الرئيسية » مقالات » زهير كاظم عبود…في تنقيبه للتاريخ الأيزيدي القديم … (1)

زهير كاظم عبود…في تنقيبه للتاريخ الأيزيدي القديم … (1)

عن دار ( سبيريز ) للطباعة والنشر في كردستان – دهوك ، صدر للشخصية الوطنية العراقية المعروفة ، في اهتمامها بحقوق الأقليات و المدافع عن حقوق الإنسان ، القاضي والباحث ( زهير كاظم عبود ) كتاب ( التنقيب في التاريخ الأيزيدي القديم ) .

ويأتي هذا الإصدار وسط سلسلة من الكتب والدراسات المتواصلة التي أنجزها الباحث في السنوات الأخيرة ، من بينها كتابه الهام ( الشبك في العراق ) الذي طبعته مؤسسة( سردم ) في السليمانية عام 2006 ، وهو كتابه الخامس عن الإيزيدية و الإيزيديين بعد كتبه :

1- لمحات عن اليزيدية بغداد دار لنهضة1994وطبعته الثانية عن دار الرافد في لندن2000.
2- الأيزيدية حقائق وخفايا واساطير المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت 2004.
3- طاؤوس ملك – كبير الملائكة لدى الإيزيدية عن دار( سردم ) لسنة2005.
4- عدي بن مسافر مجدد الديانة الأيزيدية ..

وهو ما لم يسبقه من قبل كاتبا ً قد وضع هذا الكم من الكتب عنهم ، ومن المؤكد إنه سوف لن يكون الكتاب الأخير حيث يلاحظ المتتبع لكتابات الباحث شغفه وتمتعه بالبحث في هذا الميدان وتواصل كتاباته عنهم للبحث عن حقائقهم الغائبة والمغيبة من منطلق إنساني يتوافق مع نوازع الكاتب وبحثه كحقوقي كرس حياته لخدمة الحقيقة والناس ، وكافح من اجل المساواة بينهم في الحقوق والواجبات ، بما فيها حرية الإعتقاد الديني بين البشر ..
والكتاب يحتوي على مقدمة كتبها البروفيسور عبد الإله الصائغ تحت عنوان: ( حين يكون القاضي اركولوجيا ً ) ، بالإضافة إلى تسعة أقسام حملت العناوين التالية :
( الجذور ، التقديس ، المكان ، التاريخ ، الأيمان ، الشمس ، القوال ،النص المقدس ، الصوم ) ، مع ثبت للمراجع و الإقتباسات ،في 160 صفحة من القطع المتوسط.

في المدخل إلى الكتاب ينوه الباحث ( ساهمتُ بتواضع في الكتابة عن الإيزيدية كديانة وكمجتمع وكشفت للناس معالم الخير والإنسانية والتوحد في ديانتهم ، وكنت قد وضعت أمامي القيمة الإنسانية لهذه الشريحة التي تعطي ولا تأخذ… ولم يكن لي دافع سوى إستكناه الحقائق المدفونة في المجتمع العراقي ) تلك الحقائق المغيبة بأمر السلطات التي تعاقبت على حكم العراق والتي تعيد نشرها ثانية بعد تشويهها .

وهو رغم نشره لخمسة كتب عن الإيزيدية لا يزعمُ بتواضع العالم المدرك للأشياء انه متخصص في الشأن الإيزيدي ويضع نفسه في خانة المتطلعين للمعرفة مستشهدا ً بمقولة ديكارت ( إننا لا نكاد نجد شيئا ً هو من اليقين بحيث لا يدع مجالا ً للمناقشة والجدل ) .

إذ إن الإيزيدية التي يُشبهها بالتل المطمور تحته الكثير من الكنوز والآثار و اللقى المهمة في تشكيل الحقيقة وتصويب التاريخ.
وكان لابد من مساهمة متواضعة في تقليب حقائق التاريخ وإثارة أسئلة مهمة بقصد الحصول ولو على جزء من حقائقه التي تطلبت الغور في جذور الديانة الايزيدية التي نبتت مع جذور التاريخ السحيق في هذه الأرض منطلقا ً من مفهوم ( إن الحقيقة لا تجعل الإنسان عظيما ً إنما الأنسان هو الذي يجعل الحقيقة دوما ً عظيمة ) .
وهذه الفصول المتواضعة تشكل دعوة للبحث والنقاش للتوصل إلى نشدان الحقيقة التي تسعى وتشترك بها الأديان في دعواها للسلام والمحبة والحوار.
في القسم الأول الجذور …
يؤكد الباحث كمدخل للغور في عمق الديانة الإيزيدية لمن يريد التعرف بعمق على تاريخ الديانة العريقة والغارقة في القدم ويدعوه للولوج لثنايا التاريخ القديم والمطمور ، والتوقف مليا ً أمام ظواهر لا يمكن أن تكون عابرة في الميثولوجيا الإيزيدية من خلال الآلهة المتعددة و الأرباب السبعة التي تخضع لإرادة الله وتعمل بمشيئته ، والحلول والتناسخ وغيرها من مكونات هذه الديانة التي لم تنشأ و تتأسس من الفراغ أو أنها أتت بالصدفة نتيجة لرغبات ذاتية وشخصية من المجهول أو أنها ديانة حديثة ذات ابعاد سياسية تشكلت بعد الخلافة الأموية فمن يقرأ أسس هذه الديانة يستطيع إن يلتمس معالم ديانة لها جذور تنظم حياة الإنسان وتدفعه لفعل الخير وتحدد معايير للحلال والحرام وتتمسك بالتكوين التدريجي للكون من العناصر الأربعة الأساسية ( الماء والهواء والتراب و النار ) ..
ويفند المزاعم و الدعوات التي تلصق تهمة تمجيد الأمويين من قبل الإيزيدية من خلال تأكيده (إن أحدا ً لم يلتفت إلى عدم وجود دعوات أو اشارات ضمن هذه الديانة تدعو لتمجيد الأمويين أو اعتبار يزيد بن معاوية رمزا ً أو مفكرا ً أو فقيها ً ، والمطالبة بأن تكون الدولة القادمة اموية لتعيد الإعتبار إلى الأمويين إن بقوا في الساحة ، مما يفند جميع المزاعم التي تحاول أن تتهم اليزيدية بهذا الأمر ) ص18.

ويؤكد إن الايزيدية واجهت زرادشت أثناء محاولته نشر ديانته ( التي تشبثت بعقيدتها وتباهى الأيزيدية أيضا ً من أنهم أول من أبدل عبادة الظواهر الكونية باله التوحيد ) ولذلك أطلق عليهم زرادشت لقب ( عبدة العفريت ) ص19 أو عبدة الشر .
وكان الهدف من هذا الوصف أو النعت ( إيجاد الذرائع لقتالهم والقضاء على ديانتهم) ص19 بحكم تصادم مفاهيم ديانتين تواجدا في منطقة واحدة لكن التاريخ قد سجل انحسار و افول الزرادشتية رغم محتواها وعمق افكارها مع بقاء واستمرار الديانة الايزيدية من دون الحديث عن مجازر أو حروب وقتل بين الطرفين بحكم معطيات التسامح والحكمة التي سادت آنذاك عكس ما حل بهم في الزمن الحديث.

ويتطرق إلى رأي ( ماكس هورتن ) الذي قال ( هناك من يذهب ليؤكد إن العقيدة الإيزيدية ما هي إلا تأكيد لعبادة النور وتمثل طورا ً للثنوية الفارسية القديمة والتي نراها واضحة المعالم في الزرادشتية والمانوية) *(نقلا عن كتاب الفلسفة ص127لماكس هورتن).
ويحاجج الباحث هذا الراي ( لو كان الإيزيدية كما ذكر ماكس هورتن لصار تقديس الضوء أو النار بديلا عن الأرباب وبديلا عن تقديس طاؤوس ملك وحتى عن الخالق الاله الكبير) ص20 .

ويؤكد (حيث يكون الاله الكبير الخالق فوق جميع الارباب وتليه المقدسات متدرجة حسب أهميتها وقربها من الإله دليل على تقادم هذه الديانات… بدليل إن عبادة تموز كانت شائعة في وادي دجلة وفي المنطقة بجبل سنجار وحتى نصيبين )* نقلا عن مجلة المقتطف المجلد العدد( 49) لسنة1916ص325 .

كما إن أسماء الآلهة التي يطلقها الإيزيدية عليها ينسجم مع أسماء الالهة السومرية والقديمة…وهذا الأمر يدحض الافتراض الذي يزعم إن الإيزيدية مذهب منحرف انشق عن اليهودية أو المسيحية أو الاسلام.

وتمسك الإيزيدية بالتناسخ والحلول دليل على انها كانت تلتزم بهذا الاعتقاد قبل أن تحل كلا الديانتين ، إذ تعتقد الإيزيدية إن الحلول والتناسخ جزء من القدرة الإلهية الخارقة في عدم وجود نهاية للإنسان بارادته….
كما يمكن اعتبار قضية تقديس الشمس في العقيدة الإيزيدية من القضايا التي لم تلتزم بها الأديان المتوالية وكذلك الإنغلاق الديني والمحرمات الصارمة في الزواج من خارج الديانة وبين طبقاتها والتي لم تتمسك بها بقية الأديان بإستثناء المندائية وهي أيضا ً من الديانات العريقة والقديمة.

وإنّ ( رمزية طاؤوس ملك يعبر عن خصوصية هذه الديانة وقدمها.. ومن اللافت للنظر أن يكون الطاؤوس من رموز الديانات القديمة كالديانة السومرية وكان على الأغلب يمثل فكرة الخير والجمال ، ولم يكن يشير إلى الشرالتي يتناقض معها مطلقا ً وحين صارت الايزيدية تسمي الملاك الكبير طاؤوس ملك قبلة التقديس ، اتهمهم اعداؤهم بعبادته أولا ومن ثم افتراءهم من كونه إشارة إلى ملك الشر … ) ص22
كما أورد في معرض مواصلته لنفس الموضوع تأكيده قدم الديانة :

(كان الايزيدية يحتفلون بعيد رأس السنة كل عام ، والذي يصادف أول يوم اربعاء من نيسان الشرقين لكون هذا اليوم في اعتقاداتهم الدينية يوم خلق الملاك طاؤوس ، مما يوجب نبش العديد من التلال التأريخية لمعرفة المزيد من الحقائق عن هذه الديانة فليس اعتياطا ً أن ينتشر اتباع الأيزيدية في عدد من البلدان المجاورة للعراق… في مناطق ارمينيا- إريفان وفي تركيا وسورية ) ص22 .

وينتقل إلى وصف معبد لالش الذي زاره متحدثا ً ( القصص المختلقة في اصل المعبد المقدس الذي لا يعدو إلا الاستمرار في منهج التحريف واعماء الحقائق بحق الايزيدية …. ولو تركنا معبد لالش وشكل القباب وتربة الشيخ عدي بن مسافر ودخلنا إلى تلك الغرف المنقورة في الجبل والتي تظمُ اصل المعبد كما يقول الباحث و الآثاري السيد عبد الرقيب يوسف ، مع إن بعض الآثاريين اشاروا بشكل عابر من أنها مخزن لحفظ زيت الزيتون الذي يستخدم لإنارة المعبد ، كما إنهم لم ينتبهوا إلى الأشكال والرموز المنقوشة على الجدار الغربي للمرقد …
ولكن الحقيقة الواضحة تكمن من كون موضع ( الجله خانة ) المؤَلف من الغرف الغارقة في الظلام الدامس هي قديمة اقدم من قبر الشيخ عدي ومن كل بناء المعبد الجديد، ويذكر السيد عبد الرقيب يوسف إن جوانب وأسطح بعض الصخور منقوشا ً عليها رسوما للشمس وبعض الإشارات الدينية القديمة الأخرى ) ص24 .

وينتقد هذا الإهمال وعدم الاكتراث .. ولو كانت تلك الرموز تخص ملة في اقصى الأرض لتمت دراستها وفحصها و الإهتمام بها ، ولكن الآمر يختلف مع الإيزيدية الذين ظلمهم الزمن وتكالبت عليهم المحن وجار عليهم الناس المجاورين لهم.

ويؤكد مشاهدته نقوشا ً وكتابات ايزيدية على الجدار الخارجي للمعبد عام 1994عندما زار المكان مع كريفه الإيزيدي.
وقد تركت اثرا ً كبيرا ً في نفسه مما دعاه ليوجه نداءً :
الى المنظمات الدولية والجهات المختصة في الأمم المتحدة ونوجه أنظارها لما يحتويه المعبد المقدس وما يجاوره من التلال من أسرار ونقوش ورسوم جديرة بالدراسة والحفظ لكونها تعود لأزمنة غابرة ص25
ويثني على محاولات الدكتور الباحث خليل جندي ويعتبرها من المحاولات الجادة والمهمة في نبش التاريخ الإيزيدي القديم .
ويتطرق إلى المشترك بين الإيزيدية والديانة المثروية التي انتشرت في الحضر جنوب غرب الموصل في بداية القرن الثاني قبل الميلاد وسميت بمدينة الشمس والتي كانت ضمن مناطق انتشار الديانة الإيزيدية وكان بها تمثال لإله شمش … وبتدقيق المتقاربات بين الديانتين … سنجد العديد من الدلائل و القرائن التي تدلل على وجود الإيزيدية في مناطق الحضر ومنها تسللت الى مناطق شرق سوريا..

ويؤكد في ص29 .. ومن بين أهم القضايا التي ينبغي دراستها وتحليلها العلاقة بين الظواهر الكونية وبين الايزيدية ، إذ ليس من المعقول أن تنشأ علاقة ازالتها الديانات التي لا تقديس لها للشمس مثلا ً لتعود للتقديس عند الإيزيدية ، إن لم تكن مؤسسة قبل تلك الديانات ، إذ أن الإيزيدية لا تقوم على ما تركته الديانات أو تخالفهم به.

وفي ص31 يقول :
إن الديانة التي تجعل الظواهر الطبيعية ركنا ًمهما ًمن طقوسها ومقدساتها لا يمكن أن تكون من الديانات الحديثة التي اعتبرت هذه الظواهر جزء من الحياة والكون ونهت عن عبادة هذه الظواهر وتقديسها ويتفق مع رأي الدكتور جندي في إن: (الديانة الايزيدية من ديانات الطبيعة ومن ديانات التوحيد الأولى ) مجلة ( روز) العدد الاول 1996 ص22 .

ولعل العلاقة المشتركة بين الديانة الايزيدية والمجتمع البابلي في تقديس يوم الأربعاء تشير لنا امتداد هذا التقديس الذي لم يجد له اثرا في الديانات التي تتالت على المجتمع في المنطقة ..
أود إن اشير إلى أن اهل حمص في سوريا وهي المنطقة التي اشتهرت بعبادة إله الشمس وهناك كتب قد طبعت في سوريا بأسم اله الشمس الحمصي ، يراعون يوم الأربعاء حيث يتندر اهل الشام عليهم ويضربون بهم المثل الشعبي (هذا مثل الحماصنة عطلته الأربعاء) أو ( هذا مثل الحماصنة يعطل الأربعاء) .
وينتقل إلى الحية السوداء التي تحرس باب معبد لالش والى تشعُب أهمية الأفعى في الديانة الأيزيدية ويقارن ذلك بما كان في المعابد البابلية حيث اعتمدت الحية في حراسة بواباتها ومقابرها وقد اعتبرها البابليون خالدة لكونها تجدد نفسها بتغييرها لجلدها كل عام وهي التي انقذت سفينة نوح من الغرق عند حدوث فتحة فيها.

وينتقل إلى معبد ايزيدا ويعني البيت الرفيع في مدينة بورسيبا على نهر الفرات بالقرب من مدينة بابل حيث كان يعبد الاله مردوخ وكيف أصبح نابو ارفع شأنا من مردوخ… ويتطرق إلى ما اورده الباحث جورج حبيب عن ( وجود مذبحا ً مكرسا ً للإله نابو كان في قرية شدوة التي تحولت إلى شنكار- قضاء سنجار وان احد قادة تراجان المدعو شاور الثاني شاهد الطقوس التي يؤديها أهل المنطقة تكريما ً للاله نابو في بداية فصل الربيع …
ولن نستغرب إذا عرفنا إن عبادة الشمس والظواهر الكونية كانت منتشرة في النمرود ومن الطبيعي أن تنتقل العقائد مع انتقال من يعتقد بها.
وفي انتقال الأقوام التي تعتقد بالديانات القديمة في منطقة شمال آسيا إلى مناطق البابليين حيث كان هؤلاء القوم يعبدون إله السماء دياوس أو تياوس ولاحظ َ إن الكلمة قريبة من لفظة تاووس أو طاؤوس….. كما لاحظ الباحث كاظم عبود اشتراك المقابر البابلية و الايزيدية في وجود فتحات مثلثة ُ الشكل للسماح بدخول ضوء الشمس إلى باحة المقبرة. ص34
ويجد تشابها ً في طريقة حفظ كتب المشنا القديمة عن طريق الذكر و الأستظهار عند اليهود وطريقة حفظ النصوص الدينية بين الديانتين مما يحتمل وجود الإيزيدية منذ العهد البابلي والعبري القديم .. وهو ما يفسر اعتقاد الإيزيدية حسب قولة إن النبي إبراهيم الخليل هو من أسس الديانة الإيزيدية ونشر مبادئها و أوصلها إليهم.. كونه اعتقد في باديء الأمر إن النجوم هي الرب.. وبعد أن طلع القمر ابدل رايه وقال هذا هو الرب.. ولما أشرقت الشمس قال هذا هو الرب .. وليس تلك التي شاهدتها من قبل.. فلما افلتْ قال إن من خلقها هو الرب وهي تستند إلى سورة الأنعام في القرآن الايات74-78 ص35… والايزيدية من الديانات التي لم تعبد الاوثان أو الاصنام ص35 وهو ما كان عليه والد النبي إبراهيم الذي كان صانعا ً للاصنام لكنه لم يعبدها إذ قال لأبيه إنّ النار أحق بأصنامك من عبادتها .. هل هذا هو بداية احتفال الكرد بنوروز؟.
لكنه لم يحسب النار الها ً لان الماء يطفئها ..ولم يحسب الماء الها ً لان الأرض تبتلعها ولم يحسب الأرض الها ً لأن الشمس تجففها ، ولم يحسب الشمس الها ً لان الظلام يحجبها ولم يحسب القمر والنجوم آلهة وانما الإله القادر على كل شيء و خالق الشمس والقمر والنهار والارض وما عليها ص36 .

ويتطرق إلى مجارات الزرادشتية للايزيدية في ( اتخاذها آلهة اعوان كل من الاله ( ديو واهورامزدا ) وهما يستمدان قوتيهما و سرهما من الاله الكبير… غير إن الايزيدية اعتبرت الملائكة السبعة هم المكلفين بشؤون الدنيا بأمر الاله الكبير، مع إن كلتا الديانتين تؤمنان بوجود الصراع الأزلي بين الخير والشر…) ص36…
وقد وقع الباحث في اشكال من حيث المقارنة بين الديانتين كون المنطلق يختلف والاساس متباين لأن الزرادشتية ديانة ثنيوية تؤمن بوجود إلاهين في حالة مواجه مع الآخر هما اله الخير واله الشر( اهريمن واهورمزدا ) بينما فلسفة الديانة الإيزيدية تنص على إن الخير والشر من منبع ٍ واحد وغير منفصل الذي هو الله ( خير اْوْ شر اش دركة خدينا ) إي إن الخير والشر من باب الله وحده فقط .
ويذهب الباحث إلى ( تشترك كلا الديانتين أيضا ً في اختيار الضحية ( المقدسة ) ثورا ً تحديدا ً وليس غيره من الحيوانات ) وهنا أيضا جانب الصواب حيث لا تقر الزرادشتية فكرة التضحية بل ترفضها أي إن هذا يأتي ضمن موضع الاختلاف والإفتراق بين الديانتين ، وليس التشابهه والتماثل ، علما إن طريقة التضحية بالثور من قبل الأيزيدية يرافقها طقس جماهيري يمارس من خلال مسك ذيل العجل وهو يركض ويسرع وراءه المتجمهرين من الشباب والرجال وسط هلاهل النساء بينما يقوم عدد حملة العصي بظرب الثور و المحاولين الإمساك به بشكل متواصل لحين ايصاله إلى مذبح الشمس ليقدم قربانا ً له ويحتوي هذا الطقس لدى الإيزيدية على محتوى ميثولوجي هما التضحية بالثور كرمز لاله القمر( سن) إمام مذبح اله الشمس في مدلول ميثولوجي على انتصار اله الشمس على اله القمر ، إما استخدامالعصي وضرب الثور قبل ذبحة فهي ممارسة لا تخلوا من قيمة ميثولوجية تتمثل بالأعتقاد م بامكانية اخراج القوى الشريرة من جسم وجسد بهذه الوسيلة ، بينما يؤكد ر.س .زيهنير استاذ الدراسات الشرقية في جامعة اكسفورد في كتابه الزرادشتية ( الفجر- الغُروب) ترجمة الدكتور سهيل زكار ( عندما شجب زرادشت القسوة نحو الثور، قد قصد القسوة الملازمة للأضحية، وادان الرسول جماعة كهنة العبادة القديمة ( كربان وفسغ) بتعرض الثور إلى العنف أو العنف الشديد ( إيشما ) وزعم إن الأمراء كانوا يجعلونه يصرخ الما ً . وكانت روح الثور نفسه تصرخ قائلة:” العنف والضراوة والقسوة والخوف والقوة تحيط بي” ….. هناك هجوم زرادشت المحدد على جِم والذي هو الإنسان الأول مثل نظيره الفيداوي جَم وتمت ادانة جِم الذي وصمه زرادشت بأنه آثم لتقديمه لرجالنا اجزاء من لحم الثور ليأكلوها، انه هو الذي تحدث عن الثور والشمس بانهما” الشيء الاسوأ الذي تستطيع العين أن تراه “، والذي كان يدمر حياة الثور بصيحات الفرح ) ص94-95 …..

ويتطرق الى مسألة الهجرات البشرية وانتقالها من الشمال إلى الجنوب الذي يتبعه انتقال المؤثرات الثقافية بما فيها الدين واللغة إلى الأماكن الجديدة مما جعل بلاد الرافدين تعج بالديانات التي اكدتها الاحافير والآثار التي نقلت لنا التصورات الدينية في مجال الخليقة والطوفان والعبادات والطقوس وتتابعها مما يؤكد انفصال احدها عن الأخرى كما يمكن ملاحظة التطابق والتوافق الحاصل في الاعتقاد والمرويات بين الايزيدية والديانات القديمة..
ولم يكن اختيارالطاؤوس رمزا ً للجمال والخير فقط ليتخذه الايزيدية تعبيرا ًرمزيا ً عن شكل الملاك وإنما تطابق اللفظ بين تموز وتاووس وشمس .. بالإضافة إلى وجود بعض الطوائف والملل تعتبر الطاووس هو من أغوى آدم وحواء في الجنة.. والمنزلة الكبيرة للطاؤوس لدى الأيزيدية لا تلغي الاله الكبير بقدرته الكلية وهو الذي سيقرر القيامة في يوم ما ليحاسب الكائنات الحية.. ليأخذ كل كائن مايستحقه من الثواب أو العقاب في الجنة أو النارص38…

هنا أيضا ً أود أن أوضح بان فكرة الجنة والجحيم لا وجود لها في الديانة الإيزيدية لأنها تعتقد بفكرة تناسخ الارواح وانتقالها من جسد إلى آخر فهي ترتقي بوضعها في جسد انسان أو كائن صالح من خلال عملها للخير وتنزل وتهبط إلى الدرك لتوضع في اجساد لحيوانات محتقرة كالكلاب والحمير والقطط وان تمادت في الرذيلة تودع في اجساد حيوانية مصابة بالجرب والأمراض المستعصية وهكذا تدور الروح من كائن لآخر من غير وجود فكرة للجنة والجحيم التي هي مفاهيم لاحقة ابتدعتها الديانات الحديثة.

القسم الثاني التقديس..

يرصد الباحث فيه أهم التهم التي الصقت بالإيزيدية من قبيل عبادة الشر وتقديسها للطاؤوس كرمز له و الأعتقاد بالوهية الخليفة الأموي يزيد بن معاوية ومن ثم تأليه عدي بن مسافر كإله آخر دون الله والكثير من الأراجيف والقصص المختلفة التي تريد النيل منهم وإخفاء حقيقتهم ويعتبرها إتهامات ظالمة وباطلة لا أساس لها من الصحة .
وكرس جهده في هذا الحيز لمعالجة عبادة الشر وتبجيل رموزه والنزوع نحو ارتكاب فعل الشر الذي يتهم به الدين الإيزيدي ، ويطرح حجته من خلال: ( ويفترض المنطق أن يكون أتباع كل دين ملتزمين بما تفرضه عليهم ديانتهم وشريعتهم ، ومن غير المنطق أن يكون الدين الإيزيدي دين شر و اتباعه يسلكون طريق الخير لأن هذا الامر يحدث التناقض والتصادم بين الفعل و الايمان ، وبين السلوك والعقيدة ، فإذا كانت الديانة الإيزيدية تقدس الشر يتوجب على أتباعها أن تمارسه وتلتزم به في السلوك والفعل ، وإذا كانت الإيزيدية تقدس الشر يتحتم أن تأتي النصوص الدينية والأدعية لتبرير هذا الشر أو تدافع عنه على الأقل) ص 39 .
( والآمر يتناقض مع تاريخهم البعيد كليا ً عن الشر ).ص40
(وجميع الأقوال والادعية بعيدة كليا ً عن الشر أو الالتزام به ) ص41 .
ويستشهد ببعض نصوص ادبهم الشفاهي لدعم وتأكيد رأيه بنفيه عبادتهم للشر حيث يؤكد ( بالرغم من كل ما لحقهم من المحن لم تكن لديهم نزعات للشر، لم تنتشر بينهم ثقافة الانتقام ، أو على الاقل ردة فعل سلبية إزاء ما لحقهم من ظلم و تنكيل و تقتيل لم يكن ينالهم صراحة لو إنهم كانوا بجوار أهل دين آخر مثل ما حصل لهم على امتداد التأريخ المنقول والمكتوب في المنطقة التي خلقهم الله فيها ) .ص42
ويعتقد الأيزيدية إن الخير من عند الله ، ولايمكن أن تكون افعال الشر إلا من عند الإنسان وهو وحده من يرتكب الخطيئة ويحاسب عليها ص 42 …
ويتطرق إلى رأي الباحث سيمون في العام1685 في بحثه المقدم عن اصل الأديان ويعتبره غير موفقا ً بخصوص الأيزيدية التي أطلق عليها الغنوصية والتي تتناقض مع طرحه ، فلم يعتقد الأيزيدية إن الغواية من عند الله ص45…
وفي ذات الموضوع يواصل الباحث في دحض بقية التهم الموجهة لهم إذ يقول : ومن غريب التاريخ أن يتم اتهام الأيزيدية كونها تسعى لإستعادة الحكم الأموي وإنها فرقة سياسية في حين إن الحكم العباسي لم يتعرض لها كما تعرض لها غيره من السلطات … ولم تكن الإيزيدية ملتزمة باللعن الذي كان منتشرا ً في الزمن الاموي بشتم العلويين والتي صيرها الحكام الأمويين سنة ثابتة ..
ويذهب إلى ان تسميتهم وردت في الشرفنامة للبدليسي وهي تسمية تسبق الأسلام ..
والعقل لا يتقبل أن تكون فرقة دينية تتبع الخليفة الأموي يزيد بن معاوية ( 60-63 هجرية= 680-683 ميلادية) فلم يعرف التاريخ عن يزيد بن معاوية وجود ارث ديني أو فقه أو فكر تركه الرجل خلال تلك الفترة الزمنية التي اشتهر فيها، وانصرافه إلى الملذات وحملات القمع الوحشي ، بل لم يكن ملتزما ً دينيا ً بالرغم من كونه خليفة المسلمين قبلو ا ذلك أم رفضوا، وما يراد سوى أن يتم إلصاق اسم يزيد بهذه الفرقة الدينية من فرق الله إمعانا ًفي الحط من قيمة ديانتهم والإساءة إليهم ) ص 45، وهو رأي صريح وجريء يستند على تحليل منطقي وعلمي سببه اشمئزاز المسلمين من يزيد الذي لم يكن ملتزما ً بتعاليم الأسلام فرفضوه ومن ثم قذفوه ليلصقوه بالإيزيدية لكونها مجموعة خارج دائرة الدين الاسلامي الذي نظر البعض من معتنقية بعين الريبة وعدم الاحترام لغيرهم من الديانات والطوائف في الوقت الذي لا يذكر التاريخ أية تناحر أو يشخص حالة عداء بين الايزيدية والشيعة الجعفرية في العراق وكل ما ذكر لا يعدو أن يكون اراجيف باطلة لا سند لها من الحقيقة التاريخية ولا يوجد في الموروث الإيزيدي ما يؤسس الكراهية والحقد تجاه هذه الشريحة أو غيرها من الشرائح في العراق وبقية البلدان التي يتواجد فيها الايزيديون… ومن هذا المنطلق يبدو الاتهام مخالف للمنطق والواقع مع استمرار تمسك الأيزيديين بديانتهم ويقوض دعائم الأتهامات التي تم ترويجها ونشرها في فترات زمنية سابقة.
وفي الصفحة54 يضيف إلى نفس الموضوع إسنتاجا ً مهما ً حيث يقول :

( إن من ينسلخ عن مذهب أو ديانة ينبغي أن تبقى بعض جذور ومفردات تلك الديانة معه قائمة ، وهذا الأمر يتعلق باتهام الايزيدية كونها فرقة من الأمويين ، حيث إن فكرة الحلول والتناسخ تلغي تلك الأحتمالات ، بالأضافة إلى تمسك الايزيدية بالانغلاق في العقيدة وعدم قبول الأنتماء و الأعتقاد بالايزيدية اذا كان من ابوين غير ايزيديين أو إن احدهما غير إيزيدي وفي هذا الأمر تناقض واضح مع فكرة الانسلاخ، حيث إن من يريد الانسلاخ والانشقاق على ديانة أو حزب أو جمعية عليه أن يقم بتوسيع دائرته لا غلقها ).
وفي موضوع الطاؤوس يذكر التشابه بين الديانات في قصة الخلق وخصوصية البعض منها وموضوع السجود لغير الله حيث يذكر الباحث ( وتخالف العقيدة الأيزيدية في مسألة السجود إذ تعتبر الامر امتحانا ً للملائكة لم ينجح فيه سوى كبيرهم طاؤوس الملائكة الذي لم يسجد لغير الله حيث لم تختلف ديانة عن ذلك النص سوى الديانة الايزيدية..
ويذكر معلومة مهمة لم يسبقه غيره من الكتاب والباحثين في هذا المجال إذ يقول:

( وكان تقديس الطواويس منتشرا ً بين العرب قبل الأسلام حيث كان العرب يعبدون الأصنام والأوثان والرموز، وكان من بين كبار رجال العرب من يعبد الطواويس، وموضع الطواويس في داخل حجرة الحجر الأسود، وكان من بين من يقدس الطواويس ويتعبدها أبو سفيان صخر بن حرب، ومن يتابع مشاهد فلم ( الرسالة ) الذي اخرجه مصطفى العقاد سيلمح مشهدا ً ثابتا ًيتمثل في قيام أبو سفيان وزوجه بنقل الطواويس من دارة الكعبة إلى دارهم القريبة منها، حيث بقيت هناك حتى استلمها عنه ابنه معاوية ، ويقال انه نقلها معه إلى الشام حيث كان يعبدها حتى بعد أن صار خليفة للمسلمين في دمشق وتلك قصة يراد تدقيقها وتمحيصها واثبات مصادرها قد نتعرض لها في مجال اخر ) ص48.

وعن كتبهم الدينية يقول :

( والمدقق المحايد يجد في المجازر والمذابح التي تعرض لها اتباع الديانة الأيزيدية سببا ً منطقيا ً ومقبولا ًحول تبرير اختفاء وانتهاء كتبهم المقدسة المكتوبة من التداول، مع إن المنطق يقضي بوجودها وتلاوتها من قبل معتنقي الديانة الإيزيدية ، ولكن الظروف التي احاطت لم تكن تحتمل بقاء مثل تلك الكتب وتناولها وقرائتها و استذكار ما ورد فيها، ولهذا عمدوا إلى تكليف رجال الدين بحفظ نصوصها وتداولها جيلا بعد جيل.. نلاحظ إن نفس المقدسات ونفس التعاليم تتجدد لدى هذه الديانة، ومع عدم وجود نصوص مكتوبة يدل الأمر الى حتمية وجود تلك النصوص في فترات معينة ، إذ لا يمكن لرجل الدين أن يفرض ما يعتقده على رجل الدين الذي يليه اولا، إذ لكل رجل دين ذهنية محدودة وثقافة دينية تختلف عن الآخر )..ص 49
ارى إن ما سمي بالكتب المقدسة لدى الإيزيديين التي اختار الباحث لتاكيد وجودها فيه شيء من التسرع والموقف العاطفي ولكون الإيزيدية من الديانات القديمة من مرحلة ما قبل الميلاد بفترة طويلة نلاحظ تردد مصطلح اللوح والقلم في نصوص اقوالهم وادبهم الشفهي وهي تسمية دقيقة تتوافق مع ما يعرف الآن بالرقم الطينية أو الالواح الطينية التي سبقت ما يعرف بالكتاب الذي هو مصطلح حديث قياسا ً للوح ونفس الشيء عن الأدب الشفاهي الذي يرجعه إلى مراحل تعرض فيها الأيزيديون للقهر والملاحقة مما جعلهم يلجؤون لحَفظه وحِفْظه من خلال التناقل الشفاهي كما اعتقد الباحث بينما يلاحظ المتتبع لتاريخ الأديان شيوع ظاهرة الأدب الشفاهي وقصائد الشعر الدينية وبقية التسميات لدى مختلف الديانات القديمة في مراحل سابقة للكتابة واكتشافها وهذا ما نقلته لنا تلك النصوص من اخبار وحكايا ومفاهيم دينية سبقت زمن اكتشاف الأنسان للكتابة في بلاد النهرين والهند والسند وبلاد فارس ومنها ملحمة كلكامش التي دونت في العصر السومري وهي تتشابه في الكثير من اوجهها ومضمونها مع ملحمة (مير مح ) لدى الأيزيدية وللأسف لم ينتبه الكتاب والباحثين إلى اهمية هذه الملحمة لحد اليوم وادعوا المهتمين بالتراث الأيزيدي إلى تدوينها وترجمتها إلى بقية اللغات كي تكون في متناول الباحثين المهتمين بالشأن الأيزيدي لذلك أقول إن ما عرف عن كتب الأيزيدية كمصحف رش وكتاب الجلوة في مراحل لاحقة يعود لمجاراة البعض لأصحاب الكتب المقدسة الحديثة وقد كتب عن ذلك الكُتاب الأيزيديون واكدوا إن هناك من قام بالمتاجرة بهذا الموضوع في زمن سابق والقصة معروفة واما شكل ومحتوى هذه الكتب فلا يرتقي إلى مستوى النصوص الدينية حيث يلتمس من قرأ هذه ( الكتب ) الأسلوب الركيك واللغة الضعيفة التي استخدمها من صاغ هذه النصوص على شكل كتيبات نسبت للأيزيدية.
ومن هذا المنطلق أيضا ً يمكن أن نتعامل مع ما اورده الباحث عن تلك الكتب واستنتاجاته في بقية صفحات الكتاب التي قال فيها:
( ونتفق إن لكل ديانة مهما قل شأنها أو كبر كتاب مقدس تستمد منه الثوابث والاسس التي تقوم عليها.. وهذا الكتاب المقدس يحوي إما وصايا الاله المعبود او تعاليم الشريعة وتفصيلاتها ، ولا ينكر الأيزيدي إن له كتاب يدعى (مصحف رش) مثلما لا ينكر كل التفاصيل التي وردت فيه والتي لم يثبت بطلانها ولا خلافها ولا عدم صحتها حتى اليوم ) ..
ويتابع الباحث في مضمون حديثه عن مصحف رش بالأنتقال إلى كتاب الجلوة حيث يواصل القول : بالنظر لعدم وجود نسخة معتمدة منه ، كما إن ما تناقله الكتاب وما نقله الرواة من نصوص كتاب ( الجلوة ) يدل أيضا على الاتفاق و الاجماع والقبول لكل ما ورد فيه ) ص 50 …. وهذا يعني إن صحائف الكتاب الايزيدي المقدس إن وجدت فهي موزعة ومخفية يمكن أن تكون قد اتلفت بفعل عامل الزمن والظروف التي أحاطت بهم، مثلما يمكن أن تكون هناك بعض صفحات متبقية بشكل مبعثر وخفي لدى بعض المهتمين أو شيوخهم ورجالهم ص50 …

ويعيد ما سبق أن قرأناه في كتب عديدة سابقة عن تحريم الإيزيدية للقراءة ( إذ بقي رجال الدين الايزيدي لفترة طويلة يحرمون على المجتمع القراءة والكتابة ودخول المدارس ) ص50 وهي تهمة شائكة ومعقدة الصقت بالإيزيدية كدين ومجتمع منذ سنوات حينما كتبعبد الرزاق الحسني و صديق الدملوجي كتبهم عن الأيزيدية ورددها بعدهم الكتاب من دون تمحيص وتدقيق حيث لا يوجد نص ديني يمنع أو يحرم الإيزيدي من تعلم القراءة والكتابة وبالعكس فإن ورود مصطلح اللوح والقلم في الأدب الشفاهي يدل على معرفة أبناء هذا الدين وحبهم للتعليم والمعرفة.
لكن التطورات التي لحقت بهم والفرمانات التي حلت بهم ومحاولة فرض الإسلام عليهم بالقوة من خلال الكتاتيب التي كانت تنتشر في الجوامع بدل المدارس في العهد العثماني جعل الإيزيديين يتوجسون منها وقد ابتعدوا وابعدوا ابناؤهم عن تلك (المدارس) كي لا يفرض عليهم الأسلام والدليل إن السيد اسماعيل جولو بك احد امراء الإيزيدية قد تعلم القراءة والكتابة وعلم اولاده أيضا ً كذلك يمكن أن استشهد بجدي كنجي الذي تعلم الكتابة في الكنيسة في القرن الثامن عشر مع القس من دون أن يمنعه احد في الوقت الذي لم تكن حينها أية مدارس في الريف وقد تعلم العربية والسريانية وكان وحده مع القس من يجيد القراءة والكتابة في حينها فهل كان الأخوة السريان يمنعون التعليم أم إن الناس في الريف آنذاك لم تكن تشعر بأهمية التعليم في تلك المراحل على اختلاف ميولها الدينية وهل انتشار الأمية في الوسط الإسلامي الآن في مختلف البلدان العربية له علاقة بتحريم الدين؟.

ويتحدث عن تواجد الاديان في منطقة كردستان قبل أن يحل الإسلام فيها ويذكر وجود الزرادشتية واليهودية والمسيحية ووجود المعابد والصوامع والكنائس و الاديرة ويقول :
(أيضا ً كانت الأيزيدية موجودة فقد كان الداسنيون وهم بقايا الآشوريين يدينون بهذه الديانة بالأضافة إلى وجود عبادة الشمس )ص54 …
ارى إن هذه المسألة تحتاج إلى توضيح وتدقيق فالداسنيون ليسوا بقايا الآشوريين وإنما الدسناية هي التسمية التي يطلقها الآشوريون والسريان والكلدان كتسمية على الإيزيدية ومعناها عبدة الإله( سن ) أو اتباع سن ويلتقي الإيزيديون مع الآشوريون في الكثير من الأمور والطقوس التي لها علاقة بالتكوين والتاريخ الآشوري ما قبل اعتناق المسيحية من زمن بابل وآشور ابتداءً من الملبس وخاصة زي الرجال وشكل الخبز والتجاور في العيش وبعض طقوس اعياد الربيع وقرب رأس السنة الآشورية من رأس السنة الإيزيدية السرسال وكذلك في بعض تقاليد الزواج حيث يشترك الطرفان في اختيار( برا زافه) أي ( اخ الأخرة ) وكذلك في بعض المرادفات اللغوية والأغاني والألحان والرقصات الشعبية وهو ما يستحق البحث المستقل وكذا الحال مع الصابئة المندائيين لوجود المشتركات بين الدينين .
وفي نفس الصفحة يذكر..( وبعد إن جاء الأسلام وبدأت موجات الفتوحات الأسلامية تصل مشارق الأرض ومغاربها ، انظم إلى الأسلام إعداد غير قليلة من تلك الديانات ، بل واضمحل اثر كثير من تلك الديانات،فقد غابت تلك الجموع الزرادشتية وتقهقر الوجود اليهودي وضعف الوجود المسيحي، بينما بقيت الإيزيدية غير متأثرة بتلك الفتوحات بالنظر للعقلية المنفتحة والتعاليم السمحة للرسالة المحمدية وللقائمين على نشرها ، واستمر الحال في التعايش المنسجم بين تلك الديانات المقيمة في المنطقة ) ص 54 ..
ولست ادري إن كانت لدى الباحث معلومات عن تواجد (الخورشيديين) أي عبدة الشمس في مناطق ناحية حرير واطرافها لغاية الستينات حيث اندلعت الثورة الكردية وكان من نتائجها المؤسفة تدمير قراهم وبعثرة تواجدهم وهم أيضا ً لم يلقوا الأهتمام الكافي من قبل الباحثين ونرجو من بقايا أبناء هذه الديانة أن يساهموا في الكتابة عن طبيعة هذا المعتقد وعن أوضاعهم وطقوسهم أو الاعلان عن مناطق تواجدهم في أوربا وغيرها من الأماكن لأجل الإتصال بهم و توثيق عاداتهم وطقوسهم وادعوا (مركز كلكامش) للدراسات والبحوث الكردية للمساهمة في البحث والتقصي عن هؤلاء الكرد وطبيعة ديانتهم وتاريخهم .

وفي معرض حديثه عن لغة الإيزيدية يذكر الباحث ( وللايزيدية مثل غيرها من الديانات لغة خاصة لها ابجديتها وحروفها ويمكن أن تكون الكتابات المنقوشة على الجدار الخارجي لمعبد لالش انموذجا لهذه الكتابة التي لم يسبر غورها احد من الباحثين والمهتمين بجوانب التاريخ الايزيدي ، كما يمكن أن تكون الكتابة الايزيدية القديمة التي كتب بها الكتاب المقدس والموجودة في متحف النمسا دليلا اخر على وجود هذه الكتابة، حيث وجدت نسخة الكتاب في مناطق الايزيدية، كما أنها لم تكن من الكتابات العبرية أو اللاتينية أو العربية التي كتب بها الكتاب المقدس ، ومن الغريب إن علماء اللغة والتاريخ لم يعيروا تلك الأهمية و الأهتمام لهذا الجانب من التاريخ الإيزيدي ، حيث لا يمكن القبول إن الأيزيدية لم تكن لهم لغة ولم تكن لهم كتابات) ص56 .
يطرح الباحث زهير كاظم عبود في هذه الفقرة رأيا ً مهما ً لم يسبقه احد في هذا وهو رأي جريء وجديد ان ثبتت صحته بالدليل والتوثيق سيكون له الفضل الكبير في البدء بكتابة التاريخ المغيب للأيزيدية وأرجو من من يهمه الأمر الأتصال بالمشرفين على إدارة متحف النمسا لمتابعة الآمر الهام الذي طرحه الباحث والتأكد من تاريخ وهوية تلك الكتابة واصلها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *