الرئيسية » مقالات » الطريق إلى الإحتفاء ِ بالجريمة…!

الطريق إلى الإحتفاء ِ بالجريمة…!

مرة ً أخرى عاد الأيزيديون لواجهة الأحداث وتصدرت اخبارهم المواقع الالكترونية وبعض نشرات الأخبار ، ومن جديد عادت اسماء بحزاني وبعشيقة إلى التداول على السنة الناس ، من خلال شبكات الأتصال ناقلة معها صورة جديدة صادمة ، صورة معكوسة ومغايرة لتصورات الناس عن وداعتهم وطبيعتهم السمحة والمسالمة ، عن حبهم للخير ونبذهم للشر ، عن الفتهم مع جيرانهم ونبذهم للعنف والقسوة، صورة مغايرة لأهالي بحزاني وبعشيقة والأنطباع الإيجابي عنهم كونهم أصحاب اشهر عرق في العراق و طوافاتهم الجميلة التي تستمر لأربعين يوما ً في مثل هذه الأيام وهم يؤدون رقصاتهم بفرح بملابسهم البيضاء وسط هلاهل النساء والصبايا الفاتنات ممن هيأت لهن تقاليد ديانتهم السمحة الفرصة للمشاركة بالرقص والفرح في دائرة تكبر في كل لحظة بتزايد عدد المساهمين فيها من الجنسين .

الإيزيديون و بحزاني وما كتبه المؤرخون عن حملات الإبادة ضدهم والفرمانات وصورة القهر والظلم الذي لحق بهم ، والظلم الذي رافقهم على امتداد التاريخ الذي كان ينقل لنا الصورة على حقيقتها هي صورة للمعذبين والصابرين ، صورة الإيزيدي الضحية الذي تنهشه مخالب الطغاة من خلال فتاوى لأ ُميين نصبوا أنفسهم وكلاء لرب ِالسماءِ وأباحوا قتل البشر من اجل نشر تعاليم إعتقدوا أنها دين الله بل هي دينه الوحيد..
وعلى امتداد هذا الزمن كان هناك من تعاطف معهم وشد من إزرهم وضمد من جراحهم وآخرون دافعوا عنهم وشجبوا واستنكروا حملات ابادتهم هكذا كانت المعادلة ..
ايزيدي ضحية .
وإيزيدي بريء.
وإيزيدي وديع و مسالم .
وفي الطرف الثاني طُغات وجلادون وقتلة وإرهابيون من السفلة والدونيون ومن صفق معهم لمشهد الدم والموت من الرمَم ِ والحثالات البشرية….
وبينهم المنْصفين من الذين تعاطفوا معهم وكتبوا عنهم بحيادية وموضوعية وقدموا عنهم صورة صنفتهم في خانة المسالمين ، وإن اثبتوا شجاعة في مقاومة مهاجميهم والمعتدين عليهم فصبروا وصمدوا فكانوا مسالمين ولكن غير مستسلمين .
هذا التوازن في بناء الشخصية جعلهم يتشبثون بالحياة ويعشقونها ومنحهم القدرة في التمييز بين الخير والشر وساعدهم في تحديد مواقفهم المرنة إزاء ما يواجههم من مشاكل ، وإن كانت تبدو في بعض الأحيان مستعصية وغير قابلة للحل .

لذلك نشأت بينهم أعراف اجتماعية متوارثة حددت مواقفهم المرنة في التعامل مع المخطئين والمسيئين من بين أبناء جلدتهم ممن يتجاوزون على الأعراف والقيم الإجتماعية والدينية بما فيها حالات الأنسلاخ من الدين وإختيار دين آخر، حيث لا توجد في الديانة الإيزيدية نصوص ملزمة تفرضُ القصاص على الإنسان أو الفرد الإيزيدي .

لأن هذا ليس من شأن البشر واختصاصهم أو من مهامهم والجهة الوحيدة التي من حقها محاسبة الإيزيدي على افعاله وتصرفاته وتقييمها واتخاذ الموقف المناسب إزاءها هو الله ( خدا ) وحده أو من يوكله من الأرباب السبعة في مجمع الملائكة وتقدير الحال يتأتى من خلال وزن أعمال الخير والشر ومقارنتها بميزان الحق الإلهي ويكون مصير صاحبها إما التقدير الإيجابي برفع شأنه ووضع روحه في جسد إنسان صالح وخير وهكذا يَرتقي الإنسان من حال لأخرى أفضل أو العكس حيث تودع الروح أو النفس المخطئة من ذوات حاملي الذنوب في اجساد لحيوانات كالكلاب السائبة والحمير وغيرها من المخلوقات التي ينظر لها بدونية وإحتقار وتتدرج العقوبة من خلال وضع روح صاحبها في حالة تماديه في طريق الرذيلة في جسد كلب أجرب أو حمار يتعرض لسوء المعاملة ومحمل بالأثقال وهكذا من التشبيهات الميثولوجية ، وهي تجسيد لفكرة التناسخ والحلول الذي يؤمن بها الأيزيديون حيث تحمل فيما تحمله من افكار وقيم فلسفية على فكرة المحاسبة والعقاب وتحصرها في يد الخالق ومساعدية من الأرباب المحددين وبهذا المفهوم يتبرأ الدين من افعال البشر حيث لا يمدهم بأية صلاحية في القصاص من المذنب ولا يمنحهم الحق في التجاوز على الآخرين مهما كانت خطاياهم بما فيها تلك التي تدخل في خانة التجاوز على قيم الدين وضوابطه ومن بينها تلك التي يجري تصنيفها في زاوية الأخلاق وممارسة الجنس وحدود الزواج المحرمة بين طبقاته.
والمطلع على تاريخ الإيزيدية يلاحظ وجود حالات تزاوج مرفوضة في العرف الديني وقيمه الحالية التي يتمسك بها الإيزيديون اليوم في الوقت الحاضر وسأذكر امثلة في هذا المجال :

1- الشيخ ( مند ) تزوج من إمرأة آدانية هي ابنة الشيخ (هسن- حسن).
2- أم الشيخ ( آدي الثاني) الشيخ آدي البوزاني والد الشيخ هسن تزوج من طبقة البير من مجموعة بير (هاجالي ).
3- الشيخ (ناسردين) شقيق( سجادين)، وهم احفاد (الشيخ آدي) حسب الاقوال الشفهية وهي من نصوص الدين الرئيسية والمهمة ، ويعتبرون من شيوخ الشمسانية تزوج من ( الست حبيبي) من عائلةالشيخ (هسن) . وهذا يعني إن الزواج كان طبيعي بين هؤلاء الأرباب وهو الأمر المرجح أو أنهم من المتجاوزين على الحدود والضوابط وهذا ليس منطقيا ً، مما يؤكد احتمال أن تكون بعض الضوابط والممنوعات في تحديد حالات الزواج جديدة المنشأ في عصور لاحقة على البدايات وليست بعيدة من زماننا وعصرنا.

4- بديع بك ابن حسين بك الأكبر بن علي بك تزوج من (عزو ) وهي من طبقة الشيوخ الشمسانية .
5- السيد عيسى من خانكي لم يكن ايزيديا ً ونشأ بين الأيزيدية واصبح ايزيديا ً كامل الحقوق واعتقد انه مازال حي يرزق وقصته معروفة للجميع.
6- تزوج ( سعيد بك) احد امراء الأيزيدية من ثلاث شقيقات وهو أمر نادر الحدوث ليس في تاريخ الإيزيدية بل في تاريخ كافة الشعوب والأديان .

كما يمكن ملاحظة حالات زواج ليست بعيدة بين الأيزيدين وغيرهم من الأديان جرى التعامل معهم بشكل طبيعي وساذكر بعض الأمثلة التي مازال اصحابها أو احفادهم بيننا يزاولون كافة حقوقهم من دون أية منغصات:
1- تزوج السيد ( قاسم قسون) من بعشيقة من بنت قس وكنتيجة لهذا الزواج لقب بهذا الأسم واحفاده مازالوا في بعشيقة.
2- تزوج السيد( مودو اسياني) من امرأة من طبقة الشيوخ وبقي يعيش في ايسيان بشكل طبيعي.
3- تزوج السيد( نجم الخياط ) من حلب إمرأة غير ايزيدية وعاش في الموصل بينهم وتزوج ابناؤه وبناته من الأيزيديين .
4- تزوج السيد (خلف) شقيق أبو عكيد من مسلمة واولاده فيما بعد من ايزيديات.
ويمكن تعداد المزيد من الحالات التي اعتنق فيها البعض من الإيزيدية الديانة المسيحية وتزوج ابناؤهم من الايزيديين كما لا بد وان نذكر موضوع الإختلاط الديني بين الأيزيدية وغيرهم من الأديان في منطقة حلب في سوريا حيث أصبحت ظاهرة شائعة ومعروفة للجميع وكذلك تزاوج الطبقات الأيزيدية فيما بينهم هناك ، مما ادى إلى تكوين و خلق مجموعة جديدة لا يمكن وضعها في خانة الطبقات المعروفة كونهم مزيج وخليط من مكونات الأيزيدية وقد أصبح الآمر واقعا ً ويتطلب التعامل معهم برؤية انسانية تتفق مع مبادىء وقيم الدين الإيزيدي السمحة بدلا من لفظهم ومقاطعتهم ودفعهم لترك ديانتهم لأنهم مازالوا يعتقدون أنهم ايزيدية ويعتزون بإنتمائهم لهذا الدين.
وهناك حالات تزاوج من ديانات أخرى من دون تغيير للدين أو اعتناق عقيدة أخرى حيث بقي فيها المتزوجون على ديانتهم الأيزيدية لأنهم يملكون موقفا ً علميا ًمن الدين كما هو حال عند الياس شيخ عمر أبو رعد من بحزاني …الخ

ذكرت هذه المعلومات وهذه التفاصيل وارجو ان لا أكون مخطئا ً فيما ذكرته من معطيات استقيتها من المطلعين على تفاصيل الحياة في المجتمع الأيزيدي كي لا تأتي دراستي من فراغ وأنا اعود للموضوع الرئيسي المتعلق بمقتل فتاة ايزيدية في بحزاني بهذه الطريقة الهمجية والبشعة والتي شارك فيها العشرات من أبناء هذه المدينة الوديعة من الشبيبة المندفعين كالحيوانات لحفلة الموت الجماعية وسط حالة من الهيجان والهستيريا التي صاحبتهم ليركلوها ويضربوها بالعصي والحجارة ، جموع هائجة تجتمع في لحظة غضب على فتاة ضعيفة لتنهش لحمها وتمزق جسدها وتهشم رأسها في دقائق ، كأن المسكينة ( دعاء) قد تحملت إثم الكون وخطايا العالم كله بفعلتها التي استقبحها المهاجمون ، في حالة غير مسبوقة لا في المنطقة ولا بين الأيزيدية على امتداد تأريخهم ، وما افرزته من تداعيات تتطلب التوقف عندها ومناقشتها بعقلية مرنة كي لا تتكرر .
وجوهر الموضوع يتعلق بمسألتين هما :

1- موضوع الحرية .
2- الأخلاق والجنس.

وسوف اناقش هاتين المسألتين في الفقرات التالية بالشكل الذي يتعلق بما حدث وطبيعة المشكلات والمسببات التي ساهمت فيما يمكن أن نسميه بالطريق إلى حفلة الإجرام وسهلت إنخراط تلك المجاميع الهائجة في طقوسه مع مقدماتها التي مهدت لها بالمعطيات الملموسة حسبما يمكن وفق ما نملكه من معلومات عن المنطقة وناسها وطبيعة الظروف والأوضاع المحيطة بهم ..
وساعود للنقطة الأولى لكي اناقشها من منطلقين اولها إن مبدأ الحرية ،حرية الإنسان ، لا يمكن أن تتجزأ بأي شكل من الأشكال فهي تشمل حرية الأعتقاد والتفكير والتعبير عن الرأي وحق الإعتراض والرفض والتظاهر والاحتجاج والأستنكار وحق تشكيل الأحزاب والمنظمات والجمعيات وكل ما يتعلق بالحقوق المدنية بما فيها حرية اعتناق الدين أو تغييره أو اختيار الموقف المناهض من الظاهرة الدينية بكافة مكوناتها واسسها بالشكل الذي يتفق مع ميول وقناعات الإنسان اللاديني ومن هنا ينشأ الحق المطلق للأنسان ذكرا ً كان أم انثى في رفضه للدين الموّرث له أو تبدليه متى شاء وفي أي زمان كان انسجاما ً مع قناعاته من دون ضغط أو إكراه ويجب أن نحدد فهمنا للدين على أساس خدمة الدين للأنسان وليس العكس ، وفي حالة عدم حاجة الإنسان للدين أو تناقضه مع مصالحه وخياراته وقناعاته يكون القرار للأنسان والأنسان الفرد وحده هو من يقرر حاجته أوعدم حاجته للدين ومفاهيمه ومنطلقاته فالدين هو قناعة وإيمان ومسألة ضميرية وشخصية لا يمكن فرضها بالقوة أو إجبار البشر على اعتناقها والتمسك بها.

أما الموضوع الثاني الذي يربط بين الأخلاق والجنس فلا بد من أن نشير إلى ان الأديان بكافة اشكالها حاولت أن تعالج أو عالجت مسالة الجنس من منطلقاتها ومفاهيمها برؤى مختلفة ومتناقضة فاليهودية على سبيل المثال تتحدث لنا من خلال التوراة عن قوم بكاملهم من اللواطين وبينهم نبي هو النبي لوط الذي توسل باللواطين لترك عادتهم وقدم لهم بناته العذارى لكنهم رفضوا ترك عاداتهم الجنسية ولم يعبؤا بوصاياه ، كذلك تحدثنا التوراة عن مضاجعة النبي لوط لبناته في أكثر من مزمور وعند المسلمين يبيحُ الدين مفاخذة الطفلة التي عمرها ثماني سنوات حيث كان محمد نبي الإسلام يفاخذُ عائشة حسبما وردت في الكثير من المصادر الإسلامية ، كذلك ذكرت النصوص الإسلامية واحاديث نبيها الكثير من التفاصيل عن طرق ممارسة الجنس واشكاله واباحت فرقه زواج المتعة والمسيار ، وهكذا سمحت اليهودية بزواج المرأة من رجل آخر لا يدين باليهودية ، والديانات القديمة نقلت إلينا الكثير عن البغايا المقدسات في المعابد وقد افرد الباحث صموئيل نوح كرامر كتابا ً كاملا لموضوع الجنس عنوانه (طقوس الجنس المقدس عند السومريين) وقرأت قبل فترة قصيرة كتابا ً تاريخيا عن الحضر لمؤلفه ماجد عبد الله الشمس يورد فيه ان البغاء كان مهنة في مدينة الحضر تمارس بشكل علني وتؤخذ من ممتهنيها ضريبة كبقية المهن .
و الواقع منذ فجر التاريخ ينبؤنا من خلال المكتشفات الاثرية والمنقوشات الحجرية إن الإنسان كان يضاجع الحيوانات وكذلك انتشرت مضاجعة المثليين بين الرجال ( اللواط) والنساء( السحاق) وايضا هناك ممارسة لما يعرف بالعادة السرية من كلا الجنسين ويحدثنا التاريخ عن اشكال عديدة للعائلة ذكر بعضها (انجلس) في كتاب (اصل العائلة والملكية الخاصة والدولة) وتحدث( ماركس) عن احتمالات اضمحلال العائلة كونها نشأت في فترة تاريخية وستضمحل في فترة لاحقة وهكذا الأمر بالنسبة للدولة ومن يتابع نتائج وافرازات العولمة في العديد من المجتمعات الأوربية والشرقية يلاحظ نتائج هذا التنبؤ حيث تبيح القوانين في العديد من الدول حرية الأنجاب من دون التقيد بشروط الزواج أو تحديد اسم الأبوين ناهيك عن الآلاف من الأطفال الذين يولدون في المجتمعات الشرقية من دون أب والمعلومات تفيد بوجود ربع مليون طفل سنويا ً في مصر يولدون من دون معرفة اباؤهم وفي المغرب ( 150 ) ألف طفل يولدون سنويا في العاصمة الدار البيضاء لوحدها من دون معرفة اباؤهم .
اذن هناك هفوة كبيرة بين متطلبات الدين وضوابطه وبين الواقع حيث لا يمكن تطبيق كل شروطه من قبل جميع البشر ، وفي الجوهر تتعارض القيم والضوابط الدينية واحكامها مع مبدأ الحرية وحق الأختيار الشخصي ومن هنا ينشأ الصراع بين الإنسان والدين ليسفر عن حالة من التوافق و الإنسجام التي تتطلب أن يتحول فيها المؤمن إلى عبد خانع للرب وخادم ذليل للدين، قد يكون سعيدا ً بها ، أويسفر عن نفور ورفض لا يمكن اخفاؤه والتوافق معه ، عندها لا يشعر المرء بجدوى وأهمية التمسك بطقوس الدين وشعائره لأنها لا تنسجم مع احاسيسه ولا تستجيب لعواطفه وتتعارض مع تطلعاته…

نعود من جديد لجوهر الموضوع من خلال معادلة الدين والأنسان أيهما الأولى بالإختيار في حالة المفاضلة بينهما ولمن ستكون الكفة الأرجح؟

هنا سنختلف بين من يعتبر الدين أساس كل شيء ويضع قوانينه الصارمة في مواجهة الآخرين ويستخدم اجراءات المنع ويلجأ للتكفير ومن بعدها للويل والثبور التي تُترْجَمُ إلى المفخخات والأحزمة الناسفة والذبح و القتل العلني المُحْتفى به جماهيريا ً كما حدث في حالة دعاء حيث ساهم في الأنقضاض على الهدف الوحيد (جَسدُها الأعزل) فيلق من المهوسين ممن شحنتهم المحن المتراكمة مِنْ زمن ِ القمع ِ والخيبات ِ المتتالية لما بعد زوال الدكتاتورية وما قدمه الوضع الأمني المنفلت من فوضى الحرية التي قيدت النفوس بدلا ً من الجسدِ وأنتجت المزيد من البطالة من خلال تقنينها للحركة والتنقل في مختلف المدن ، وما يرافقها من زيادة في المعاناه وصعوبة ممارسة الحياة الطبيعية واللجوء الإجباري لكبت الأحاسيس والمشاعر والغرائز الجنسية التي تهيجها المحطات التلفزيونية عبر الصور و الافلام .
كل هذه العوامل وغيرها من الممارسات السياسية الخاطئة التي نشأت في مرحلة ما بعد السقوط بما فيها مسألة الصراع الجغرافي لتحديد أطر الفيدراليات الموعودة وتقرير حالة الإنتماء أو الأرتباط مع اقليم كردستان أم البقاء في إطار الإدارة المركزية حيث تتبع بعشيقة قضاء المركز في محافظة نينوى لكن سكانها ممنوعين من الوصول إلى المدينة بعد تفشي الإرهاب فيها وقد ترك هذا تأثيرا ً كبيرا ً في نفوس غالبية السكان وتعدى حدود الإدارة ليشمل على سبيل المثال الشيوعيون الذين مازالوا حائرين بمن يرتبطون هل مع تنظيمات الحزب الشيوعي الكردستاني أم يبقون في إطار الحزب الشيوعي العراقي وسكان المدينة معروفين بميولهم اليسارية وهكذا اختلط الآمر على الناس وعانوا من مواقف مزدوجة وتأثيرات وتجاذبات متناقضة ساهمت مع انعدام الخدمات وانتشار الفقر في التمهيد وخلقت الأرضية المناسبة لردود الأفعال غير المتزنة من النفوس الحائرة والمقهورة التي لا تستطيع التحكم بانفعالاتها ومشاعرها فتلجأ للعنف وهذا ما حدث قبل فترة قصيرة حيث جرى قتل للمواطن صباح بسوكي من قبل مجموعة شباب جلهم من عوائل كادحة لم يعرف عنهم ميول عدوانية أو أية ممارسات عنيفة سابقا ً ، وقبلها طعن شاب آخر زميل له بسكين وارداه قتيلا ً ، وقبل هؤلاء حدثت حوادث قتل وانتحار لشباب وشابات في مقتبل العمر بسبب مواقف عاطفية ، وقد رافق كل هذه الحالات ممارسات جديدة لا قانونية إشتملت على تهجير وابعاد عوائل ذوي المتهمين من المنطقة وهي ظاهرة خطيرة تقوم على مبدأ المحاسبة الجماعية التي لا تتفق مع القوانين وترفضها جميع الأديان والاعراف حيث يجري من خلالها تهجير عوائل واقرباء الشخص المتهم أو الذي ارتكب الإجرام ، أي معاقبة للأبرياء أيضا ً من دون أن يتحرك رجل دين أو أي طرف سياسي أو أي مؤسسة رسمية لمنع هذه الظاهرة اللاانسانية واللاحضارية فكيف لا يتفشى العنف و يستسهله الناس إذا كنا لا نقف بوجه الخطأ ونحاسب من إرتكبه أو من يدعو لممارسته ؟ !..
وقفت مندهشا ً من هذه المشاهد المفزعة لهذه الجموع من الشباب وهي تقوم بالاقتصاص من هذه الفتاة التي لم تبلغ الثامنة عشر من العمر بأسم الدين والأخلاق ..
وأتساءل هل ينتشر الدين مع الخراب والقتل؟ !
هل هؤلاء القتلة هم متدينون حقيقيون أم أنهم من المتنكرين به ؟
هل هؤلاء (المهاجمين للفتاة) هم من خيرة الناس ممن يوزعون اخلاقهم الفاضلة بهذه الطريقة أم أنهم من المشوهين الذين يحتاجون للترميم بعد أن أصابهم العطب وحلّ في نفوسهم الخراب ؟
هل يمكن اختزال الإنسان وتحجيمه إلى عبد مؤمن يؤدي طقوس الطاعة والألتزام الدينية وإلغاء بقية أحاسيسة ومشاعره وطموحاته الإنسانية والبايولوجية وتطلعاته الفكرية والأجتماعية الأخرى ؟
هل يمكن اختزال المرأة الأيزيدية إلى مجرد أُنثى ومسألة شرف والتعامل معها من منطلق العفة والجنس بنظرة دونية منحطة تبيح زهق روحها وانتزاع احشائها والتمثيل بجثتها ورميها كقمامة؟ هل تحول البشر إلى قُمامة ؟
من الذي قرر هدر حياة فتات يافعة لم تبلغ سن الرشد مازالت في عداد الطفولة ومن اين يستمدُ هؤلاء القتلة (حقهم ) في انتزاع أرواح الآخرين وزهقها بهذه البشاعة النادرة والمقززة ؟ !
ما الذي يدفعهم للتحرك والأستجابة لنداء من لا ضمير له ليُسرعوا ويُحشروا ويتسابقوا في تنفيذ عمل إجرامي جماعي بهذه الصورة المنحطة والمهينة؟
لماذا يميلون لاستخدام أساليب العنف والقسوة من الأقصىعقوبة وهي القتل من دون بذل أية محاولات أو جهود لتخطي الموقف ومواجهة المشكلة أو البحث عن حلول لاطرافها غير الموت والإفناء؟

لماذا لا يتحرك هؤلاء عندما تقطع أشجار الزيتون او ترمى النفايات في حديقة مخصصة للأطفال ولا يتحسسون قيم الجمال والحب ولا تتحرك نوازعهم الإنسانية بينما تسجيب غرائزهم لنداء الدم والقتل؟!

هل ستحل بهم الكارثة وينتهي الدين لو تركت دعاء وشأنها لتختار طريقها ؟
هل يفهم هؤلاء معنى الحب والقيم الأنسانية النبيلة التي تتخطى الحواجز الدينية والطبقية؟
اليس الحب استجابة لنداء الجسد والغريزة والروح والطبيعة ؟ وهل هذه الإستجابة خاطئة أم صحيحة ؟ من يتحكم بها والمسؤول عنها؟ العقل والأعصاب والقلب من خلال الدماغ ؟ أم رجال الدين ودور العبادة ؟
هل بات الوضع الذي نحن فيه لا يسمح للإنسان تقرير أموره الشخصية والعاطفية ويمنعه منها ويردعه في حالة الإفصاح عنها؟!
هل نحن في زمن التطرف الديني أم نسعى مع غيرنا من مكونات المجتمع العراقي لبناء دولة القانون والديمقراطية ؟
هل نتطلع لقيم العصبية والقبلية والعشائرية والتخلف أم نتعلم ونوسع من مدارك الحرية والتسامح والتآخي بين البشر؟
والحدث ( الجريمة ) يطرح جملة أمور على المجتمع الإيزيدي مهمة التصدي لها وإيجاد الحلول لها :

اولها معالجة موضوع الإختلاط والتزاوج من الأديان الأخرى، بعد أن تحولت من حالات فردية نادرة ، كان يسهل معالجتها من خلال إبعاد هؤلاء وطردهم من مناطق سكناهم مع بقاء الصلة الإجتماعية بشكل سري وغير معلن بهم من خلال ذويهم ، إلى حالات لا يمكن نكرانها و أصبحت ظاهرة لا يمكن التغاضي عنها .

ثانيا: ايجاد حل لمشكلة المتزوجين من الأيزيديين من مختلف الطبقات والتعامل معهم كطبقة أو فئة جديدة طالما هي في حالة تكاثر وازدياد ، لا يصح مقاطعتها وإهمالها ، وقد وصلتني رسالة قبل أكثر من سنة من عدد من شباب الإيزيدية من طلبة الجامعة والثانويات يطالبون فيها بتجاوز الحدود الطبقية والتساهل في الزواج من بين مختلف الفئآت ويطلبون مني عرضها على المثقفين ووجهاء الايزيدية كي يجري التساهل مع خياراتهم وإلا سيكونون في حل من التزاماتهم الدينية وسيجدون طريقم بلا تردد او خوف إن تطلب الأمر وأرى إن هذه المطالب تستحق التوقف عندها والردع والأهمال لن يجدي نفعا ً في التعامل مع مطالب إنسانية هي من ابسط حقوق البشر بل علينا ايجاد الحلول المنطقية والواقعية لها.

ثالثا : ايلاء الأهتمام لوضع العوانس بين الأيزيدية وقد تجاوزت اعدادهن ال(15) ألف فتاة وهو رقم كبير قياسا ً بعدد الأيزيدية الذي يقل عن المليون في مختلف الدول.

رابعا ً : فتح حوارات مباشرة مع الشباب ومناقشة اراؤهم وبحث همومهم ومعاناتهم من قبل المؤسسات الدينية و الإجتماعية وبمشاركة مؤسسات المجتمع المدني ودعوة المؤسسات الحكومية لوضع الخطط الكفيلة بايجاد فرص العمل للعاطلين ودعم المشاريع الصغيرة وتنشيط العمل الزراعي والصناعي المنتج والمربح.
ويؤسفي ان أقول إن ما طرح من كتابات شجب وإستنكار على اهميتها من جهات حاولت أن تعبر عن مواقفها لحد الآن لا يرتقي إلى مستوى الحدث و يؤسفني أن انوه إلى ماورد من مقترحات بائسة من قبل الهيئة العليا لمركز لالش الثقافي والإجتماعي التي استغلت الحدث لتطرح تملقها للقيادة الكردستانية والجهات الأمنية في أكثر من مرة في بيانها المقتضب وكأن العملية التي جرت كانَ الهدف منها استهداف الكرد وتشوية سمعة الحكومة الفيدرالية ، وهذا تجاوز وإلتفاف على الحدث الذي رافقه وسبقه إطلاق نار من قبل المسلحين الأكراد الآتين من خارج المنطقة على تجمع الناس المحيطة بمنزل كبير القوالين الذي تعرض هو الآخر إلى إساءات المهاجمين رغم تاريخه المعروف ومنزلته الرفيعة في الاوساط الدينية والشعبية ، وأصابتهم لثلاث شباب بعيارات نارية ساهمت في توتير الوضع وتعقيده قبل قتل الفتاة ، وهوعمل مدان وغير مقبول يتكرر من قبل القوات العسكرية الكردية في أكثر من مدينة حيث تسيء التصرف وتلجأ لأستخدام السلاح بلا مبرر وكان بالأحرى من القائمين على المركز الثقافي بأعتباره مؤسسة مجتمع مدني طرح حلول وتصورات تصب في جوهر الحدث وتحديد مسؤوليتهم واخفاقهم في مجال متابعة الشأن الشائك للايزيديين من خلال رؤية منفتحة تستند على رؤى ثقافية وإجتماعية بدلا من إقحام روحية التحزب في برامج المراكز الثقافية التي أخذت تتشكل على أساس الميول والقناعات الحزبية وحصرها في لون واحد في استعادة لممارسات بعثية باسلوب وزي كرديين وهم أمر مضر بشكل حقيقي بالتجربة الكردية وسمعتها إذا كان الآمر يهم بالقائمين والمشرفين على الهيئة العليا لمركز لالش الثقافي والأجتماعي أكثر من ما جرى مؤخرا ً في بحزاني التي صنفها كتاب مديرية الأستخبارات العسكرية الشعبة النفسية في زمن الطاغية المقبور والذي كان بعنوان الشخصية الأيزيدية حيث ورد فيه: (بحزاني من القرى المعادية للحزب والثورة واتجاه الشباب فيها يميل للتعاطف مع الشيوعيين الملتحقين بالحركة الكردية ) .. ومعروف للجميع التضحيات التي قدمها البيشمركة الشيوعيين في تلك السنوات التي كان فيها البعض من مصدري البيان بأسم مركز لالش في مؤسسات قمعية للسلطة المركزية وعلى القائمين بالمركز إعادة النظر في برنامج عملهم واسلوب تعاملهم مع الناس إن كانوا فعلا يريدون تقديم خدمة للحكومة الكردية واحزابها من خلال تبني برامج عمل ثقافية ومكافحة البطالة وعدم اجبار المواطنين على الانتماء القسري للأحزاب الكردية كما كان يفعل البعثيون وذلك مساهمة هامة في ايجاد الحلول لجملة المشاكل التي تواجه الناس والمجتمع .
وفي نفس الوقت حاول البعثيون والمتطرفون الأسلاميون من استغلال الموقف وشحذوا اقلامهم المأجورة للأساءة للأيزيديين كعادتهم حيث اعلنوا وبوقاحتهم المعهودة إن دعاء قد اسلمت وهي شهيدة الاسلام والمسلمين في محاولة لأستغلال الحدث لتهيئة الأرض لغزوة جديدة ضد الأيزيديين والإنتقام منهم ولا استبعد أن يقدم هؤلاء الأرهابيين على عمل انتقامي من أهالي المنطقة متذرعين بما ذكرته وسائل اعلامهم من ادعاءات فارغة الغرض منها خلق مبررات لأعمالهم الأرهابية اللاحقة وهو أمر ينبغي التحوط إليه وعدم التهاون ازاءه ، وهي مسؤولية الجميع في حماية السكان وتوفير الامان لهم في هذا الوضع المنفلت والهش.

والخلاصة انّ ما حدث في بحزاني من قتل للفتاة دُعاءْ مهما كان الدافع لمعاقبتها ومحاسبتها من قبل مجموعة من الشباب المهيجين ومن قادهم وحرضهم بهذه الطريق البشعة لا يشكل انتماء ً للدين أو أي طرف أو تنظيم سياسي ( كما يحاول البعض من الصاق التهمة بالشيوعيين) ولا يمت بصلة للأخلاق والشرف حتى بقيمه العشائرية المتخلفة والمتدنية بل هو سلوك إجرامي جماعي منحرف ليس وليد الصدفة أو اللحظة الآنية المتعلقة بالحدث بل حصيلة تراكم من القهر والكبت والحرمان والقسوة التي أنتجتها حروب الدكتاتورية وهي ثمرة سياساتها لأكثر من أربعة عقود من الزمن الصعب في سحق البشر وفرض قيم الموت والإستهانة بحياة الناس ، الآمر الذي اسفر عن هذا الإرتداد في سلوك الناس وتحويلهم إلى أشباه بشر بعد تفريغ نفوسهم من القيم وتحفيز الغرائز الحيوانية لديهم وكان الدكتور صادق البلادي أول من شخص حجم هذا الخراب الشامل في العراق أثناء زيارته العاجلة إلى بغداد في اعقاب سقوط الدكتاتورية حينما طلبنا منه أن يحدثنا عن انطباعه ومشاهداته وقد اختصر الحديث في قول مؤثر ومؤلم يعكس حجم الخراب و التغيير والارتداد في المجتمع حيث قال:
يا لأسفي… لقد غادرت العراق في السبعينات وكان الناس في وقتها يتحدثون ويناقشون نظرية التطور وكيفية تحول القرد إلى إنسان .. لكني عندما عدت ، بعد ثلاثين سنة من غربتي في المهجر ، اكتشفت إن صدام ونظام حزب البعث قد تمكنا من إرجاع الناس وإعادتهم إلى قرود…

صباح كنجي
منتصف نيسان