الرئيسية » التاريخ » كردستانية كركوك في المصادر السريانية الحلقة الرابعة (4-4)

كردستانية كركوك في المصادر السريانية الحلقة الرابعة (4-4)

التنظيم الكنسي لكنيسة المشرق

الكنيسة حسب الاعتقاد المسيحي جسد، رسلها جماعة ومراتب، حياتها جماعية مشتركة، لذلك برزت المجمعية (Synodality) فيها، وقد توالت المجامع في حياة كنيسة المشرق أسوة بما كان يحدث في المجامع المسكونية (العالمية) التي كان الأساقفة المسيحيون يعقدونها بين الفينة والأخرى. ويعد مجمع أوسينودس مار إسحق الذي عقد عام 1410م المجمع الرسمي الأول في كنيسة المشرق لاسيما بعد اعترافه بمقررات مجمع نيقية عام 325م الذي التأم رداً على الخلاف اللاهوتي بين الأريوسيين (الموحدين) والأثناسيوسيين (المثلثين)، وثم في هذا المجمع(51) الاعتراف بالأثنوسيوسيين كمذهب قانوني وتم طرد الأريوسيين واعتبارهم فرقة مهرطقة.

وكانت مطرانية باجرمي (منطقة كركوك) تعد الرابعة في السلم الكهنوتي بعد كنيسة المشرق، لا كما يعتقد الدكتور (جمال رشيد) الذي اعتبرها أقدم مطرانية ليس على صعيد ميديا فحسب بل على صعيد كنيسة المشرق(52)، فتسلسلها في واقع الأمر حسب وثائق كنيسة المشرق يأتي في المرتبة الرابعة وفق التسلسل الآتي:

أولاً- الأبرشية الكبرى البرطريركية في كلدو الشمالية (بيث أرمايي-وسط العراق).

ثانياً- الأبرشية الثانية كلدو الجنوبية (برات-ميشان-منطقة البصرة جنوب العراق).

ثالثاً- أبرشية الأهواز (خوزستان).

رابعاً- أبرشية بيث كرماي (باجرمي-كركوك).

خامساً- أبرشية حدياب (أربيل).

سادساً- أبرشية بيث عربايي (المنطقة الممتدة من نصيبين شمالاً إلى سنجار جنوباً)(53).

وفي مجمع مار إسحق 410م تقرر أن يكون كرسي كرخ بيث سلوخ (باجرمي-كركوك) مطرانية (مطرافوليطية) تتكون من الكراسي الأسقفية التالية:

1- أسقفية شهركرد، تقع في شرق كركوك في الأطراف الشمالية لمنطقة كرميان في أطراف حربة كلال.

2- أسقفية لاشوم، قرب (داقوق) جنوب شرق كركوك.

3- أسقفية حربة كلال، تقع داخل منطقة كرميان شرقي مدينة كركوك في منطقة ديالى.

4- أسقفية دار، تقع على ساحل الزاب الأسفل، ولعلها بردي التي حور اسمها العثمانيون إلى آلتون كوبري.

5- أسقفية ماحوزا، تقع على شاطئ الزاب الأسفل، وهي بيث وازيق، وبالعربية البوازيج.

6- أسقفية تحل، جنوب غرب كركوك ولعلها الحويجة.

7- أسقفية نيقاطور، تقع شمالي كركوك على مسافة خمس ساعات منها في منطقة تدعى كانيكار أو خانيجار (قضاء طوز خورماتو) حالياً.

8- أسقفية بورزان(544)، لعلها وفق أدي شير مضيق دربندي بازيان الذي يفصل منطقة كركوك عن السليمانية.

كردستانية كركوك وأنحائها في ضوء هذه المصادر:

مما لاشك فيه أن هذه المصادر ألقت الضوء على تاريخ وجغرافية هذه المنطقة التي سمتها المصادر المختلفة (بيت كرماي)، فغالبية رجال الدين المسيحيين من البطاركة والأساقفة والقسس أسمائهم كردية ولا عبرة بقول هذه المصادر أنها أسماء فارسية، فمثلاً يذكر صاحب كتاب مختصر أخبار البيعية أن شاهدوست الجاثليق اسم فارسي تفسيره صديق الملك(55)، لأننا لو بحثنا تاريخياً حول تواجد الفرس والكرد في هذه المنطقة لرأينا أن الفرس كانوا بعيدين عن هذه المنطقة، بينما كان سكانها منذ القدم من أسلاف الكرد سواء من الكوتيين أو الحوريين أو الميديين؛ فاللغتان الكردية والفارسية شقيقتان تنتميان إلى أرومة واحدة وهي الهندو إيرانية التي تنتمي بدورها إلى عائلة اللغات الهندو أوربية، وهذا الأمر يجري على الأسماء الأخرى نرسي وماني وآزاد التي هي أسماء مشتركة بين الجانين الفارسي والكردي. ولكن الشيء الذي يستطيع أن يقيد هذه الأسماء ويربطها بالطابع الكردي هي أن هذه المنطقة كردية ويتواجد فيها الكرد منذ مطلع التاريخ. والدليل على ذلك أن مدينة شهر كرد التي تعني مدينة الكرد جاءت في العديد من المصادر السريانية بصيغة شهر كرد وتحولت في مصادر أخرى إلى شهر قرد وحورت إلى شهر قرت، والاختلاف واضح وبين، فالباحثين السريان المحدثين من أمثال أدي شير ويوسف حبي وألبير أبونا وآخرين على دراية بهذا الأمر، ولكن لأمر ما في نفس يعقوب تم التغاضي عن هذه التسمية وشرح معناها وتحديدها بدقة.

ومن جهة أخرى ان اسم الأسقف أحاد أبوي معناه في اللغة السريانية أي أخو أبيه، وكان من عادة الزرادشتيين في سبيل الحفاظ على نقاوة دم الأسرة التي كانت الصفة المميزة لعاداتهم بجواز الزواج بين المحارم، بين الأخ والأخت والأم والابن والأب والبنت، وكان يدعى هذا الزواج (خويند وكس)، وقد جاء في دينكرد الذي هو شرح الآفستا أن الزواج بين الأخ وأخته منور بمجد إلهي يطرد الشيطان، وقد جاءتنا العديد من هذه الأسماء الكردية، ولكن الكرد عندما اعتنقوا المسيحية حرمت المجامع الشرقية هذه الأسماء الزرادشتية وسنت قوانين تحرم ذلك، وهذا دليل آخر على كردية هذه الأسماء وكردية المنطقة(56).

كما أن الآراميين أطلقوا على اسم إقليم كرمكان Carmakan (كرميان الكردية- المناطق الحارة) اسم بيث كرماي التسمية التي أخذت صيغة باجرمي في المصادر العربية(57)، أي أن التسمية الأصلية للمنطقة جاءت من خلال الوصف الكردي لها بأنها منطقة حارة، وفي الكردية كرم = الحار، وكرميان = المنطقة الحارة، فضلاً عن أن الكرد في تلك المنطقة كانوا يعتنقون الزرادشتية، والمذاهب والأديان الأخرى من مانوية ومزدكية ومثرائية فلا عجب أن كان سهام النقد والتشهير توجه إليهم من قبل رجال الدين المسيحيين على أنهم عبدة النور والشمس والأصنام والأوثان.

لذا يمكننا أن نقول أن اسم كركوك كان”كرك” بالأرامية السريانية”كرخ” تؤيده المصادر الكنيسية في ذكرها “كرخدسلؤخ” من جهة، ويثبته ياقوت الحموي عندما يذكر مدينة كركوك بأسم”كرخيني” من جهة أخرى، وكلمة “كرخيني” في ياقوت تدلنا أيضاً على انها كانت تلفظ “كركيني”، وحيث أن” كركيني” هذا قد نحت في العصر الأغريقي من اسم” كرك” فأن ذلك يدل على أن لفظ “كركيني” يعود الى ما قبل جلاء الأغريقين من المنطقة الكردية أي الى ماقبل القرن الثاني قبل الميلاد، وأما تسمية مدينة كركوك بأسم”كةرةك” أي كان ذلك في عهد الدولة”الاخمينية” يدلنا على ذلك اشتقاق اسم كرك ذاته(58)

يعتقد العالم الكردي توفيق وهبي ان اسم”كرك”، “كةرةك”، مشتق من لفظ”كار” الاشوري ومعناه(القلعة، القرية المحوطة)، ومن اللاحقة الهندية، الايرانية القديمة “ak” المعروفة التي سيأتي ذكرها في هذا المقال.

فيظهر ان”الماد ـ الكرد” الاريين هم الذين شكلو كلمة ـ”كةرةك”، بمعنى (القرية المحوطة بالمواد المكومة، أي بالسور)، وتلفظها الاراميين بعد ذلك بشكل”كرخ”الذي صار اسما لبعض المواقع المحصنة تحصيناً من هذا النوع،”كرخ” في الارامية معناه”المدينة المسورة بسد ترابي مدعم بالاوتاد، وهنا يجدر بنا ان نلاحظ المقارنة بين كلمة”وه ره” الاظيستية التي معناها “المحوطة” وكلمة”كار” الاشورية التي لها نفس المعنى.

ويسمى الاراميون”كركوك”بـ “كرخ سلؤخ”، وهذا يدل على ان مدينة كركوك كانت قد اتخذت عاصمة للمنطقة من قبل السلوقيين وحصنت من قبل الملك اليوناني “سلوقس الثاني”، على الارجح (246ـ 226ق. م)(59).

مما تقدم يظهر بأن منطقة باكرمي (كركوك وأنحائها) كوردية لغلبة العنصر الكردي عليها، وهذا ما بدا واضحاً من خلال العديد من أسماء رجال الدين المسيحيين الكرد الذي تبوءوا مناصب قيادية في السلم المسيحي الكهنوتي أو تعرضوا للاضطهاد على يد الملوك الفرس الساسانيين، ولكن هذا لا يعني عدم وجود فئات أخرى تعيش في هذه المنطقة تنتمي إلى أرومات او عناصر أخرى تعتبر جزءاٌ من النسيج الكردستاني وتحتفظ بخصائصها الثقافية والدينية

المصادر والمراجع والهوامش:

51- يوسف حبي: كنيسة المشرق الآثورية الكلدانية، الكسليك، لبنان، 2001، ص47.

52- د. جمال رشيد: كركوك في العصور القديمة، بحوث المؤتمر العلمي حول كركوك، نيسان 2001، دار ئاراس أربيل، ص77.

53- جي. ب. أسموسن: فاتحة انتشار المسيحية في امبراطورية الإيرانيين، (ميسوبوتاميا وإيران)، نقله إلى العربية وعلق عليه جرجيس فتح الله، السويد، دار الشعاع، ص23.

54- أدي شير: المرجع السابق، ج2، ص64.

55- الأخبار البيعية، حققه وشرحه الأب بطرس حداد، بغداد، 2000، ص197.

56- مشيحا زخا: كرونولوجيا أربيل، ترجمة وتعليق عزيز عبد الأحد نباتي، ص156، هامش 1.

57- توفيق وهبـي بك: الأثار الكاملة، إعداد رفيق صالح (بنكةى ذين ، السليمانية 2006) ص252 ـ 253

58ـ توفيق وهبـي: المرجع نفسه، ص 253

59ـ المرجع نفسه، ص 254

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *