الرئيسية » التاريخ » كردستانية كركوك في المصادر السريانية الحلقة الثانية (2-4)

كردستانية كركوك في المصادر السريانية الحلقة الثانية (2-4)

انتشار المسيحية في منطقة كركوك (بيث كرماي)

لقد انتشرت المسيحية في المنطقة الكردية في نهاية القرن الاول البلادي استناداً الى المصادر الكنسية، حيث تشير الرواية المسيحية الى هذا الامر بالقول ان مار ادى او اداي(31) يبشر بالمسيحية وانه تمكن من تعميد وتنصير رجل اسمه(فقيدا) في حدود سنة (99م) وكان الاخير ينتمي الى عائلة اربيلية فقيرة، هرب من عائلته والتحق بمار ادى الذي كان يكرز (يشير) بالانجيل في البلاد الكردية في امارة حدياب (اديابين)، (Adiabene)(32) بعدها تحت رسامة (فقيدا) من قبل مارادي واصبح اسقفا وارسل الى اربيل سنة(104 م) ، ويذكر المطران ادي شير قاعة باسماء عشرة اساقفة تولوا الكرسي الاسقفي في مدينة اربيل للفترة من(104) ولغاية(312م). وعلى السياق نفسه تمضي الرواية المسيحية بالقول ان مارأدي و مار ماري كانا اول مبعوثين بشرا بالمسيحية الى مدينة كرخ بيث سلوخ (كركوك الحالية) والمناطق المحيطة بها(33).

وعلى أية حال فان هناك إشكاليات عديدة تواجه الباحث عندما يستنطق المصادر والمراجع السريانية والغربية حول انتشار المسيحية في كوردستان والاجزاء الغربية من الهضبة الايرانية. وفيما تؤكد مصادر الكنسية بان المسيحية قد انتشرت في شمال ميسو بوتاميا(كردستان) في نهاية القرن الاول وبداية القرن الثاني الميلادي، نلاحظ ان المستشرقين المتخصصين في السريانيات يؤكدون حسب الوقائع التاريخية ان الانتشار المبكر للنصرانية تم اضافتها الى التقليد الشائع في قرون لاحقة ، وان الانتشار الحقيقي تم في بداية القرن الثالث الميلادي ، وان المصادر الكنسية تعتمد على تواريخ شبه اسطورية وحكايات أكثر مما هي شواهد تاريخية(34).

على اية حال فان المسيحية قد تغلغلت في منطقة كوردستان قادمة من مدينة الرها حيث وصلت طلائعها اقليم حدياب (اربيل) ومن ثم (بيث كرماي كركوك) وبعدها وصلت ما وراء جبال كوردستان (زاكروس) حيث الهضبة الغربية الايرانية ،و بمرور الزمن مجتمعات و مستوطنات مسيحية صغيرة لم يكن لها شأن في نهاية الدولة البرثية (الاشكانية) وبداية ظهور الدولة الساسانية،و يؤكد المستشرق الالماني ارثر كريستنسن الى هذه الناحية بقوله (والخرافة تجعل سانت توما (مارتوما) مبشرا في بارثيا وفي اعمال توماس المنتخلة نجد انه سار برسالته حتى بلاد الهند، ولكن هذه الاعمال ليست صحيحة من الناحية التاريخية(35)، وعندما يتطرق الى الدور السياسي المزعوم الذي لعبه المسيحيون في الدولة البارثية نراه يقول: (بانه لم يكن للنصارى أي دور سياسي ايام الاشكانيين.. وان رتبة جاثليق لم توجد في عهد(الفرث) الاشكانيين(36)، في الوقت الذي يشير المطران أدي شير بان الرسول ماري أخذ يطوف في بلاد حدياب وكركوك.. حتى وفاته في المداين (المدائن- سلمان باك)، وصار هو أول الأساقفة على (كرسي الفطركية)(37).

وبمرور الزمن زادت التجمعات المسيحية في المنطقة وأصبحوا يشكلون مجتمعات محدودة داخل الامبراطورية الساسانية، حيث ترعرعت المسيحية ونمت وأصبح لها سبع وعشرون أسقفية في الثلث الأول من القرن الثالث، وإن أول إجراء فعله الملك الفارسي أردشير الأول (226-241) زيادة معابد النار المجوسية وتعيين أشخاص كثيرين لإتمام عبادة أهورامازدا وإلزام الجميع بإكرامه كإله خالق، هذا مما أدى إلى تضييق الخناق على المسيحية حيث ارتد البعض عن ضعف. أما ابنه شابور الأول (244-273) فمال إلى الديانة المانوية في بداية حكمه ودافع عن ماني، واقتاد بعض الرومان إبان حملته الثالثة على أنطاكية والرها، وأسكنهم في إقليم خوزستان، كما ويذكر هو نفسه في نقش رستم، وكان على رأس الأسرى الامبراطور الروماني فاليريان نفسه. وكان معظم الأسرى من الأنطاكيين فأسكنهم شابور الأول في منطقة جنديسابور في خوزستان وعمل الأسرى على بنيان سد على نهر الكارون. وكان شابور الأول قد حمل على الروم قبل ذلك في حملة ثانية وتمكن من السيطرة على أنطاكية (المدينة المقدسة الثانية عند المسيحيين) وسبى أهاليها سنة 257م، ومن جملة من جاء بهم إلى الأهواز (بيت لافاط ديمتريانس أسقف أنطاكية) الذي خلف الأسقف فابيان منذ سنة 253م(38).

وسوف يستمر ملوك الدولة الفارسية الساسانية في استخدام هذه الخطة، أي سبي أناس من ديار الروم وجلبهم كرهائن، وإسكانهم في المناطق الواقعة تحت حكمهم، فهي خطة سياسية عسكرية فضلاً عن الإفادة من هذه الطاقة البشرية في العلم والحرف والصنائع، فنلاحظ بأن الملوك الساسانيين شابور الثاني، وقباد الأول، وكسرى الأول، وكسرى الثاني يستخدمونها تباعاً. وكانت نتيجتها زيادة الحظور المسيحي في المملكة الساسانية كما يقول التاريخ السعردي صراحةً(39).



وانتقلت عدوى الخلافات اللاهوتية التى سادت الكنيسة المسيحية منذ بداية ظهورها فكان المذهب النسطوري هو المذهب الملكاني السائد داخل أراضي الامبراطورية البيزنطية. وأصبح المذهب النسطوري هو المذهب السائد في في أراضي الامبراطورية الساسانية بعد مقررات مجمع أفسس 431م حيث تم وضع الحرمان على بطريرك القسطنطينية نسطوريوس الذي أعلن صراحة أن مريم هي والدة عيسى البشر، مما حدا بأتباعه ومناصريه إلى ترك أراضي الدولة الرومانية البيزنطية والالتجاء إلى الشرق حيث الدولة الفارسية الساسانية، لذلك أصبحت الكنيسة النسطورية بمثابة أم كنائس المشرق وكان لها جهود حثيثة لنشر المسيحية في كردستان والهضية الإيرانية وفيما بعد إلى أواسط آسيا إلى الصين وكان أن جرت مطارحات لاهوتية مع المنوفستيين (أصحاب الطبيعة الواحدة) الذين ظهروا عقب عقد مجمع خلقدونية عام 451م وأصبح المذهب الثالث للديانة المسيحية قبل ظهور الإسلام.

المصادر والمراجع والهوامش:

31- مار أدي: أحد تلاميذ السيد المسيح عليه السلام الذين ذهبوا إلى المشرق للتبشير بالمسيحية، أغلب المعلومات الورادة بخصوصه تقع تحت باب الأساطير السريانية القديمة. ينظر: (آرثر كريستنسن: إيران في عهد الساسانيين، ترجمة يحيى الخشاب، القاهرة، 1957، ص25؛ يوسف حبي: التواريخ الكنسية، مجلة المجمع العلمي السرياني، المجلد السادس، بغداد، ص234؛ نينا بيغولفسكايا: ثقافة السريان في القرون الوسطى، ترجمة خلف الجراد، سوريا، 1990، ص269-275.

32- حدياب: إمارة صغيرة تقع في آشور القديمة (محافظة أربيل الحالية تقريباً) في المنطقة المحصورة بين الزابين الأعلى والأسفل شرقي نهر دجلة، سميت في المصادر الإسلامية باسم حزة، كانت توالي الدولة الفرثية –الأشكانية- (247ق.م-224م) في سياستها العامة، اعتنقت عائلتها الملكية الديانة اليهودية، وكانت أفرادها ينحدرون من قبائل السكيث (الساكا)، اشتهر من ملوكهم مونو بازوس الثاني وإيزاتيس الثاني (عزة) الذين دفنوا في أضرحة ملوك أورشليم (القدس)، قضى الامبراطور الروماني تراجان على استقلالها عام 116م. ينظر: (أحمد سوسة: ملامح من التاريخ القديم ليهود العراق، ص39-40؛ يوسف حبي: التواريخ السريانية، ص34؛ جمال رشيد: تاريخ الكرد القديم، جامعة صلاح الدين، 1990، ص127؛ مراد كامل: المرجع السابق، ص60.

33- أدي شير: تاريخ كلدو وآثور، بيروت، 1913م، ص1-14.

34- حنا فييه: مصادر كنيسة المشرق قبل الإسلام، مجلة بين النهرين، الموصل، السنة الأولى، العدد الثاني، نيسان، 1973م، ص255.

35- كريستنسن: المرجع السابق، ص54.

36- المرجع نفسه، ص54.

37- أدي شير: المرجع السابق، ص1-14.

38- أدي شير: التاريخ السعردي، 4، ص237.

39- يوسف حبي: كنيسة المشرق، بغداد، 1989م، ص351-352.

بوك ميديا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *