الصدق. أملي أن يعتذر كاتب هذه الرسالة للصديق الحميم ولي حول اتهامنا بالتآمر لنسف المؤتمر وعلى اتهامي بالطيبة الساذجة والسقوط في الفخ الذي نصبه لي صاحب جريدة المدى. والمشكلة الكبيرة تبرز في قناعة البعض بوجود قوى تريد إفشال التجربة, وأن هذا الفخ لم يكن الوحيد, بل كانت هناك بصورة مباشرة أو غير مباشرة أفخاخ أخرى كلها فشلت في تفليش المؤتمر. أليس من حقي أن أتساءل: كم بين الديمقراطيين من يتميز بالقسوة في توجيه الاتهامات دون الوعي بحق الناس في تبني وجهات نظر أخرى تختلف مع كاتب الرسالة, فكل وجهة نظر مخالفة لرأي كاتب الرسالة المجهول الهوية هي مؤامرة ضد اللجنة وضد المؤتمر. هل نسى كاتب الرسالة البائسة, وبؤس ما كتب, أو تناسى, إن كان بين من حضروا المؤتمر, بأني تحدثت عن ضرورة عقد مؤتمر لاحق يطرح فيه برنامجاً جديداً واستخدام الإعلام لنشر وترويج الأفكار التي نوقشت في المؤتمر. فمن يسعى إلى تخريب المؤتمر ونسفه لا يتحدث من منبر المؤتمر إلى جانب عقده مرة أخرى وتشكيل لجنة تحضيرية له تحت إشراف لجنة دعم الديمقراطية, فهل كان السيد المجهول حاضراً في هذا المؤتمر, أم كان حاضراً ويعاني من غيبوبة أو كان بعيداً عن سماع أراء الآخرين ولا يسمع سوى رأيه , أم كان غائباً أصلاً عن المؤتمر؟
كما كان بودي أن لا يمر مرور الكرام حين كتب يقول بأن كاظم حبيب لم تكن هذه هي المصيدة الأولى التي يقع فيها, أن يشير إلى تلك المصائد الأخرى علي أستطيع الاتفاق معه بشأنها أو الردً عليها, إذ من غير المعقول أن يطرح تشكيك عام بوجود مصائد!
2. أرجو من قرأ مقالتي ومن قرأ أو يقرأ الآن رسالة السيد مجهول الهوية والاسم أن يحكم إن كنت أتحدث من عل ومتعال على الأخوات والأخوة في المؤتمر أم في أي مكان آخر, أم كنت أطرح بصراحة ووضوح ما أنا مقتنع به. إن حرصي على أن يطلع كل من يهمه الأمر على هذا النقاش هو الذي ألزمني بنشر المقال والرسالة صاحب الهوية المجهولة. ولا أريد أن أضيف على ذلك كثيراً. وطلبتي في الجامعة وأصدقائي في الوظيفة وفي العمل الحزبي سابقاً وفي النشاط السياسي وأصدقائي جميعاً يعرفون سماتي الشخصية ولا يغيب عنها عدم التواضع.
3. لقد كتبت نقداً للتجربة الكُردستانية, والنقد يحمل دائماً جانبين التقييم الإيجابي والتقويم للتجربة من نواحيها السلبية, ونقدي ينطلق, كما أرى, من مواقع الحرص على هذه التجربة الغنية وليس من مواقع الإساءة لها. وبالتالي ما كتبته من نقد للتجربة نشر في صحيفة التآخي ونشر في جريدة خه بات بالكُردية بعد ترجمته, وهما جريدتان تصدران عن الحزب الديمقراطي الكُردستاني, كما نشر في جريدة الاتحاد, وهي تصدر عن الاتحاد الوطني الكُردستاني. أحترم وأفضل النشر في هذه الجرائد واحترم استعدادها لنشر النقد البناء في صحافتها, وهو يعبر عن الإدراك بأهمية النقد البناء للتجربة الكُردستانية من جانب الحزبين ومن جانب رؤساء التحرير وهيئاتها. والنقد للتجربة الكُردستانية لم أنشرهً في جريدتي المفضلة التي يقصد بها كاتب الرسالة جريدة المدى التي تصدر عن دار المدى وصاحبها ورئيس تحريرها الصديق الحميم الأستاذ فخري كريم, ولكني نشرت نقداً حول لقاء المدى الثقافي في العام 2006 في جريدة المدى, وقد رحب صاحب الجريدة ورئيس تحريرها بذلك النقد ولم يجده مؤامرة لنسف اللقاء الثقافي كما تصور صاحب الرسالة أن نقدي ومطالعتي هي لنسف المؤتمر وأنها مؤامرة ضد المؤتمر. كما أن صحفاً ومواقع كثيرة تنشر مقالاتي النقدية الإيجابية والسلبية حول تجربة إقليم كُردستان العراق وحول العراق عموماً.
4. هل كانت مطالعتي نقداً للحزبين الكُرديين, الحزب الديمقراطي الكُردستاني والاتحاد الوطني الكُردستاني, وهل كان النقد في مكانه. أنطلق في رؤيتي للتجربة الكُردستانية على أنها طليعية على ثلاثة مستويات:
• المستوى الكُردستاني, أي للشعب الكُردي في العراق وبقية القوميات القاطنة في الإقليم.
• مستوى بقية أقاليم كُردستان التي تشكل معاً كُردستان الكبرى المجزأة وشعوب كُردستان التي تشكل الأمة الكُردية المجزأة.
• على مستوى العراق بقسميه العربي والكُردي, وربما على مستوى المنطقة.
ومن هذا المنطلق أسعى, وعبر اجتهادي الشخصي واستقلالي الفكري, أن أقيم وأقوّم التجربة, فأن أصبت فبها ولا أطلب جزاءً ولا شكورا, وأن أخطأت فلهم الحق في نقدي, إذ لست معصوماً عن الخطأ, ولكن: ما ينفع الناس يبقى على الأرض, أما الزبد فيذهب جفاء. ومن هذا المنطلق الحريص على التجربة الكُردستانية والذي لا يطمع في منصب أو مال أو شكر وجهت نقداً حول ثلاث نقاط ورد الحديث عنها في التقارير المقدمة للمناقشة, (يمكن الحصول على الوثائق من لجنة دعم الديمقراطية):
أ‌. أشرت أولاً إلى الوضع الصعب الذي تعيش فيه الحركة الديمقراطية العربية في القسم العربي من العراق والكبوة التي يفترض أن ينهضوا منها, وقلت بأن التحالف الكُردستاني, ولم يكن الحديث موجهاً إلى الحزبين فقط, عليه أن يدعم القوى الديمقراطية للنهوض من كبوتها لا بالتخلي عن تحالفاته الراهنة التي هي ناتجة عن ميزان قوى معين يفرض نفسه على التحالف الكُردستاني, بل التحري عن سبل لدعم هذه القوى الديمقراطية, لأنها تعيش محنة وأزمة طاحنة, ولأن من مصلحة كُردستان والعراق على المديات القريبة والمتوسطة والبعيدة أن تنهض القوى الديمقراطية العربية وغيرها الحليف الطبيعي للقضية الكُردية وللشعب الكُردي وقواه الديمقراطية..
ب‌. أشرت ثانياً إلى أهمية تعميق الديمقراطية ومضمون الحرية من خلال تغيير الواقع الاقتصادي والاجتماعي القائم في كُردستان, والذي هو ثمرة التهميش السابق والطويل للشعب الكُردي وإلى أن الديمقراطية بحيث إلى تغيير في البنية الاقتصادية والاجتماعية والوعي الاجتماعي.
ت‌. أشرت ثالثاً إلى الفساد المالي والإداري الموجود في كُردستان, والذي استحى التقرير الإشارة إليه وركز على الفساد المالي والإداري بشكل عام في وقت يجري الحديث وراء الكواليس بصيغة أخرى. في حين أن الإخلاص للشعب الكُردي وقضيته العادلة وتطور الإقليم وحياته الجديدة تستوجب الصراحة والصدق في أن أشير إليه في كُردستان لأن استمرار وجود الفساد يفضي, شئنا أم أبينا, إلى بروز الإرهاب وإلى استفادة القوى المتطرفة منه ضد التجربة الكُردستانية التي نريدها أن تكون طليعية. وعلينا أن نقتنع بأن الإرهاب السائد في القسم العربي من العراق هو الوجه الأول من العملة أما وجهه الثاني فهو الفساد المالي والإداري. هذا ما كنت أريد أن أحذر منه. كما أن المسئولين في إقليم كُردستان العراق يعرفونه ومن استمع إلى تصريحات السيد رئيس الإقليم, مسعود البارزاني, يدرك بأن القيادة السياسية هناك تعرف هذه المشكلة وتعرف أهمية وضرورة مكافحتها.
لقد قوطعت هنا في هذه النقطة ومنعت من الحديث بإصرار, فهل في هذا الحديث من تآمر على قضية المؤتمر, أم كان يجسد ضيق أفق وصدر من جانب من قاطعني ومن ثم من تحدث عن التمييز بين الأساسيات والجزئيات, علماً بأن حديثي لم يكن قد انتهى وكنت أرغب في استكمال الحديث عن أهمية الحوار بين القوى الديمقراطية وضعف القوى الديمقراطية العربية ومسؤولية فكر البعض منها في الموقف من القضايا التي يطرحها التحالف الكُردستاني الذي أعاق ويعيق التحالف مع القوى الكُردستانية. لم يمنحني السيد مدير الجلسة الفرصة للحديث عن أخطاء الآخرين من القوى الديمقراطية.
لا أدعي, وليس من حقي أن أدعي, بأني أعي أو أدرك الواقع الكُردستاني أكثر من الأخوات والأخوة الكُرد الذين يعيشون ويعملون ويناضلون في كُردستان من أجل غدٍ أفضل وحياة أكثر ازدهاراً وسعادة, سواء أكانو من المسؤولين أم من بقية المواطنين, ولكن من حقي كإنسان أن يطرح ما يراه مناسباً للمناقشة وتبادل الرأي وليس من حق أحد أن يحرمني بحجة أن الحرية غير مطلقة بل نسبية. النسبية هنا مدى صواب رأيي أو خطأه فقط, وليس في حقي بطرح وجهة نظري في قضية مطروحة أصلاً للبحث أيضاً ضمن التقارير المقدمة للمؤتمر. أريد أن أكون أكثر وضوحاً: كافة الأخوة الكُرد, مسئولين أم غير مسئولين, في كُردستان العراق لا يريدون المديح من أحد إلا بما هو واقع, ولكنهم يريدون سماع وجهة نظر الآخرين بتجربتهم, وإلا لما احتاجوا إلى وجهات نظر الآخرين. الصراحة الواقعية والمسؤولة تحتل أهمية استثنائية في التجربة الكُردستانية الجديدة والغنية.
عندما نعقد أي مؤتمر في إقليم كُردستان وفي أربيل عاصمة الإقليم لا يعني بأي حال أن نجامل الأخوة المسئولين في ما نرى من أخطاء, ولكن علينا في كل الأحوال أن نحترم وجهات نظرهم وأن نحترم تجربتهم, وأن نطرح أيضاً نجاحاتهم وأن لا ندعي بأننا نمتلك الحقيقة المطلقة أو أن الحق معنا فقط وليس مع غيرنا أيضاً وأن رأيي يحتمل الخطأ والصواب, كما هو رأي الآخرين.
لم يكن احتجاج المؤتمر على طريقة التعامل معي من مدير الجلسة ومن رئيس لجنة دعم الديمقراطية عبثياً أو حباً في سواد عيون كاظم حبيب أو طيبته ولا لدعم ما ادعاه من مؤامرة فخري كريم وكاظم حبيب ضد المؤتمر, بل كانت دعوة صريحة وجريئة وعادلة لأن تكون إدارة المؤتمر أكثر ديمقراطية وأن يكون لها صدر رحب في مواجهة النقد الذي يوجه وأن لا تنطلق من وجود مؤامرات ضد المؤتمر لنسفه في رؤية أو أحكام مسبقة الصنع تعبر عما يسمى بعلم النفس الاجتماعي الطراز النمطي أو ستيرو توب.
لقد ختمت مقالتي بالنص التالي:
“لقد كان المؤتمر تجربة جديدة ومهمة فقد جمع عناصر ديمقراطية من أحزاب مختلفة وشخصيات مستقلة وقوى ديمقراطية وقومية وشيوعية واشتراكية وإسلامية ديمقراطية, وهذا بحد ذاته مكسباً. وكان حصول تباين في وجهات النظر في عراق ما زال ينزف دماً متواصلاً وحديثاً غير متواصل بين هذه القوى لتحقيق التعاون والتآلف في ما بينها أمراً ممكناً واعتيادياً. وسوف نحتاج إلى وقت طويل لتحسين الفهم المتبادل في ما بيننا”. فهل في هذا محاولة لنسف المؤتمر ومنع دوره؟
لم يهدد الطرف الكُردستاني بالانسحاب من المؤتمر بسبب ملاحظاتي, بل جاء بعضهم يعتذر عما حصل معي, وكان التهديد قد صدر عن واحد أو اثنين حول الموقف من المادة 140 من الدستور العراقي الدائم, في حالة عدم تبني المؤتمر لها. ولم يكن هذا الموقف جاداً, إذ أن غالبية المؤتمرين كان لهم موقفهم الإيجابي وواضح من هذه القضية.
لقد قرأت الرسالة بإمعان وتدقيق ووجدت لزاماً عليً أن أصحح الموقف وأملي أن يكون للجنة رأيها في رسالة كاتبها المجهول الذي أراد أن يتحدث باسمها, ولكنه استحى من ذكر اسمه, وأرجو أن لا تجير على اللجنة, إذ أعرف تماماً إن بين أعضاء اللجنة من له الحصافة الكافية ولا يتورط بمثل هذه الرسالة غير الودية والمغرقة بالذاتية والخشية من الآخر.
أتمنى على من شارك في المؤتمر وعلى من شارك في إدارة الجلسات, أن يساهموا في هذا النقاش لصالح نتائج المؤتمر التي لم تنشر حتى الآن ولصالح تعزيز الديمقراطية وبعيداً عن الإساءات أو تجريح الآخرين. وأتمنى للجنة التي شكلت وسيكون مقرها في بغداد النجاح والتقدم على طريق لملمة القوى الديمقراطية العراقية, ويسعدني أن يتبنى السيدان رئيس الجمهورية ورئيس الإقليم هذه اللجنة بالرعاية والحماية والدعم.
برلين في 25/4/2007 كاظم حبيب
الملاحق 1 و2
الملحق رقم 1
كاظم حبيب
هل من سبيل إلى ممارسة النقد في الحياة السياسية العراقية؟

تترك طبيعة النظام السياسي القائم في بلد ما وممارساته اليومية بصماتها العميقة بشكل مباشر وغير مباشر على سلوك الأحزاب والأفراد والجماعات دون أن يشعر هؤلاء بتأثير تلك النظم, إذ أنها تعتبر حالة عامة تمارس في حياتهم, سواء من جانب الحكومة أو من جانب الآخر, سواء أكان فرداً أم جماعة أم حزباً سياسياً أم منظمة غير حكومية. فالنظام السياسي المدني الديمقراطي المتحضر يتصرف الفرد أو تتصرف الجماعة أو الأحزاب أو الحكومة فيه بروح ديمقراطية إزاء بعضهم البعض الآخر ويجدون في الحوار والنقد المتبادل صيغة ضرورية لعملية تطوير الفرد أو المجتمع أو الحكومة ذاتها , وبالتالي تطوير النظام السياسي القائم الذي يعيشون في ظله ويحتمون بدولة القانون والمؤسسات الدستورية. وفي النظام السياسي الدكتاتوري تغيب الديمقراطية ويغيب الرأي الآخر ويسيطر القمع وبالتالي لا مجال للنقد ولا حتى النقد الذاتي , وبالتالي فالأفراد تتلبسهم ذات الصفات دون أن يدركوا غرابة ذلك , إذ أن تلك السمات التي تميز النظام تتغلغل إلى نفوس وعقول وممارسات الأفراد عبر الزمن وتتكرس في دواخلهم وتصرفاتهم اليومية دون أن يشعروا بخطأ تلك التصرفات , إذ أنها تصبح جزءاً منهم.
وفي النظم السياسية التي ما تزال تعيش بين مدينتي نعم ولا , وخاصة تلك التي خرجت لتوها من قبضة الدكتاتورية وتعيش مرحلة تحول معقدة وصعبة ومليئة بالمخاطر, إضافة إلى الخشية من الجديد الديمقراطي غير المألوف وغير المعروف وحيث أن القيم والمعايير الديمقراطية لم تجد بعد طريقها إلى التعامل اليومي , فأن من الصعب حقاً ممارسة النقد, دع عنك النقد الذاتي. إذ أن النقد للظواهر السلبية في هذا البلد أو ذاك , مهما كان بناءً وهادئاً ومعقولاً, يبدو لمن في السلطة أو في أجهزتها الإدارية أو في صفوف الجهاز الحزبي أو الإعلامي وكأنه محاولة للإساءة للنظام القائم ولقادة ومسؤولي النظام , وبالتالي يبدو الطرف الناقد لتلك الظواهر السلبية الصارخة والمعترف بها من حيث المبدأ وكأنه العدو بعينه الذي يريد الإجهاز على هذا النظام والإساءة إلى سمعته. فضيق الأفق والصدر يدفعان بالأجهزة الوسطية والقاعدية إلى رفض أي نقد والإساءة إلى الناقد بطريقة فجة وفظة تجعل المستمع يشعر بالحزن على تلك الأجهزة التي تريد المدح لا النقد, وبالتالي تسيء إلى القيادة لأن البعض ذلك توجيهاً منها, ويأمل الإنسان أن لا يكون كذلك.
هذه المقدمة القصيرة والضرورية أوردها لأتحدث عن مشاركتي في مؤتمر دعم الديمقراطية الذي عقد في مدينة أربيل عاصمة إقليم كُردستان العراق في الفترة الواقعة بين 10-12/4/2007. وأكتب هذا بسبب كثرة الهواتف التي تسلمتها والتي تتساءل عما حصل لي في هذا المؤتمر. ولكي لا أترك مجالاً للقيل والقال والتفسيرات غير الضرورية أشير إلى ما يلي:
شاركت في مؤتمر دعم الديمقراطية كضيف لا غير ولم أكن عضواً في اللجنة القيادية لدعم الديمقراطية ولا في اللجنة التحضيرية, وكنت مهتماً في أن يلعب هذا المؤتمر دوراً مهماً في تقريب وجهات النظر بين القوى والأحزاب السياسية الديمقراطية العراقية من أجل تفويت الفرصة على قوى الإرهاب والقوى المناهضة للديمقراطية في إفشال المسيرة السياسية للعراق الديمقراطي المنشود وغير القائم حتى الآن والتصدي للردة السياسية والاجتماعية التي يعاني منها العراق حالياً. وقد جاء اختيار مدينة أربيل موفقاً لأسباب عديدة بما في ذلك وترحيب رئاسة الإقليم بعقده في أربيل وسيادة الأمن والاستقرار فيها والدعم المالي لعقد هذه الندوة فيها , إضافة إلى الرغبة لدى الضيوف في أن يلعب التحالف الكُردستاني دوراً مهماً وطليعياً في دعم القوى الديمقراطية العربية للنهوض من كبوتها الراهنة وضعفها البارز والتشوش الفكري والتبعثر السائد في صفوفه غالبيتها. وهو دون أدنى شك يتضمن تأييداً ودعماً لإقليم كُردستان رئاسة وحكومة وشعباً من جانب القوى الديمقراطية العراقية في الداخل والخارج. وقد افتتح هذا المؤتمر من قبل رئيس إقليم كُردستان العراق, السيد مسعود البارزاني , الذي قدم كلمة مهمة حول دور القوى الديمقراطية والمهمات الراهنة.
وفي مثل هذه المؤتمرات لا يمكن تصور وجود رأي واحد , بل أراء كثيرة, وخاصة في صفوف المثقفين والسياسيين الديمقراطيين في العراق , وبالتالي يحتاج الإنسان العامل والمشخص للعمل في هذه المجالات أن يمتلك الحنكة والحكمة والرؤية الواعية للتعامل الواعي والسليم مع مختلف الآراء دون تصلب أو تشنج أو تصور بوجود أعداء أو خصوم يريدون الإساءة لتجربة الإقليم أو نجاحاته , وأن مرورهم الضروري على الجوانب السلبية ليس بهدف الإساءة للتجربة , بل بهدف التنبيه والمشاركة في التصحيح من خلال وضع اليد على الأخطاء وفق رؤيتهم لها دون أن يعطوا الحق لأنفسهم بامتلاك الحقيقة كلها أو أن ملاحظاتهم لا تحتمل الخطأ.
لقد كان المؤتمر فعالية مهمة. ولكنها كانت, لقد كان المؤتمر تجربة جديدة ومهمة فقد جمع عناصر ديمقراطية من أحزاب مختلفة وشخصيات مستقلة وقوى ديمقراطية وقومية وشيوعية واشتراكية وإسلامية ديمقراطية, وهذا بحد ذاته مكسباً. وكان حصول تباين في وجهات النظر في عراق ما زال ينزف دماً متواصلاً وحديثاً غير متواصل بين هذه القوى لتحقيق التعاون والتآلف في ما بينها أمراً ممكناً واعتيادياً. وسوف نحتاج إلى وقت طويل لتحسين الفهم المتبادل في ما بيننا.
كما أرى, بحاجة إلى جهود أخرى أكثر عمقاً وأكثر سعة صدر وأكثر وعياً بطبيعة المشاركين, وخاصة ممن شارك في التحضير والتهيئة لعقد هذا المؤتمر, وأن تكون أوراق العمل أكثر قدرة على التعبير عن الحاجات التي تستوجبها المرحلة من كل القوى السياسية الديمقراطية العراقية, وأن تكون إدارة الجلسات أكثر ديمقراطية في استيعاب نوايا المشاركين في الحوار بدلاً من اعتبار من يتحدث عن الظواهر السلبية وكأنه يتحدث خارج الصدد. وكان المفروض أيضاً أن يشارك قادة الأحزاب الديمقراطية فيها لكي تتوفر لهم فرصة إضافية للحوار في ما بينهم.
لقد كنت صريحاً في مشاركتي في الحوار وطرحت موقفي من الدور الطليعي الذي يفترض أن يلعبه التحالف الكُردستاني في الواقع العراقي الجديد وفي لملمة صفوف القوى الديمقراطية العراقية, وخاصة العربية التي تعاني من تفكك وربما تشوش إزاء بعض القضايا الكُردستانية المشروعة, ولكني في الوقت نفسه انتقدت الظواهر السلبية في التجربة الجارية وخاصة انتشار الفساد, الذي كتبت عنه سابقاً في الصحافة الكُردستانية ذاتها, وتحدثت عن أهمية ودور التجربة الكُردستانية بالنسبة لكل الأمة الكُردية.
لقد وجد مدير الجلسة, وهو أحد الأخوة الصحفيين الكُرد من أعضاء اللجنة التحضيرية ومن قيادة لجنة دعم الديمقراطية في لندن , بأني أتحدث خارج الصدد, وأصر على أني أتحدث خارج الصدد, مما أجبرني على السكوت وترك المنصة, إذ لم أتعود على مثل هذه الممارسات غير الديمقراطية. فهل كنت حقاً خارج الصدد, أم أن السيد مدير الجلسة كان خارج الصدد وفق تقدير زميلته السيدة الدكتورة أزهار الشيخلي التي كانت تدير الجلسة معه؟
لقد تبين للمؤتمرين, كل المؤتمرين تقريباً, بأن مدير الجلسة هو الذي كان خارج الصدد, وأني لم أكن اقصد الإساءة للتجربة الكُردستانية بل العمل معهم لتصحيح المسارات التي يمكن أن تعرض التجربة للانتكاسة التي لا يريدها أحد منا لشعب كُردستان, إذ أنها ستكون انتكاسة للعراق الديمقراطي المنشود كله. ومن المؤسف حقاً أن رئيس لجنة دعم الديمقراطية قد أيد بشكل غير مباشر مدير الجلسة حين تحدث عن القضايا الرئيسية والقضايا الجزئية وكأن الفساد المالي والإداري الذي أشرت إليه يعتبر مسألة جزئية , رغم أنه تراجع بعدها تحت ضغط المؤتمرين وليس قناعة, إذ جاء يرجو عودتي للقاعة بعد أن رفض المؤتمرون استمرار الجلسة دون الاعتذار عما حصل. لم يكن السيد رئيس لجنة دعم الديمقراطية مساعداً لتعزيز الجو الديمقراطي المنشود في المؤتمر, رغم أنه يعرف أن الفساد المالي والإداري الذي تضمنه التقرير ذاته وتحدثت عنه يشكل مع الإرهاب الوجه الآخر للإرهاب, إذ أن أحداهما يتغذى الأخرى وستغذى منه. ويعرف الأخوات والأخوة الكر داني كتبت عن هذا الموضوع أكثر من مرة لا عن كُردستان العراق وحدها, بل عن العراق كله, كما تحدث عن رئيس إقليم كُردستان وأوعد بمكافحته. وقد نشرتا جريدة التآخي مقالاتي هذه, كما ترجمت تلك المقالات إلى الكُردية ونشرت في خه بات , وأن الجريدتين تصدران عن الحزب الديمقراطي الكُردستاني.
لقد كان المؤتمر تجربة جديدة ومهمة فقد جمع عناصر ديمقراطية من أحزاب مختلفة وشخصيات مستقلة وقوى ديمقراطية وقومية وشيوعية واشتراكية وإسلامية ديمقراطية, وهذا بحد ذاته مكسباً. وكان حصول تباين في وجهات النظر في عراق ما زال ينزف دماً متواصلاً وحديثاً غير متواصل بين هذه القوى لتحقيق التعاون والتآلف في ما بينها أمراً ممكناً واعتيادياً. وسوف نحتاج إلى وقت طويل لتحسين الفهم المتبادل في ما بيننا.
لقد كانت هناك خلافات واضحة بشأن عدد من النقاط, ومنها المادة 140 من الدستور المؤقت. وبدا واضحاً للجميع أن الغالبية لم تكن ضد المادة المذكورة, بل كان البعض له وجهة نظر في طريقة وأسلوب تطبيقها أو في الوقت المحدد لها, وبالتالي لم يكن يحتاج الأمر إلى توترات في القاعة, إذ يمكن التعايش الديمقراطي مع التباين في وجهات النظر. وقد كان هذا الموقف واضحاً في كلمة السيد رئيس إقليم كُردستان حين أكد عند زيارة الوفود له , كما نقل لي , بأنه كان إلى جانب هذه المادة طبعاً وحبذ ظهورها في البيان الختامي, ولكنه لا يريد فرضها على أحد أو على المؤتمر, في حين كان البعض القليل من الأخوة الكُرد في المؤتمر يهدد بالانسحاب ما لم تجر موافقة المؤتمرين على هذه المادة, رغم علم هذا البعض بأن التهديد ليس طريقاً للتفاهم ولا أسلوباً ناجعاً لإقناع الآخرين, خاصة وأن الأكثرية كانت إلى جانب الموقف العام من تطبيق نص المادة 140 من الدستور الدائم.
يأمل الإنسان أن تتسم مؤتمرات القوى الديمقراطية بالديمقراطية فعلاً, وهو أمل سيبقى يراودنا إلى حين تحقيق هذا الهدف النبيل باعتباره الطريق الوحيد للوصول إلى بناء عراق مدني وعلماني ديمقراطي اتحادي تزدهر فيه الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات والعدالة الاجتماعية وبعيداً عن التمييز ضد المرأة أو أي شكل من أشكال التمييز الأخرى.
نيسان /أبريل 2007 كاظم حبيب



الملحق رقم 2

رسالة غير موقعة باسم ولا لصاحبها عنوان

“نقد على نقد الدكتور كاظم حبيب في هل من سبيل الى ممارسة النقد في الحياة السياسية العراقية؟”
قرأت مقال الدكتور كاظم حبيب بعد أن أرسله مشكورا ولا أعلم أن نشر هذا المقال لأرسل توضيحي
هذا , لذا قررت أرساله للاصدقاء المعنيين بالشان الديمقراطي كي يكونوا على بينة مما جرى في الظاهر وما كان يجري في الخفايا.
الديباجة ذكرتني في ديباجة أخرى تعني كل شئ ولا تعني أي شيئ , نغمة تعودناها سابقا وكنت أتمنى أنها قد ولت الى الابد في المخاطبة السياسية , لغة الما فوق يخاطب الما دون بكلمات واوصواف وقيم تستطيع أن تضعها في أي محل وفي أي وقت .
لنعود الى الضجة التي أثارها الدكتور كاظم وهو السياسي المحنك والكاتب الغزيروالمثقف المعروف, يشتكي الدكتور من أنه لم يسمح له ممارسة النقد,نقد ماذا هل هو نقد ضمن سياق المؤتمروشعار المؤتمر
أم هو نقد لوضع قد يكون ولكنه خارج موضوعة المؤتمر , يؤسفني أن الدكتور لم يكمل الانتقادات التي
ذكرها فبعد أن تطرق الى قضايا الفساد المالي والاداري في كُردستان و(هي ليست قضية بحث في المؤتمر) أثار قضية عدم وجود ديمقراطية داخل الحزبين الحاكمين في كوردستان, وهذا ما أثار انزعاج رئيس الجلسة , والذي لم يكن موفقا في أسلوبه في الرد .
الدكتور كاظم قد حضر مئات المئات من المؤتمرات ويعلم أن ليس هناك من مؤتمر ذو أجندة مفتوحة بحيث يتكلم كل انسان هلى هواه , هل كان موضوع المؤتمر الاوضاع الداخلية للاحزاب الديمقراطية العراقية , وذا كان يعتبر ذلك جزء من عمل المؤتمر لماذا لم يثر الاوضاع الداخلية لمجموعة من الاحزاب الديمقراطية العراقية منها الوطني الديمقراطي والحزب الشيوعي والحركة الاشتراكية العربية والحزب الديمقراطي الاشوري وغيرها من أحزاب أم أن اثارته لهذا الموضوع كان بسبب أخر
الدكتور كاظم بالحقيقة وقع في فخ نصب له وانجر اليه وهو الانسان الذي سبق وأن وقع في مثل هذه المطبات وأستغل الاخرين طيبة قلبه لجعله كبش الفداء لتمرير محاولاتهم وفي هذه الحال أنسحاب الاطراف الكُردستانية من المؤتمر ومن ثم افشال المؤتمروانفضاضه وهذا ما كان يريده الصديق الحميم للدكتور كاظم والذي كان يدعوا المجموعات تلو المجموعات لحضور غداء أو عشاء يحاول تشويه أعمال المؤتمر ويشكك في الفائدة منه .
ياسيدي العزيز أكتب ثم أكتب ما تريد من نقد للتجربة الكُردستانية أو الديمقراطية داخل الاحزاب الكُردستانية في الصحيفة المفضلة ةالتي تكتب مقالتك بهاولكن لماذا تريد افشال مؤتمر يمكن أن يكون حجرة زاوية في نشاط الاطراف الديمقراطية العراقية .
مهمة المؤتمر تفعيل نشاط الاتجاه الديمقراطي العراقي وخاصة في المنطقة العربية من العراق ,ففي كُردستان صوت الناخب لقائمة التحالف أما في المناطق الاخرى من العراق لم تكن هناك قائمة تحالف
بل عشرات القوائم مما جعل مليون ونصف صوت يذهب هدرا , ألم يكن بك أن تناقش مثل هذه المواضيع بدلا من الوقوع في فخ نصب لك
لم تكن الوحيد الذي وقع في الفخ وحاول تخريب المؤتمر, وأستطيع أن أعدد لك الاسالب التي أتبعت منها
المباشر ومنها الغير المباشر وفشلت جميعها, لقد حقق المؤتمر الغاية التي عقد من أجلها , وشكلت لجنة تحضيرية لمؤتمر يعقد في بغداد وبرعاية السيد رئيس الجمهورية , مؤتمر أوسع تمثيلا ووقت كافي ومن قبل سيا سين يعيشون المأساة كل يوم . ومن جانبنا سوف نقدم لهم كل الدعم الممكن .
أمل أن يفكر الدكتور كاظم بموقفه وبروح أنتقاد ذاتي ويسأل نفسه هل كان طرحه لهذه القضايا صائبا وهل سوف يعيد طرحها في مهرجان المدى الذي سوف يحضره وفي مدينة أربيل , أنها فرصته
فصاحب المدى صديق عزيز له وحتما سوف يفسح له المجال لانتقاد عدم وجود ديموقراطية داخل الاحزاب الكُردستانية وقضية الفساد المالي والاداري في كُردستان .
أشعر بالحزن عندما يقع شخص تعرفه حق المعرفة في مصيدة ولم تكن الاولى له ,أنتقد ولكن ليكن الانتقاد في موضعه وفي زمنه وقضية النقد مثلها مثل قضايا الحياة الاخرى , ومنها قضية الحرية وهل هناك حرية مطلقة .”