الرئيسية » مقالات » دولنا العربية ورياح التغيير . . (2 من 2)

دولنا العربية ورياح التغيير . . (2 من 2)

لابد من القول ان صراع القوى العظمى القاسي المتنوع على اراضي بلداننا من اجل الأستحواذ والتحكّم بثرواتنا ولا مبالاتها بواقعنا وحقوقنا، وسعيها لتطويعنا اليها والتحكم بدولنا، ادىّ الى تأخّر نظم مجتمعاتنا وتخلفها والى احتقان الطاقات وتوتر المجتمعات وتصاعد مشاعر الظلم والمرارة التي سعى قسم من حكّامنا الى امتصاصها، وبدفع لم يكن عفوياً بل وفق سياسة فرّق تسد . .
وبالتالي الى توجيهها نحو تأجيج الروح العدوانية ضد الأصغر منّا قومياً او الأضعف تواجداً ان صحّ التعبير، سواء كان قوماً و تكويناً اجتماعياً، او ديناً وطائفة، او جنساً او فكراً ورأياً مجدداً، وبالتالي الى الضغط عليهم واضطهادهم، الأمر الذي ادىّ الى اشتعال نزاعات وصراعات داخلية متنوعة لعبت على اطرافها قوى كثيرة التنوع وراح ويروح الكثيرون ضحايا لها . . واضاف قيداً جديداً الى قيودنا ولعب ويلعب دوراً غيرَ قليل في آليات ووجهة بناء دولنا ونشاطها.
وفي الموضوع مجال البحث، لابد من الأشارة الى انه بالرغم من اعتزاز مجتمعاتنا بالقرآن الكريم إلا أن عمل حكّام دولنا بقوانينه كاد ويكاد يكون معدوماً، فالقرآن يأمر بالاتحاد وبنبذ ما يفرّق كما في الآية الكريمة ” واعتصموا بحبل الله جميعاً ولاتفرّقوا “، ويأمر بالمشورة ” وامرهم شورى بينهم ” ويأمرالأسلام بطلب العلم ففي الحديث الشريف ” طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة ” و ” اطلبوا العلم ولو في الصين ” ويأمربالنظافة فـ ” النظافة من الإيمان ” ويأمربالعمران وقوة الاقتصاد وبالنظام . . بل ويأمرباكرام المرأة واحترامها ” ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ” . ويأمربالمساواة بين الأمم والقوميات ” اكرمكم عند الله اتقاكم ” و ” لافرق بين عربي واعجمي الاّ بالتقوى ” .
الذي يعكس عدم الأستفادة من حكمة القرآن الحيّة، في برامج الدولة والحكم نحو رقي المجتمع ورفاهه وانصاف الفقير والضعيف، ويعكس ان استخدامه يجري بشكل انتقائي لتغطية وتبرير الحكم المطلق، ولتهدئة المحكومين والأوساط الفقيرة الواسعة التي غلبت عليها الأمية، ولأسباغ طابع القداسة على الدولة و مؤسسات الحكم، بآليات قد لاتختلف عن آليات استخدام آل عثمان له. الأمر الذي تسبب في تزايد تغرّب الحكام والدولة عن المحكومين وفي زيادة شقة عدم الثقة والخلاف بين الدولة والمواطن الذي يواجه اعباء حياة قاسية لارحمة فيها، ولايجد فيها من الدولة حماية او جدوى.
من ناحية أخرى، فأن نشوء الدولة العبرية بآليات العنف وباتفاقات سرية فرضتها القوى العظمى من وراء دولنا وكياناتنا بتواطئ قسم من الحكام، وبتجاهل واهمال وغمط حقوق، بل و بتشريد شعب شقيق من ارض الآباء والأجداد، اثار اضافة الى مخاوف وقلق الأشقاء الآخرين من تكرار المحنة عليهم ، اثار اتهامات واسفسارات عن ماهية دولنا التي دعت بصخب لمقاومة مخططات (العدو) ولكن . . . بالسلاح الفاسد (1) والأناشيد الحماسية (2) وبكم الأفواه والسجون، التي ادّت الى زيادة عدم الثقة بالدولة وبجدوى سلطتها وخططها وسياساتها، التي اتخذت منها ذريعة لأحكام قبضتها وللتنظير لوجهتها، ولأطلاق الصخب والمشاعر للتعتيم على الحقائق . . من جهة .
ومن جهة ثانية فان استمرار الأجنحة الأكثر تطرفاً في اسرائيل في سياساتها وحروبها العدوانية ، اضافة الى تأجيجه المشاعر الأسلامية اكثر، فأنه لعب دوراً كبيراً في ظهور وانتعاش الحركات الأسلامية المتشددة والأصولية والأرهابية التي تدعو الى ترك الدنيا كلية ً والتعلق بالآخرة والعمل لها وحدها . وادىّ الى الأستنجاد بالماضي ورفعه راية . . هروباً من عجز مراجعنا ودولنا عن مواجهة وصياغة وتوفير متطلبات الحاضر، التي تستدعي تغييرات عميقة لابد منها، في زمن اصبح لايمكن العيش فيه في الماضي ودون التفاعل مع عالم اليوم وحاجاته ومتطلباته.
الأمر الذي اخذ يطرح بشكل اكثر الحاحاً، اضافة الى ضرورة سعي القوى العظمى بامكاناتها لأيجاد حلول واقعية وللتقليل من حدة الأزمات والآلام تلك . . ضرورة سعينا الفائق الجدية للتوصل الى حلول لأشكالية مفهوم الدولة بين الدينية والعلمانية اوالمدنية، على اساس ” الدين لله والوطن للجميع “، حماية للدين الحنيف وحماية للدولة ومن اجل رفاه المجتمع وازدهاره، كما غذّى ويغذّ السير عليه عدد من الدول الأسلامية باشكال متنوعة تتناسب مع المجتمع، وعلى اساس حاجات الواقع ومصالح وعلاقات اليوم، والنظر بمنظار شرقي حديث متفتّح لشعوبنا الشرقية وآفاقها الواعدة، حيث لا يمكن النظر اليها بمنظار اوروبي غربي جامد، رغم تزايد تفاعل عالم اليوم.
ويرى باحثون وسياسيون، ان تحالف دوائر الغرب ايّاها مع الأقطاع ومع الفئات المحافظة وليس مع الطبقات والفئات الصاعدة منذ تشكّل دولنا، ووقوفها ضد التصنيع والتحديث بشكل عام والذي اقتصر عليه في المفاصل الضرورية لآلته، طيلة اكثر من نصف قرن بعد تشكلها، جعل دولنا تابعة خاضعة في الجوهر، وادى الى انعدام وضعف البنى التحتية الأقتصادية ـ الأجتماعية الضرورية لتحديثها، الأمر الذي يراه عدد من القادة السياسيين بكونه سياسة مرسومة من تلك الدوائر الغربية لجعل دولتنا تابعة ليس الاّ من جهة ، ثم تصوير القضية بالتالي كما لو انها قضية ثقافة وتمدن لوحدهما دون النظر اليهما بالترابط مع كل الأدوات الضرورية، في زمن الصراع الضاري بين القوى العالمية على دولنا وسعي كل منها لربطها بها، من جهة اخرى .
ورغم التطورات المتفاوتة والكثيرة التناقض والتداخل . . سواء بين نمط الدولة ووتائر تطور
المجتمع من جهة، والتطورات والتغييرات العالمية في نتائج الحربين العالميتين، فان المجتمعات العربية تطورت لعوامل متعددة وازدادت معارفها ووعيها لذاتها مقارنة مع بداية القرن الماضي، الأمر الذي تجلى في تغيّرات لم يُسمح لها بسهولة آنذاك فجاءت متفجرة، في بداية النصف الثاني من ذات القرن حين كان العالم ثنائي القطبية وليس وحيدها، وحين كان التنافس بين القطبين تنافساً بين آليات واهداف متضادة جذرياً، فرض على الأحتكارات الدولية تنازلات كانت لصالح الدول النامية .
تغيّرات، عبّرت عنها ثورات وانتفاضات، اجراءات وتحديات واجهت القوى العظمى واسفرت عن تغييرات في انماط الدولة العربية كما حدث في مصر والعراق والجزائر وليبيا واليمن والسودان، اضافة الى افراز تطورات متفاوتة ومتناقضة ايضاً، حيث صار بعض انماط الأنظمة الملكية يحمل طابعا تحديثياً وجمهوريا ان صح التعبير، من حيث بناء مؤسسات الحكم، وصار آخر يحمل طابعا دستوريا مهما اختلفت المسميات من جهة . . ومن جهة اخرى وبعد مراحل تحولت انظمة جمهورية الى دكتاتوريات قمعية عسكرية او فردية عشائرية . . لعوامل خارجية وداخلية.
ومن مسيرة غاية في التعقيد والتشابك وبتفاعل الصراعات الدولية والداخلية واصطفافها على محاور اخذت تزداد وضوحاً، استمرت شقة الخلاف بين الدولة وبين المجتمع والمواطن تزايداً، وادّت الى انكماش المجتمع وقواه على ذاتها وتسببت في تغربها وانعزالها على النفس وانحصارها في ضيق الأوضاع والمعاناة في حياة اخذت تزداد صعوبة اكثر فاكثر وخاصة امام الفئات الفقيرة . . حياة ازدادت فيها الريبة من الآخر(3)الذي اخذ يسيّر حياتها في عقر دارها، دون اذنها وموافقتها ودون السعي للعمل معها كتفاً لكتف.
لقد ادّت التغييرات العالمية العاصفة في العقدين الماضيين اثر: الثورة العلمية التكنيكية المعلوماتية، الرابوتات، العولمة وحرية انتقال واستثمار رأس المال عبر الحدود السياسية للدول، وانتهاء الحرب الباردة الى تفاؤل اوساط واسعة بهبوب رياح منعشة من الحرية والديمقراطية، وببداية مراحل عالمية وبالتالي اقليمية ووطنية افضل، بعيداً عن العنف والأستبداد .
الاّ ان الأحتكارات الصناعية العسكرية الدولية اخذت تستمر وبطرق ازدادت تنوعاً، في سعيها الى فرض عقود ترمي الى تبديد العائدات المالية الضخمة للدول العربية النفطية في . . بحوث وتطوير الصناعات العسكرية، وفي الصرف على التوريدات الضخمة لأحدث واغلى الأسلحة والمعدات العسكرية التي تشغّل معامل ومؤسسات الأحتكارات التي كان يهددها العجز المالي والفساد . . حيث تحترق تلك العوائد العملاقة في السياسات الثابتة للمجمعات الصناعية العسكرية في اشعال الحروب والفتن في دول المنطقة وبين بعضها البعض او بينها وبين دول الجوار، بعد ان ازداد منطق العنف في العالم، الذي يغذيّه الأرهاب من جهة وتغذيّه ردود افعال المجمعات الصناعية العسكرية المتغطرسة .
في ظروف تستنزف فيها زيادة تخصيصات الأنفاق العسكري خزينة الدولة (الدول) من جهة، وتؤدي الى زيادة استهلاك السلاح ( قطع، ناقلات، طائرات، سمتيات، منظومات صواريخ . . ) وبالتالي زيادة تشغيل مصانع الأسلحة ومختبراتها وزيادة ارباح اصحاب المجمعات الصناعية ـ العسكرية، التي تسعى الى ادامة وتوسيع حرائق الحروب التي تحقق اعلى الأرباح واسرعها حصداً، بالفتن والدسائس . . . واهمال الأزمات الأجتماعية ـ الأقتصادية التي تعانيها اوسع الأوساط الفقيرة، والى الأتباع اللامجدي للأساليب العسكرية فقط في مواجهة الأرهاب، من جهة .
فيما تزداد اعمال الفرق الأرهابية المتنوعة التي لاتبالي بسقوط جحافل المدنيين العزّل، نساءاً واطفالاً وشيوخاً اضافة الى الشباب . . والتي لاتقدم مشاريعاً بديلة واقعية لتحسين حياة الملايين بل تؤدي الى تشويه النضالات المطلبية والنقابية والى عزل النضالات الشعبية والسياسية والى شلّ الحياة اليومية بكل مرافقها ( مدارس، جامعات، معامل، مزارع، مؤسسات . . ) باشاعة الرعب والخوف والدعوة الى الآخرة، الذي لايؤدي الاّ الى زيادة البطالة والضائقة المعيشية، وتفاقم الجهل والفقر والمرض . . من جهة اخرى .
الأمر الذي يحرم دولنا العربية الوطنية من استثمارعوائدها ومواردها في تطورها الأقتصادي والصناعي، الثقافي والحضاري، ويعيق من سعيها للتطور وللتعاون بعضها مع بعض من اجل التطوير والتكامل الأقتصادي، بل ويهددها اكثر بجعلها تابعة ومسلوبة الأرادة في اختيار طريقها الذي تختاره للتطور . . بقدر ما يفرض عليها العسكرة وسوق ابناءها الى بناء الجيوش والوحدات الخاصة للأمن والحراسة والرقابة بكل انواعها .
ويتسبب في اشتعال حروب وازمات سياسية واقتصادية تؤدي الى تزايد شقة الخلاف والأغتراب بين الحاكم والمحكوم، وبين مكونات المجتمع بعد ان يضيع الأمان ويصبح هو الحلقة المركزية لمواصلة الحياة البشرية في حياة كحياة الغاب . . واخذ يترك تأثيرات وازمات هائلة في المسيرات السياسية لدولنا الوطنية بل وصار يهدد وحدة كياناتها ووحدة تنوعها الديني والقومي، الثقافي والفكري والحضاري، في وقت ازدادت فيه دولنا وشعوبنا نضجاً وتطلعاً الى رفاه والى حياة افضل، رغم كل مآسيها، وفي زمان تستمر فيه الضغوطات بل وتزداد وتتنوّع على دورها، لجعله دوراً ووعياً شائهاً يسير في طريق يدعو الى اثبات الوجود مهما كان شكل ونوع ذلك الوجود ؟!
وفيما يدعو واقع اليوم في منطقتنا التي تعاني من جرّ عدد من دولنا المؤثرة الى حياة الحروب والدمار والتشريد . . الى ان لاينتشر الى دولنا الأخرى . . فان ذلك الواقع يدعو الى تحمّل الجهات الأقوى المسؤولية الأكبر في اطفاء حرائق الحروب والأرهاب والدماروتخفيف حدة التوتر، والتوصل الى حلول توافقية على اساس السلم والأمان، ويدعو الى الكف عن تقسيم الأمم والدول على اساس ” امم شريرة ” و ” امم خيّرة ” ، والى الكف عن تحويل الحروب الى صراعات عرقية ودينية وطائفية يذهب فيها الأخضر واليابس بين ابناء البلد الواحد، والكف عن اشعال حروب الأحتلال والأجتياح واثارة العداء بين الدول والشعوب . .
بعد ان ازداد عدد دولنا التي تشارك في الحروب، وبعد ان انتقلت عدوى تقسيم الأمم على اساس (الخير والشر) من القطب الأعظم الى اقطاب أخرى والى اطراف اقليمية ووطنية في منطقتنا وفي جوارها، واخذت شعوب وفئات وطنية واقليمية تروح ضحايا جماعية لها، بعد ان تصاعدت الغطرسة العسكرية وصارت تؤدي الى غطرسة وتعنت مقابلين، وصارت لاتزهق بسببها الاّ ارواح آلاف المدنيين والأطفال دورياً وبشكل يستمر.
ان واقع اليوم يدعو الى تعاون جميع الأسرة الدولية ودولنا (دولتنا)، الى مكافحة الفقر والبطالة، المخدرات والأمراض والأيدز، الفساد الأداري والجريمة والأرهاب الذي يهددنا ويهدد العالم، ومن اجل تحرير واطلاق المرأة نصفنا الآخر وحماية الطفولة، واحترام حقوق القوميات الأصغر والأقليات وبناء دولة المؤسسات على اساس الهوية الوطنية وتساوي مواطني الدولة بغض النظر عن انتماءاتهم القومية والفكرية والدينية، بعيداً عن حزب حاكم اوحد وبعيداً عن الفردية والدكتاتورية والعنف والأستبداد والتمزق، وللقضاء على الأمية ومكافحة الجهل . .
ومن اجل اطلاق ثقافتنا وتفاعلها مع ثقافة الآخر المتنوّع ، الذي لن يزيدها الاّ نضارة وشباباً وبأساً، لمواصلة جوهرها الأنساني النبيل ورحمتها، لتمكّننا من التفاعل والعيش في تيار الحياة الصاخب الذي لاينتظر . . والى ان على الآخر ان يحترمنا كما نحترمه وان يحاول ان يفهمنا كما نحاول ان نفهمه، ويعاملنا كبشر، بعيداً عن الغرور الفارغ والغطرسة المدمّرة . . وكبشر مثله هو الآخر. في ظروف العولمة وتزايد احتكاك البشر، ظروف الثورة التكنولوجية المعلوماتية وتساقط (الحدود القديمة) (4) ونشوء مفاهيم جديدة عنها، وما يحمّله من آمال ومخاطر.(انتهى)


1. قضية الأسلحة الفاسدة الشهيرة في الحرب العربية ـ الأسرائيلية عام 1948 .
2. تعبير عن الحرب الأسرائيلية ـ العربية عام 1967 .
3. الآخر، تعبير يستخدم كناية عن : القوى الكبرى او المشاريع وما يأتي من خارج البلاد .
4. يرى عدد من الخبراء ان هجرة رأس المال، قد لايتهدد الحدود السياسية المرسومة والموجودة في الواقع القائمة للدولة الوطنية بشكل كبير، وانما يهدد بتمزيق الدولة الوطنية الى كيانات


مراجع :
1. ” ونستون تشرشل ـ يوميات ” صادرة بجزئين عن مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر والترجمة ـ القاهرة ، 1966 .
2. ارشيف ” جامعة الدول العربية ” / الموسوعة الحرة ويكبيديا.
3. ” تاريخ الأقطار العربية ” / لوتسكي .
4. ” تأريخ حركة القوميين العرب” / محمد جمال باروت.