الرئيسية » مقالات » من بنى جدران العزلة

من بنى جدران العزلة

قبل ان يُبنى جدار الكونكريت الذي يُحيط بالمناطق والمدن ويفصل الناس عن بعضها البعض، كان جدار اخر اشد قوة وامتن بناء واعلى ارتفاعا قد بُني وشُيد، فاحاط بالعقول والافهام والعواطف والابصار، خيم بعتمته عليها فمنعها من رؤية وجه الحقيقة الساطع، اتخمها بفتاوى بليدة وتزيورات مفضوحة وخصومات وفتن وطعن و جهل مقدس، جدار لم يحاول احد كسره ولا هدمه، بل على العكس من ذلك، كان الجميع يساهم في تقويته وزيادة ارتفاعه وتعزيزة ومحاربة كل من حاول ردمه.

جدارا بناه نظام همجي وارعن مقبور وخصيان وازلام باعوا ضمائرهم وشرفهم واصبحوا كلاب مسعورة انشبت انيابها في التاريخ والتراث والفكلور والعادات والتقاليد واللغة والافكار قبل ان تنشبها في الاجساد وفي اللحمة الشعبية والوحدة الوطنية.

جدارمنع البعض من رؤية المجاز الشنيعة والمقاتل الظالمة والالم الانساني والتهجير والنفي والمشانق وصراخ المساجين وسياسات الاراضي المحروقه وضحايا الغازات السامة وابادات الانفال والمقابر الجماعية وانهاء اهل الجنوب، جدار شارك في بناؤه ووضع لبناته الاولى الوهابيون والسلفيون الذين ما حلو بارض الا وكان اثارهم دما واشلاء وظلام وهمجية.

سقط النظام الهمجي وسقطت اوثان قائده الارعن وسقط حزبه الاجرب، لكن الجدار لم يسقط، لم يحاول احد احداث ثقوب فيه ولا زعزعته، ولا تجاهله و القفز من فوق اسواره، على العكس، كانوا يذكرون الناس ان هذا الحاجز، هذا الجدار، موجود وان لم يكن فوق الارض، لكنه قائم، صلب متين في اذهان الناس وفي وجدانهم وفي رؤيتهم للماضي وماتلاه من الحاضر المر المؤلم.

كانت ناس تبحث عن ضحاياها في مجاهيل التراب، موشحة بالدمع والالم، يلفها الحزن والسواد، اصابعها تحفر اخاديدا في الارض والذاكرة تحفر جروحا في الروح، بينما ناس اخرى مرؤسة برجال دين ووعاظ سلاطين من الذين يسبحون بحمد القائد ويصلون للقائد ويضعونه على عرش الله، يضعون حجارة فوق حجارة لزيادة ارتفاع الجدار، يبثون الخوف والرعب والفزع ان انهدم الجدار، بان في هدمه سيزحف هؤلاء العراة الحفاة، هؤلاء الذين يعودون باكياس تحوي بعض من عظام اطفالهم ونسائهم واحبائهم، بعض من بقايا ملابس تجمد الدم على اطرافها، لعب تذكر في براءة الطفولة المطمورة من دون رحمة، ان هؤلاء المساكين سينتقمون منهم، سينهبون بيوتهم، سيستولون على دولتهم، ان هؤلاء المساكين الذين يبحثون عن ملجأ لتهدا فيه عذابات ارواحهم الذين فرحوا بانتهاء الكابوس سيتحولون الى جلادين.

انكروا المقابر الجماعية وجرائم الانفال وحلبجة، انكروا على الناس الامهم ودموعهم ومشاهد الحفر في القيعان، انكروا الاف الاكفان وقالوا انها لجنود ايرانيين او جنود عراقيين سقطوا في معركة الشرف والكرامة، فاي كرامة حينما تُدفن الاف القتلى في حفر جماعية وفي بلدها..؟

انكروا عليهم فرحهم بسقوط النظام، سقوط الجلاد، سقوط السكين من يد الذباح، سقوط الجزارين، سقوط الاجرام، واتهموهم بالخيانة والتعاون مع الامريكين. ادخلوا كل زناة وعتاة العرب والمسلمين ليفجروا ويغتصبوا ويخربوا، ضيفوهم وزادوا من حقدهم ومن سعيرهم الوهابي السلفي ومن حقدهم على الانسانية، اضرموا نيران البغض في نفوسهم الخاوية اليابسة فزادت اشتعالا حقدا وغلا وصديدا، قالوا لهم ان هؤلاء لا يستحقون الحياة، لا يستحقون غير الموت والذبح ففي ذبحهم تفتح حوريات الجنة افخاذها ويزداد شبقها ويكثر غنجها ودلالها، سيمنحكم الله ايها المحرومون المهوسون جنسيا الاف الفروج غير الموطوءة، فانعموا بجنة عرضها السموات والارض اعدت للمغفلين.

الم تكن فرصة للصلح والمصالحة لو اقيم ماتم عراقي كبير لكل الراحلين الذين قتلهم النظام البعثي وتامرت عليهم العروبة الخائبة بدولها الخاوية.؟

الم تكن فرصة للتوحد لو ان الجميع لعن الاجرام والمجرمين وبصق على وجه الطاغية وشارك في تحطيم اوثانه وتمزيق صورة لا الاحتفاظ بها في شوارعه وساحاته العامة.؟

الم تكن فرصة لنسيان الماضي لو ان الجميع شارك في فرحة سقوط البعث وتلاحمت السواعد في بناء مرحلة جديدة.؟

الم تكن فرصة بتفويت الفرصة على الوهابية والسلفية المظلمة لو راجع رجال الدين انفسهم وقالوا ما لنا ومال السياسة، فان لنا الله ولنا سبيله الذي يدعوا الى المحبة والتسامح وصد رجال الظلام الوهابيين والسلفين ومنعهم من النفخ في نيران الفتنة بين العراقيين.؟

لم يحدث مثل هذا، بل على العكس، البعض نسق مع ايران التي تريد بناء مجدا وتدخل النادي النووي غير مدعوة وتخوض معركة لا تكلفها شئيا فالدماء التي تنزف عراقية، والثروات التي تهدر عراقية والمستقبل الذي يذبح عراقيا. البعض الثاني توحد مع الوهابية القاتلة ومع عصبات الزرقاوي وقطعانه الهمجية ، واخذ يذبح الناس في بيوتهم وفي سفراتهم وفي زياراتهم وفي مقاهيهم وغرف نومهم. اطلقوا على الذباحين اسم مجاهدين وعلى المخربين والشاذيين وسفاحي الدم لقب المقاوميين، اصطفوا مع كل حاقد ولئيم على العراقيين، عروبي او اسلامي، تامروا مع دول واستخبارت ودوائر اجنبية لا يهمها مستقبل الانسان ولا حياته ولا مصيره، كل ما يهمها هو العيش على انقاض الخراب الوطني .

لقد امر المالكي بمنع بناء جدار الاعظمية، لكن هل للمالكي او غيره ان يهدم الجدران القائمة في اذهان الناس.؟

هل يستطيع ان يهدم الجدران الطائفية في تصورات الناس وافكارهم.؟

لا يمكن ذلك، فمادة الجدران، حجاره وطوبه واسمنته وكونكريته ديني، اسلامي. ولا يمكن لهذا الجدار العازل ان يتهدم ويتحطم في ظل حكم ديني، في دولة تؤمن بان الاسلام والشريعة هي الاساس الذي يستند عليه التشريع، في ظل دولة تحكمها احزاب اسلامية لا بد وان تكون منتمية الى هذا المذهب او ذاك.؟

المعول الاسلامي الذي بنا الجدار لا يمكن ان يهدمه، وما بناه الا لاطماع ونهم بالسيطرة والتحكم والحافظة عليها، وان احدث ثقوبا فيه فهي ثقوب المحاصصة والتوازن الطائفي. فهل سيهدم الجدار من يلوذ خلفه.؟ من يخفي كل اسلابه وغنائمه في حفره وزواغيره.؟ هل توجد عتمة اكثر من عتمة الجدران الدينية، فخلفها يختفي الجهلة واللصوص والافاكين والمشعوذين والجزارين والمهربيين والطامعين والدمويين.؟

لا يمكن هدم الجدار الا بمعول علماني، بعيدا عن الدين، بعيدا عن المذهبية وعن الطائفية، ممهدا لاجتثاث الوهابية والسلفية الدموية، مفوتا الفرصة على ممالك الشر الوهابية ومطهرا العراق من خبثها ومنظفا الارض من القيئ القومي العروبي البغيض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *