الرئيسية » مقالات » دولنا العربية و رياح التغيير . . (1 من 2)

دولنا العربية و رياح التغيير . . (1 من 2)

لابدّ من القول بداية، ان منطقتنا العربية تمتاز عن غيرها من مناطق العالم النامي ـ الآسيوي، الأميركي اللاتيني . . ـ بكونها الأقرب موقعاً من الغرب وبالتالي الأكثر تفاعلاً وتنافساً وتصادما معه منذ مراحل تأريخية طويلة. وشكّلت جزءاً هاماً من الصراع والتنافس التاريخي بين الشرق والغرب، لقربها وصلاتها البرية مع ابرز مراكز العالم المتمدن الحضاري والفكري والقيمي والصناعي والتجاري من جهة، ولكونها موطن الأنبياء والرسل بتأثيره الفكري والنفسي والروحي، ومهد الحضارات والقيم الحية المستمرة في الفعل والتأثير والتحريض في الظروف العولمية الجديدة، ولكونها اكبر مواطن النفط . . القلب النابض للصناعة والتكنولوجيا المتنوعة في عالم اليوم، من جهة اخرى .
اضافة الى الدور الفاعل للقطب العربي والأسلامي في تكوّن ” رأس المال المالي العالمي ” والدور الفائق الأهمية للبترودولار في العالم في تكوّن ونمو وتشابك البنوك والأحتكارات الكبرى، وفي نشاط اكبر مؤسسات رؤوس الأموال التي تتحكم في تمويل اكبر المشاريع الصناعية والعلمية والبيئية العالمية . . موقعها الستراتيجي البشري والجغرافي، الأستهلاكي والعسكري، وبالتالي دورها الهام في تقرير اتجاهات السياسة الدولية .
من ناحية اخرى وللدخول في موضوع ماهية دولنا،لابد من مناقشة طبيعة ذاتنا وتكويننا وماهية مجتمعاتنا، باعتيار ان الدولة مؤسسة اجتماعية، تنشأ من المجتمع وتتفاعل معه وتقوده لمرحلة تأريخية ما، وبالتالي فهي جزء لايتجزأ من المجتمع، وتتغيّر وتخضع باشكال متنوعة الى حركة تطوره . . لتلبية حاجاته وآماله الحية المتجددة، او التي لامفرّ لها من حسابها ومراعاتها، كي تستطيع ان تستمر وان تمارس دورها .
وعلى ذلك، يرى كثير من المؤرخين والباحثين، ان حكم الدولة العثمانية الأقطاعية، شكّل ضربة قوية للشخصية العربية، وبالتالي لذاتنا وكينونتنا، وفرض علينا اضافة الى قيوده الثقيلة التي عرقلت درجات معرفة مجتمعاتنا وتطورها، فأنه فرض محاصرة الثقافة والمعارف العربية بسياسة التتريك، تحت ظلال الراية الأسلامية، بعد ان كانت الشخصية العربية قد وجدت نفسها، سيدة بارزة من سيدات العالم الوسيط، التي تمثّلت بالدولة والكيانات العربية ـ الأسلامية، والتي شكّلت تلازماً يصعب فصله للحضارة العربية ـ الأسلامية . . الحضارة التي لايمكن الغاء حضورها سواءاً في التاريخ الماضي او في مسيرة الحاضر المتفاعل لعالم اليوم.
ورغم ما قامت به الأنتفاضات العربية القومية التحررية ضد النير العثماني التي اغرقت بالدم، من ايقاظ للشخصية العربية، الاّ ان امكانات ” الثورة العربية ” ثم قيامها بالتحالف مع الحلفاء (بريطانيا وفرنسا) في الحرب العالمية الأولى، التي فيما اسفرت عن سقوط امبراطورية السلطان التركي المسلم وتخلّص اقوام العرب من ظلمه وجوره، واسفرت عن تنكر الحلفاء لوعودهم . . فأن كل ذلك ادىّ الى فشل مشروع ” القضية العربية ” الذي كان يرمي الى تحقيق حلمها باستعادة دولتها وشخصيّتها بمفاهيم ذلك العصر، وادىّ الى تقسيم اوطان العرب على دول الحلفاء، التي عملت من جهتها اضافة الى تأمين مصالحها، فأنها بدأت تحكمها بمنطقها وبمنظارها، وادى ذلك وغيره الى استخدامها العنف ولجوئها الى حكم المجتمع (المجتمعات)، وبالتالي بناء الدول العربية بمنطق انتصارها العسكري عليها . . رغم حداثة البناء (1) ورغم تنوع الصيغ .
الأمر الذي اوقع مجتمعاتنا بعلاقاتها وثقافتها، صراعاتها وخلافاتها (2) وقيمها شبه الأقطاعية، في حالة جديدة من التمزّق والأرتباك ان صحّ التعبير، الذي ووجه بالقسر والعنف . فبعد ان كانت قد فقدت عنصرها المكوّن (القومي العربي)، عادت لتفقد عنصرها المكوّن الثاني، بالوصاية (الغربية المسيحية) اصطلاحاً ـ وفق منطق تلك المرحلة ـ . . التي اعلنت نفسها وصيّة عليها باشكال متنوعة، رغم عدم خلو الأمر من منافع وتحضّر وتفاعل مع الدنيا ومع العالم المتحضّر . .
وفيما يرى باحثون بان مجتمعاتنا فشلت في تحقيق مشروعها، لأسباب تعلّقت بعدم نضج امكاناتها و بظرفها الأقتصادي الأجتماعي الحضاري الذي لم يستطع الوقوف امام ضغوط القوى العظمى وحضارتها وخداعها ، يرى آخرون بانها لو كانت مؤهلة وقادرة (بالحساب النهائي) لوقفت بوجه تلك الضغوط ولما انساقت الى الخداع، في الوقت الذي يعتقد فيه فريق آخر انها كانت قد تخلّفت وكانت تحتاج الى تحديث يفتح لها آفاق الحياة ويطلق طاقاتها من اسر الأنغلاق، وكانت بحاجة الى قوى انتاج ورؤى تحديث تؤديّ الى طاقات وخطاب جديد، وبالتالي الى دولة حديثة تتفاعل مع العالم ومع الحياة المتطوّرة . . دولة تطرح وتعمل على تحشيد شبابها وعلى تفعيل وزيادة تركيز الروح الحية فيها .
ورغم ما جلبت الدول العظمى من علوم وحضارة ومعارف، الاّ انها اصطدمت بمجتمعاتنا العربية التي غلبت عليها الروح البدوية ـ شبه الأقطاعية الحالمة (ان صحّ التعبير)، المستعدة للدفاع عن رؤاها واحلامها حتى النخاع، وفق تربيتها وما نَمَت وعاشت وتعلّمت عليه في مدارسها ومناهجها، من تاريخ مجيد وعاطفة مشبوبة عن وحدتنا وعن دولتنا المعظّمة التي سادت وافَلَت (3)، وعن محاولة اعادة بناء امجادها . . الذي كانت قد تمسكت به لمواصلة الوجود امام جور آل عثمان وكذخيرة من اجل النهوض، الأمر الذي لم ولاينفي من جهة اخرى استعدادها على تقبّل الجديد وتمثّله بعد مرور الزمان، ولكن على طريقتها ووفق وتائر تطوّر شخصيتها وآفاق امكاناتها ودورها في العالم المتغيّر المتجدد .
وقد اصطدمت بمجتمعاتنا بعد ان افقدتها سلطتها، وبعد تشجيعها ومشاركتها ـ غير المباشرة والمباشرة ـ في قمع محاولات مفكريها وسعي واجتهاد متنوريها الى الأستقلال والواقعية في الرؤيا . . بعد ان حورب العمل والسعي لمعرفة ذاتنا، ولصياغة السبل المجدية الواقعية للشروع والسير على طريق عوامل نهضتنا وسبل معرفة وامكانات تمثّل اجتهاد الآخرين . . لصياغة حداثتنا نحن، حداثتنا التي لنا، كالآخرين، بعيداً عن القهر والأكراه، بعيداً عن ثقافة العنف وعقوبات الموت المتنوّعة . . وليدة تخلفنا والعسف المسلّط علينا .
لقد اصطدمت القوى العظمى بمجتمعاتنا، بتكوينها دولنا ذات النظم والآليات التي لبّت مصالحها هي او التي انسجمت وفقها، والتي لم تستطع تلبية حاجات وطموحات مجتمعاتنا بالقضاء على الفقر والجهل والمرض، ولم تساعد على تشذيبها وتقريبها الى معرفة حقيقة واقعها، لتحديد مواقع اقدامها للبدء بمسيرة جديدة للتقدم في الزمان والموقع المعيّن . .
الأمر الذي ظهر جلياً بتراكمه لاحقاً، بعد ان استمر الحاكم بل وحتى اقسام كبيرة من المعارضة، بالنفخ في قربة شرف اصل مجتمعاتنا ونبل محتدها، وبعد ان غُلّب الخطاب السياسي الحماسي دون الأهتمام الضروري بتنويرها، الأمر الذي لم يكن بسبب النقص او العجز عن استشراف الجديد الواقعي لوحده، وانما بسبب انانية ومصالح وضيق أفق القائمين على الدولة، وبسبب المصالح والضغوطات الخارجية، وممارسة القهر والقمع، بحق محاولات نشر المعرفة والتنوير الذي يحتاجه وتلحّ عليه طلائع المجتمع برجاله ونسائه، من اجل التفاعل مع العالم ومن اجل حياة لائقة لمجتمعاتنا نحن كي تستطيع مواجهة التحديات.
وكان ان طرق الأتحاد السوفيتي ابواب دولنا ومجتمعاتنا من الشرق، وكان قد انعش طرقه قوى وطنية وقومية، وقوميات واقليات غير عربية ناشطة ليست قليلة، ورأى قسم في اهدافه وآلياته عاملاً مساعداً قد يكون اقرب لآمالنا ولكينونتنا، عاملاً مساعداً لأعادة بناء مجتمعاتنا، بعد ان دعى الى تساوي بني البشر والى حق الفقير بضوء عمله وجهده اينما كان وحقه بالسلطة ايضاً، وبعد ان بنى املا استطاع ان يحققه لنفسه بملايينه البشرية المتنوعة، وصار يُضرب به مثلاً آنذاك . . ً. الاّ انه اصطدم بانغلاقنا وبكياناتنا حين (قيل لنا) انه اعتبر ان الخيال والحلم والنفس خرافة. في وقت نافقتنا دوائر الغرب فيها وزايدتنا عليها، فدعمت اوهامنا وجمودنا وقوانا (المحافظة)، لمواجهة عملاق الشرق ذلك . . لأجل طموحاتها ومصالحها هي (اي دوائر الغرب) . . وليس من اجل فهم حاجاتنا اوالتفاعل معنا ومساعدتنا على اعادة بنائنا، من اجل خير ورفاه الجميع، ومن اجل المنافع المتبادلة، له ولنا .
ورغم ميراث الفوضى والتخلّف والصراعات والفتن، تكوّنت دولنا بعد الحرب العالمية الأولى، على اساس مصالح الكبار وبيدهم وعلى اساس وجود اقاليم ذات كيانات اجتماعية متجانسة او متقاربة او بامكانها التعايش معاً او رغبت فيه . . على اساس الأنتماء الأثني، العشائري، الثقافي والديني، التاريخ المشترك الأقتصادي الحضاري وانماط الحياة في ظل التكوينات الطبيعية المؤثرة التي تفرض نوعها، من صحاري وجبال وسهول، وعلى اساس تقارب او تفاعل لهجات اللغة والعادات والتقاليد والمصالح والرغبة بالعيش معاً . . التي جمعت (مجتمعات) مناطق ومقاطعات شاسعة تعايشت وتصارعت وتصالحت . . في قرون مضت .
وقد الحقت بها او فصلت عنها، او جرى ابقاء مناطق متنازع عليها بينها وبين جيرانها، يرى فيها قسم من المتخصصين انها كانت بذاتها سياسة مرسومة بوعي وباساليب رمت الى ابقاء بؤر ومشاكل غير متفق عليها بين الدول الجارة، بحيث بقت وتبقى خيوط حلها بيد القوى العظمى وتكون اساساً للتدخّل المباشر( كالمشاريع التي اشتهرت بها الأدارة البريطانية بشكل خاص آنذاك) . .
ويرى قسم آخر ان ذلك كان جزءاً من خطط تعامل القوى العظى مع المنطقة وفي تقسيمها وفق حدود واقتسام وآفاق تعود للشركات والأتحادات الأقتصادية العظمى وحسابات ربحها وخسارتها، بلا مبالاة باضرار ذلك على مجتمعات ودول المنطقة، اي ان دولنا بالنتيجة اضافة الى عوامل اخرى كانت قد نُحتت بما تناسب مع حاجات ومطالب القوى العظمى وتوازنها والأحتكارات والمؤسسات الأقتصادية المالية العسكرية النفطية العالمية واتجاهات حركة تحقيق وضمان اعلى الأرباح لها في استثمار ثروات المنطقة.
وعلى ذلك، ظلّت تعيش على جانبي الحدود علاقات قربى وزواجات، روابط عائلية ووراثات، ثارات وعرفانات، طالب ومطلوب، وانتماءات، اضافة الى تواجد اجزاء تكوينات عشائرية وعائلية اخذت تمتد بل وتؤثر على مواقف مراكز دولنا مدار البحث. فعشائر الجبور على سبيل المثال كانت ولاتزال تمتد من اليمن وعلى طول الساحل الغربي للجزيرة العربية الى العقبة شمالاً من جهة، وتمتد شمالاً ايضاً على طول العراق الى منطقة جزيرة ابن عمرو في الشمال العراقي وبين الموصل وحلب. وعشائر شمّرالممتدة في اكثر من اربعة دول عربية كبيرة جارة . . الأمر الذي ارتبط وتداخل واثّر مع ترابط اجزاء دولة عربية ما بمراكزها.
من جهة اخرى، لابد من القول ان مرور بحدود قرن من الزمان على قيام وتحديد دولنا، قد حقق تعايشاً وترابطاً جديداً او حقق ترابطاً امتن مما مضى لمكونات داخل مجتمعاتها وحدود دولتها الوطنية، بعد ان تحقق داخلها عيش مشترك ومواجهات مشتركة في السرّاء والضرّاء وفي نيران المعارك الوطنية ومن اجل الحياة اللائقة والحرية من جهة، اضافة الى تزايد ترابط اجزاء المجتمع الوطني مع مركزه، لتلبية الحاجة الى تحقيق انواع المصالح الحياتية الضرورية، من جهة اخرى.
الأمر الذي انعكس ايضاً في نمط حياة ونشاط، آمال ورغبات ابناء القوميات غير العربية الأصغر والأقليات القومية والعرقية والدينية بروابطها، التي ان لم تتطور في اطار حدود الدولة على اساس الصناعة والرفاه والتحضر، فانها تطورت على اساس الحاجة الى مواجهة واقع قائم (او مفروض) والى ضرورة التفاعل فيه (4) لمواصلة الحياة ولعقود طويلة من السنين، وادىّ الى قيام مصالح مشتركة وتزايد ثبات أخرى، والى تحقيق ثقة واستقرار حياتي ان صحّ التعبير.
ومن جانب آخر، اضافة الى انه صار من المصلحة ان يكون لفرد ما، شخص من اقربائه يعيش في دولة مجاورة، ليكون طرفاً في مصلحة ما كبيع او شراء مثلاً ، لأنه سيكون الأفضل لضمان نجاح تلك المصلحة. فان المثل اخذ يتكرر كل لحظة في مصالح اخذت تزداد تنوعاً وصار قسم منها مصيرياً، كما في حالات التشرد من حرب او دمار، اللذين استمرا متحركين في مجتمعاتنا ودولنا منذ مايقارب نصف قرن . . الأمر الذي يلقي اضواءاً على واحد من عشرات الجوانب لمن لايستطيع تصوّر ماهية الترابط والتأثير والتأثر المتبادل بين مجتمعات ودول منطقتنا وماهية روابط المصير المشترك بينها على تفاوته وعلى ايجابياته وسلبياته، وبالتالي لتصوّر تأثير تلك الروابط المستمرة والمتزايدة على تفكير وثقافة وتفكير مجتمعاتنا وبالتالي ضغط ذلك على نهج وسياسات دولنا . (يتبع)


1. قياساً بما مضى .
2. لم تكن الأوساط العربية متجانسة او موحدة وانما كانت تعيش اختلافات كانت تصل الى حد الصراعات المتنوعة الحدة والدرجات، في تشكيلة اجتماعية ضمّت : البداوة ـ الرعي ـ الزراعة ـ الحرف . . الخ ، وكانت الأختلافات متعددة : بين الحكام والشعوب، بين حكومتي ( الأتراك والفرس ) في ذلك الحين، بين العشائر، بين السنة والشيعة، بين علماء الدين والحكومة . . التي كانت مؤسسة السلطان العثماني تغذيها وتثيرها وتعيش عليها، لتأمين استمرار سلطتها .
3. حيث يعيش في وعي مجتمعاتنا ودولنا، كون دولتنا هي وريثة الدولة والكيان الأسلامي الذي شكّل احدى القوى العظمى في العالم، الممتدة في والمتفاعلة مع اوروبا . . لحد افول الدولة العثمانية قبل اكثر من ثمانين عاما، اثر الحرب العالمية الأولى .
4. الأمر الذي لايعني ذوبانها ولا يعني التنكر لحقوقها القومية والدينية والثقافية .



مراجع :
1. ” ونستون تشرشل ـ يوميات ” صادرة بجزئين عن مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر والترجمة ـ القاهرة ، 1966 .
2. ” اربعة قرون من تاريخ العراق ” / هيمسلي لونكريك.
3. ” صفحات من تاريخ العراق القريب” / المس غيرترود بيل .
4. ” تأريخ حركة القوميين العرب” / محمد جمال باروت.



(*) راجع بحث الكاتب ” الخارج ومحطات التغيير في الدول العربية ” ، مجلة ” الديمقراطية ” المصرية العدد 24 / ملف ” هل فشلت الدولة الوطنية في العالم العربي ؟ ” .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *