الرئيسية » مقالات » أينما تمتد الأصابع الأمريكية يرتفع الدخان وتنشأ الجدران !

أينما تمتد الأصابع الأمريكية يرتفع الدخان وتنشأ الجدران !

في العام 1954 كتب الأستاذ المناضل والراحل محمد شرارة مقالاً بعنوان “أينما تمتد الأصابع الأمريكية يرتفع الدخان”. ولو كان هذا الأستاذ الجليل حياً لكتب مقالاً آخر بعنوان استكمالي آخر هو “أينما تمتد الأصابع الأمريكية يرتفع الدخان وأينما تنهض الطائفية تنشأ الجدران”. والمصيبة أننا ابتلينا بالعلتين معاً , وبالتالي ارتفع الدخان ووصل إلى عنان السماء ,وبدأت جدران العزل الطائفي تنهض وتؤسس حالة جديدة لم يجرأ حتى صدام حسين على ممارستها رغم كل العذابات والماسي وضد الإنسانية التي ألحقها بالشعب الكردي, إذ لم يجرأ أن يبني جداراً عازلاً بين كُردستان العراق والعراق العربي. إنها لمأساة حقاً أن يلجأ “المحررون المحتلون” والطائفيون على بناء جدار يعزل مدينة الأعظمية الحبيبة عن بقية الأحياء البغدادية الحبيبة الأخرى.
لقد بنيت في العالم ثلاث جدران. كان الجدار الأول هو جدار برلين الذي بنته حكومة ألمانيا الديمقراطية باتفاق مع الاتحاد السوفييتي لتعزل برلين الشرقية عن برلين الغربية وتتخلص من النفوذ الغربي, وكانت النتيجة معروفة هي سقوط جدار برلين ووحدة المدينة في ظل الدولة الألمانية الاتحادية واختفاء ألمانيا الديمقراطية من خارطة العالم , وكما عبر عنها الكاتب الشيوعي المعروف شتيفان هايم بأن هذه الجمهورية أصبحت هامشاً صغيراً في كتب التاريخ ألألماني.
والجدار الثاني تبنيه الولايات المتحدة بينها وبين المكسيك لمنع الهجرة إليها من قبل المكسيكيين العاطلين عن العمل , في وقت يمكن اعتبار جميع الأمريكيين , في ما عدا الهنود الحمر , من أصول مهاجرة أساساً , وهو موضع خلاف في الولايات المتحدة ذاتها وفي المكسيك وفي العلاقة المتوترة بين البلدين.
والجدار الثالث هو الجدار العنصري الذي تقوم إسرائيل ببنائه على الأرض الفلسطينية لتنهب المزيد من الأراضي الفلسطينية من جهة , وتكرس العزل العنصري ضد العرب من جهة ثانية , بحجة حماية الإسرائيليين من هجمات المقاومة العربية. وقد أقيم هذا الجدار , الذي لم ينته تشييده بعد , بموافقة الولايات المتحدة الأمريكية , وإلا لما تجرأت إسرائيل على إقامته واغتصاب أراض فلسطينية جديدة.
واليوم تقوم الإدارة الأمريكية وبموافقة من القوى الطائفية في العراق بإقامة جدار طائفي عازل, يعزل سكان وحي الأعظمية الذي يحتضن قبر ومزار الأمام الأعظم أبو حنيفة (نعمان بن ثابت) إمام المذهب الحنفي وأعظم أئمة مذاهب المجتهدين الأربعة بالشرع الإسلامي السني عن بقية أحياء بغداد باعتباره أحد الأحياء الذي تقطنه أكثرية عراقية عربية سنية بحجة إبعاد الأذى عن السنة من بعض الجماعات الشيعية المتطرفة التي تقطن الأحياء الأخرى. إنها لحجة بائسة وخطيرة في آن واحد هذه التي يتذرع بها الأمريكيون والطائفيون العراقيون لإقامة الجار الطائفي العازل. وعليهم أن يقيموا فيما بعد جدران عازلة أخرى في ما بين الأحياء الأخرى التي تقطنها أكثرية شيعة, إذ أن الصراع بين الجماعات الشيعية – الشيعية قد بدأ في البصرة وسيمتد إلى بغداد لا محالة أن استمر الحكم الطائفي والمحاصصة الطائفية هي المعمول بها في العراق, وسيتعذر تحقيق الأمن والاستقرار والسلام في أرض السلام.
إن الجدار الرابع في سلسلة الجدران الحديثة في العالم سيسقط لا محالة كما سقط جدار برلين, وعلينا أن نرفضه منذ الآن , لكي لا نقيم المزيد من الجدران في بغداد ونخلق المزيد من الجيتوات العازلة للسكان. إنها الجريمة بعينها إن وافقت الحكومة العراقية على إقامة مثل هذا الجدار خاصة وأنها تدعي قرب تسلمها للملف الأمني من القيادة العسكرية الأمريكية في العراق. إن محاولة عزل السكان السنة وكأنهم جميعاً يتحملون مسؤولية الإرهاب , ينسون تماماً بأن الذي يغذي الإرهاب في العراق ليس جمهرة من البعثيين من أيتام صدام حسين ولا جمهرة التكفيريين من أتباع المجرم الدولي أسامة بن لادن فحسب, بل ومن أتباع إيران في العراق بشكل خاص. فإيران تقوم الآن بتأمين السلاح والعتاد والمال والرجال للقوى الإرهابية الشيعية والسنية في آن واحد, رغم طائفيتها الشيعية السياسية, إذ أن همها الأساسي إشاعة الفوضى في العراق. وعلى القوات الأجنبية في العراق والحكومة العراقية أن يساهما في منع وصول تلك المساعدات لتنشيف إمكانيات الإرهابيين على القتل وليس إقامة جدار طائفي يعزل السكان العرب السنة عن بقية مكونات الشعب العراقي السنية والشيعية, العربية وغير العربية.
إن من حق كل العراقيات والعراقيين الديمقراطيين والعلمانيين واللبراليين, وكل المواطنات والمواطنين من أتباع الديانات والمذاهب الدينية في العراق أن يقفوا ضد هذه السياسة الخبيثة واللعينة التي تريد عزل مكونات المجتمع عن بعضها. من حقنا أن نطالب السيد رئيس الجمهورية ونائبيه والسيد رئيس مجلس النواب ونائبيه والسيد رئيس الحكومة ونائبيه برفض هذا المشروع ومنع إقامة الجدار العازل, فهو البداية لدق أسفين الفرقة الفعلية وتكريسها في المجتمع وهو ما يسعى إليه أولئك الذين يمارسون الإرهاب في العراق, وهو ما يفترض منع وقوعه. إنها الخطو التالية للمحاصصة الطائفية المقيتة التي كرسها الأمريكيون والطائفيون من الأحزاب الإسلامية السياسية القائمة على أساس المذهبية. إن من حقنا أن نطالب حكومة إقليم كُردستان برفض هذا الإجراء المقيت وإلا سيتكرر في مناطق ومواقع أخرى من العراق, بما في ذلك كركوك وبين المكونات القومية والدينية, وهي مصيبة جديدة تمس كُردستان والعراق كله.
على كل العراقيات والعراقيين تحمل مسؤولية ومهمة رفض هذا المشروع الجهنمي الذي سيدخلنا في نفق لا نخرج منه أحياء وآدميين نشعر بهويتنا الوطنية العراقية, مع احترامنا لكل الهويات الثانوية, بل هويات ثانوية تحتقر الهوية الوطنية العراقية وتدعو إلى مسخها, وهي المصيبة اللاحقة بعد إقامة الجدار العازل ضد سكان الأعظمية.
نيسان/ابريل 2007 كاظم حبيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *