الرئيسية » مقالات » ثقافة النفى المعلب

ثقافة النفى المعلب

أمر مؤسف ألا تحسن الأنظمة الحاكمة المستبدة اختيار من يدفعون عنها جرائمها أو يبررون لها أفاعيلها أو يزينون للعامة سوء قراراتهم التى بسببها تدهورت أحوال البلاد تدهورا حادا وخطيرا لا ينفيه سوى الذين فى قلوبهم عمى .

نماذج وتعريف

وحين نبحث عن نماذج لتبيان ذلك فلا أقل من النظر إلى ما يلى :

1/ الأهرام المصرية تنشر –ثم- تنفى- ضلوع إيران فى مقتل السفير المصرى بالعراق إيهاب الشريف!!…والغريب أن مصادر دبلوماسية أعلنت بعد النفى ووفقا لما نشر ببعض الصحف الالكترونية أن الخارجية المصرية تعتزم اللجوء لمجلس الأمن خلال الأيام القليلة القادمة، بعد أن توافرت أدلة ومعلومات جديدة لديها تدين إيران وتثبت تورطها في اغتيال السفير إيهاب الشريف رئيس البعثة الدبلوماسية السابق بالعراق في عام 2005م…وأوضحت المصادر أن الخارجية منذ اغتيال الشريف تبحث مع أجهزة سيادية عن الجهة المتورطة في ذلك العمل “الإجرامي البشع”، واستطاعت أن تجمع أدلة تفيد تورط إيران في هذه العملية التي وصفتها بـ اللاأخلاقية.

2/ نفى بعض مسئولى الحزب الوطنى فى مصر عن تلوث أكياس الدم ثم بعد حين يقرر النائب العام إدراج أسماء‏19‏ مسئولا علي قوائم الممنوعين من السفر خارج البلاد‏,‏ ومن بينهم‏15‏ مسئولا بوزارة الصحة‏!!

3/فى مطلع عام 2007 نفت وزيرة الخارجية الأمريكية أن تكون لدى الولايات المتحدة نية لإشعال مزيد من الحرب فى العراق!!

4/اعترفت قوات ( العصابات الصهيونية) أنها شنت هجوما جويا فى غزة بالأمس القريب، ولكنها قالت إن الغارة كانت تستهدف مجموعة من المسلحين… ومن ثم نفت قوات ( العصابات الصهيونية) مسئوليتها عن انفجار فى أحد المنازل بمدينة غزة الذى أسفر عن مصرع ثلاثة أشخاص من أسرة واحدة!!

5/ نفت الرئاسة الفلسطينية وفتح ما أعلنه مسئول فى( العصابات الصهيونية) من أن مصر سلمت الحركة بالتنسيق مع (العصابات الصهيونية) كمية كبيرة من الأسلحة إلى القوات الموالية للرئيس الفلسطيني محمود عباس!!

6/ نفت( العصابات الصهيونية) تقريرا بريطانيا يقول بأنها وضعت خططا سرية لمهاجمة منشآت تخصيب اليورانيوم الإيرانية بأسلحة نووية تكتيكية!!

8/ نفت مصر بداية وجود حالات إصابة بأنفلونزا الطيور ثم تراجعت بعد وفاة أحد الأشخاص والغريب أن النفى كان قاطعا .

9/ ( العصابات الصهيونية) تؤكد أن مصر لا تبذل ما يكفي لوقف تهريب الأسلحة لغزة ومصر تنفي.

ومن هذى النماذج (وكلها عناوين صحف مقروءة) يمكننا أن نتبنى تعريف ثقافة النفى المعلب بأنها: تكرار إنكار الاعتراف بأمر ما ومن ثم رفض التعاطى معه خشية أن يؤدى إلى مزيد من اللغط السياسى… ثم معاودة الاعتراف به بعد حين لاعتبارات متعددة منها التخفيف من الاحتقان العام أو خشية الفضيحة أو غير ذلك.

سمات متعددة

ولهذه الثقافة سمات متعددة نتعرف عليها من خلال أهلها حيث :
* القابلية للتكرار( أى تكرار النفى فى الحالات المشابهة مستقبلا).
* تعتمد التسويف والتأجيل( وقد يرجع ذلك إلى نقص المعلومات).
* لا تحسن التنبؤ بما يحتمل أن يؤول إليه الحال.
* ضعف السيطرة على الظاهرة موضوع النفى( كأنفلونزا الطيور مثلا).
* العجز عن اللحاق بنمو وعى الجماهير.
* لا تحسن تقدير المواقف( بمعنى العجز عن توصيف الظاهرة ومن ثم تخبطها فى ردود الأفعال المناسبة فإذا أرادت تخفيف الاحتقان فإنها تزيده بالنفى المعلب هذا).
* أخرى.

أسباب محتملة

ولانتشار هذه الثقافة فى بيئتنا العربية أسباب قد ترجع فى بعض منها إلى نجاحها فى السابق حين كانت الفضائيات قليلة، والنت غير متاح بكثرة، ومن ثم يميل ساستنا إلى تكرارها لا سيما أن جلهم من الجيل القديم الذى ما تزال تتحكم به عقلية الجيل الماضى، وقد يرجع كثرة استخدام هذه الثقافة إلى إحكام سيطرة الأنظمة الحاكمة على الإعلام ومن ثم فهو ما يزال يخاطب الجمهور الأعظم من الناس، وقد يرجع كثرة تداولها بسبب ارتفاع نسبة الأمية فى بلادنا ومن ثم يميل الأميون لتصديق ذلك النفى أكثر من غيرهم، وقد يرجع استخدامها للتهرب من تبعات الاعتراف بالظاهرة موضوع الحدث كما فى نفى ( العصابات الصهيونية) تقريرا بريطانيا يقول بأنها وضعت خططا سرية لمهاجمة منشآت تخصيب اليورانيوم الإيرانية بأسلحة نووية تكتيكية، ويبدو أن أسباب ذلك متعددة لكنها رغم سوءتها فلن تنعدم فى المستقبل القريب.

كيفية التعاطى مع ثقافة النفى المعلب

ينبغى التعاطى مع هذه الثقافة بوعى وبصيرة ويتمثل ذلك من خلال فضح الأنظمة التى تتستر على الجرائم وتنفي حدوثها من خلال تعريتها وتقديم ما يدل على وجودها والتذكير بنماذج سبق لهذه الأنظمة نفيها ثم استبان للناس كذبهم ومثال ذلك نفى مصر لوجود حالات إصابة بأنفلونزا الطيور ثم استبان للناس خلاف ذلك حتى مات فى مصر حتى كتابة هذه السطور أحد عشر مواطنا بسبب أنفلونزا الطيور، ومثال قريب العهد أيضا نفى مبارك لعملية التوريث رغم أن التعديلات الدستورية وكافة عمليات التغيير فى الإعلام والوزارات والمحافظات تتجه نحو التوريث بقوة، هذا، إضافة إلى محاولة الضغط لإظهار كذب تلك الأنظمة وتكرار الضغط على ذلك.

ملاحظات وخاتمة

فى مجتمعاتنا تسود عدة ظواهر تعوق التنمية والنهضة التى نرجوها لقومنا من ذلك ما يعرف بثقافة الاستلاب، وثقافة التبرير، وثقافة الإحباط وأمثال هاتيك الأنماط المعيبة، ونرجو من كل قلم حر أن يتناول هذه الأنماط السائدة بالتعريف والدحض أملا فى زيادة وعى قومنا فالأمة التى تخاصم الفهم والوعى لا يمكن أن يرفع لها لواء نهضة أو نصر. 

سيد يوسف