الرئيسية » مقالات » جرائم الانفال إبادة للجنس البشري وجرائم ضد الانسانية

جرائم الانفال إبادة للجنس البشري وجرائم ضد الانسانية

قبل 5 سنوات وتحديدا في 26 تموز 2002 أنعقد في رحاب جامعة لندن مؤتمر حول جرائم نظام صدام ضد العراقيين , وقد كان لي شرف المساهمة في المؤتمر ببحث عن ابادة الجنس البشري في كوردستان وفي جنوب العراق ثم تبعه مؤتمر أخر عقد في رحاب جامعة ادم مسكوفيج في بوزنان ببولندا في 20 اكتوبر 2003 وتناولت قضية جريمة إبادة الجنس البشري التي تعرض لها الكورد خلال حقبه حكم البعث- صدام وقد نشر البحث باللغتين العربية والانجليزية .

وفي كوردستان عقد مؤتمر عن ابادة الجنس البشري وجرائم النظام الدكتاتوري للأيام 13 و14 و15 اكتوبر 2004 , وقد شاركت فيه ببحث عن جريمة ابادة الجنس البشري في كوردستان , وقد نشر على موقع حكومة الاقليم ومواقع عربية واجنبية اخرى .

وبتاريخ 14 نيسان 2007 أنعقد في برلمان كوردستان اجتماع ضم اعضاء برلمان كوردستان وسيادة رئيس حكومة الاقليم وذلك بمناسبة يوم الانفال ومرور 19 عام على عمليات الانفال سيئه الصيت. ولعل من المفيد التأكيد على بعض ما قلناه سابقا في بحثنا المشار اليه أعلاه في هذه المناسبة لا سيما وإن مجريات محاكمة المسؤولين العراقيين للنظام السابق بخصوص جرائم الانفال تجري حاليا وفي مراحلها النهائية والتي راح ضحيتها 188 الف مواطن كوردي وبضمنهم 8 الاف بارزاني , وهي جريمة ابادة للجنس البشري وتنطبق عليها اوصاف هذه الجريمة الدولية مما تعطي لشعب كوردستان الحق طبقا للقانون الدولي في طلب الاستقلال من الأمم المتحدة بخاصة اذا لم تلتزم الحكومة العراقية الفيدرالية ببنود الدستور الفيدرالي واذا لم تحل الاشكاليات التي تتطلب الحل في ضوء الدستور وفي المقدمة منها قضية كركوك والمناطق المتنازع عليها وفق المادة 140 .

الى ماذا تهدف جريمة إبادة الجنس البشري ؟

تهدف جريمة إبادة الجنس البشري Genocide الى قتل الجماعات او المجموعة البشرية بوسائل مختلفة وتعتبر من الاعمال الخطيرة التي تهدد أمن وسلامة المجتمع لأنها تؤدي الى إبادة أواضطهاد كائنات انسانية كليا او جزئيا بسبب طبيعتهم الوطنية او العرقية او السلالية او الدينية, وهي ترتكب بصورة عمدية أي مع وجود القصد الجنائي ولا تنحصر اثارها على الوضع الداخلي للدولة التي تقع في نطاق حدودها الاقليمية و انما تمتد حتى الى الأسرة الدولية بسبب أثارها الشاملة. وهي ليست من الجرائم السياسية و انما تعد من الجرائم العمدية العادية حتى وان ارتكبت بباعث سياسي لآن هناك فرقا في قانون العقوبات بين الجريمة التي ترتكب بباعث سياسي وتلك التي ترتكب بباعث غير سياسي.

ويعود التطور التاريخي لهذه الجريمة الى العصر البابلي وجرى ارتكابها اثناء الحرب العالمية الاولى حين استعمل الألمان الغازات السامة في فرنسا وكذلك في اثناء الحرب العالمية الثانية منذ عام 1939-1945, ومن ثم ضد الشعب الكوردي سواء في كردستان العراق ام في مناطق العراق الاخرى كما حصل ضد الكرد الفيلية من جرائم التهجير والاختفاء القسري والاعدامات خارج نطاق القضاء وكذلك ضد الشيعة في وسط وجنوب العراق في أوقات مختلفة مما يؤكد أهمية وخطورة هــذه الجريمة وكونها من الجرائم الماسة بحقوق الانسان الامر الذي دفع بالامم المتحدة الى وضع اتفاقيتيــــن دوليتين لتنظيم احكامها وهو ما حثها الى عقد اجتماع في روما لتأسيس محكمة جنائية دولية عام 1998 ولدت الى النور في نيسان من عام 2002 واودعت الاتفاقية لدى الامم المتحدة وحدد قضاتها الذين سينظرون في مختلف الجرائم الدولية ومنها جريمة أبادة الجنس البشري بالنسبة للجرائم التي ترتكب بعد 1 ايلول 2002 وهو تاريخ سريان هذه الاتفاقية .

ولم تعد قضية حقوق الإنسان و الانتهاكات البليغة التي ترتكبها الأنظمة الدكتاتورية مسألة داخلية لا يمكن للاسرة الدولية أن تتدخل لوقف قمع السكان المدنيين أو أن يبقى المجتمع الدولي متفرجا من قضية التطهير العرقي أو الجرائم الدولية الخطيرة التي يرتكبها بعض الحكام في أية بقعة من الأرض, وإنما أضحت مسالة احترام حقوق البشر قضية تهم المجتمع الدولي ولا تنحصر بشؤون الدولة الداخلية ولا تتعلق بالأمن الوطني فقط أو تخرق مبدأ التدخل في الشؤون الداخلية للدول التي تنتهك هذه الحقوق, لان هذه الانتهاكات صارت مصدرا للقلق والنزاعات وعدم الاستقرار للمجتمع الدولي. وأضحت هذه الجرائم سببا خطيرا للنزاعات والحروب مما يؤثر استمرارها على الأمن والسلم الدوليين خصوصا إذا جاءت هذه الانتهاكات ضمن ممارسات ارهاب الدولة حيث أرتكب صدام وأركان نظامه أبشع الجرائم ضد الكورد والشيعة في الوسط والجنوب .

وفي ظل حكم البعث المقبور بلغت قضية إهدار حقوق الإنسان حدا خطيرا لا يمكن إغفاله, فالانتهاكات التي مارسها منذ عام 1968 وحتى سقوط النظام في 9 نيسان 2003 وبخاصة ضد الكورد في كوردستان العراق وضد الشيعة والتركمان والاقليات الأخرى من سياسة التمييز والقمع والاضطهاد والتي ازدادت بعد اندلاع الحرب بين إيران والعراق عام 1980 وما تبعها من استعمال السلاح الكيماوي في مناطق متعددة من العراق وبخاصة في حلبجه وباليسان وقلعه دزه وزيوه ومناطق اخرى في كوردستان ومن ثم احتلال دولة الكويت عام 1990 ، وتجفيف الاهوار وتدمير البيئة وتسميم المياة وضرب مدن الجنوب بالصواريخ شكلت خرقا واضحا للدستور ولكل القوانين والالتزامات الدولية والأعراف وحتى للديانات السماوية والقيــــم الإنسانية مما دفع مجلس الامن الى اصدار القرار رقم 688 لحماية العراقيين من الكورد و العرب والاقليات الاخرى من بطش النظام.

ولذلك لابد من الحديث عن هذه الجرائم وتقسيم البحث على النحو التالي:


تحديد مفهوم جريمة ابادة الجنس البشري

نصت اتفاقية منع ابادة الاجناس البشرية والمعاقبة عليها لعام 1946 على احكام الجريمة المذكورة فالابادة يقصد بها التدمير المتعمد للجماعات القومية او العرقية او الدينية او الاثنية ويراد بكلمة او مصطلح genocide في اللغة اللاتينية (قتل الجماعة) فقد اقترن اسم وشيوع مصطلح جريمة الابادة مع النازية اولا حيث جرى قتل ملايين البشر بسبب دينهم او اصلهم العرقي وأعتبرت الجريمة من نمط الجرائم ضد الانسانية حتى ولو لم تكن الجرائم المرتكبة تشكل اخلالا بالقانون الداخلي للانظمة المنفذة لها.
ولا شك ان ارتكاب الافعال بقصد التدمير الكلي او الجزئي لجماعات قومية او اثنية او عنصرية او دينية تقع من خلال صور متعددة وسواء أكانت الجريمة بصورة مباشرة ام التحريض عليها ام بالتامر على ارتكابها وسواء اثناء السلم ام الحرب فقد جاء في المادة الثانية من الاتفاقية مايلي:
(( في هذه الاتفاقية تعني الابادة الجماعية ايا من الافعال التالية:
المرتكبة عن قصد التدمير الكلي او الجزئي لجماعة قومية او اثنية او عنصرية او دينية, بصفتها هذه:
1ـ قتل اعضاء من الجماعة
2ـ الحاق اذى جسدي او روحي خطير باعضاء من الجماعة
3ـ اخضاع الجماعة عمدا لظروف معيشية يراد بها تدميرها المادي كليا او جزئيا
4ـ فرض تدابير تستهدف الحؤول دون انجاب الاطفال داخل الجماعة
5ـ نقل اطفال من الجماعة عنوة الى جماعة اخرى )).

لا حصانه دستورية او قانونية لمن يرتكب جرائم ضد الانسانية

وهذه الافعال الاجرامية يعاقب عليها القانون سواء من خلال الابادة فعليا او بالتامر على ارتكاب الابادة الجماعية او التحريض المباشر والعلني على ارتكابها او في محاولة ارتكابها او الاشتراك فيها ويتعرض للمسؤولية القانونية اي شخص كان حتى ولو كان مسؤولا دستوريا مثل رئيس الدولة او رئيس الوزراء او موظفين عامين او افرادا كما ان هذه الجريمة لا تسقط بمرور الزمان . وهذا يعني ان رئيس الدولة او رئيس الوزراء مثلا لا يتمتع بالحصانة الدستورية او القانونية ولا يعفى من العقاب مطلقا.

يتضح من ذلك ان قتل الجماعات تحصل بطرق او وسائل مختلفة منها:

النوع الاول: الابادة الجسدية

وهو يتمثل في قتل الجماعات بالغازات السامة او الاسلحة الكيماوية او الاعدام او الدفن وهم احياء او القصف بالطائرات او الصواريخ او باية وسيلة اخرى تزهق الروح وهو ما حصل مع الكورد في حلبجه والانفال وضد البارزانيين وضد الكورد الفيلية ومع مئات الالوف من الشيعة في جنوب العراق اثناء الانتفاضة وخلالها في اذار ونيسان وما بعدها عام 1991 ووفقا لاعترافات الكثير من ضباط الاجهزة الامنية الذين فروا من بغداد ووفقا لمجريات المحاكمة العلنية التي جرت وتجري للمسؤولين العراقيين السابقين .

النوع الثاني :الابادة البايولوجية

وتتمثل بطرق تعقيم الرجال او اجهاض النساء وبوسائل مختلفة بهدف القضاء على العنصر البشري.
( الفقرة د- من المادة الثانية ) من اتفاقية منع ابادة الاجناس والمعاقبة عليها .

النوع الثالث:الابادة الثقافية

وتتمثل في تحريم التحدث باللغة الوطنية والاعتداء على الثقافة القومية وهو ما حصـــــل في كوردستان العراق وما يحصــــــل في تركيا وسوريا ضد الشعب الكوردي وما حصل في العراق في المدن الكوردية التي كانت خاضعة لسيطرة نظام صدام مثل كركوك وخانقين وزرباطية ومندلي وغيرها.( الفقرة ج من المادة الثانية من الاتفاقية ).
غير ان الاسرة الدولية لم تتجه بعد الى اعتبار هذا النوع من الابادة جديا وخطيرا ويؤدي الى الفناء على الرغم من هذا النوع من الابادة هو ابادة معنوية تدمر البشر وهي تؤدي الى الصهر والاذابة والتدمير وهو عمل غير مشروع.لان اللغة هي بمثابة هوية الجماعة ولا يجوز حرمان أحد من التحدث بها مطلقا ومن هنا نص الدستور العراقي لعام 2005 على مايلي بخصوص اللغة في العراق الاتحادي سواء بالنسبة للكورد ام القوميات الاخرى المتعايشة في العراق :

(( المادة (4):
أولاًـ اللغة العربية واللغة الكوردية هما اللغتان الرسميتان للعراق، ويضمن حق العراقيين بتعليم ابنائهم باللغة الأم كالتركمانية و السريانية و الأرمنية في المؤسسات التعليمية الحكومية وفقا للضوابط التربوية، أو بأية لغة أخرى في المؤسسات التعليمية الخاصة.

ثانياً: يحدد نطاق المصطلح لغة رسمية، وكيفية تطبيق احكام هذه المادة بقانون يشمل:
أ ـ اصدار الجريدة الرسمية باللغتين.
ب ـ التكلم والمخاطبة والتعبير في المجالات الرسمية كمجلس النواب، ومجلس الوزراء، والمحاكم، والمؤتمرات الرسمية، بأي من اللغتين.
ج ـ الاعتراف بالوثائق الرسمية والمراسلات باللغتين واصدار الوثائق الرسمية بهما.
د ـ فتح مدارس باللغتين وفقا للضوابط التربوية.
هـ ـ اية مجالات أخرى يحتمها مبدأ المساواة، مثل الاوراق النقدية، وجوازات السفر، والطوابع.

ثالثاً : تستعمل المؤسسات الاتحادية والمؤسسات الرسمية في إقليم كردستان اللغتين.

رابعاً: اللغة التركمانية واللغة السريانية لغتان رسميتان آخريان في الوحدات الادارية التي يشكلون فيها كثافة سكانية.
خامساً: لكل اقليم أو محافظة اتخاذ اية لغة محلية أخرى لغةً رسمية اضافية اذا اقرت غالبية سكانها ذلك باستفتاء عام.)).

بواعث إرتكاب الجرائم ضد الانسانية

أما بالنسبة الى البواعث على هذه الجريمة فيمكن حصرها على الشكل التالي :

1ـ الاسباب الدينية أو المذهبية :
ولعل اوضح صورة في العصر الحديث هي جرائم نظام صدام ضد الشيعة في وسط وجنوب العراق حيث قام بضرب مدن الجنوب بالصواريخ وبالاسلحة الثقيلة خلال الانتفاضة وما بعدها عام 1991 انتقاما منهم فضلا عن تسميم مياة الاهوار وتجفيفها بهدف القضاء على الحياة في المنطقة. ووصل الحد الى ضرب العتبات المقدسة الصوارخ وبالدبابات والمدافع الثقيلة وتصفية المئات من علماء الدين الشيعة بصورة خطيرة سواء ممن اختفوا ام ممن قتل علنا لموقفهم الرافض لنظام صدام.

2ـ الاسباب السياسية والاجتماعية:
وهو ما نصت عليه المادة الثانية من الاتفاقية سالفة الذكر وهي التي تتعلق بالكورد بهدف القضاء على لغتهم وتذويبهم وصهرهم وتعريبهم ومن خلال سلسلة من القرارات غير الانسانية.

أنواع الجرائم الدولية

وفقا لاتفاقية منع جرائم إبادة الجنس البشري فان الجرائم الدولية هي على النحو التالي :
1. جرائم مرتبطة بالحرب War Crimes
2. جرائم ضد السلم War against peace
3. جرائم ضد الإنسانية Crimes against Humanity

والجريمة الدولية International Crimeتنفذ بصورة عمدية وهي جريمة كبرى High Crime, أي ترتكب مع وجود القصد الجنائي للفاعل criminal intent , ولهذا لا ترتكب الجريمة الدولية في شكل جنحة أو مخالفة أو بطريقة غير عمدية أي خالية من القصد الجنائي. لذلك تعد الجريمة الدولية جناية خطيرة Infamous Crime تهز الأمن والسلم الدوليين ولا تنحصر أثارها على إقليم الدولة فقط و إنما تمتد أثارها إلى المجتمع الدولي أيضا وتطبق عقوبتها باسم الجماعة الدولية ويمكن تعريفها على إنها:
(واقعة إجرامية تخالف قواعد القانون الدولي سواء أكان الفعل الذي يشكل جريمة في صورة فعل, جريمة بفعل إيجابي, أم امتناع عن فعل وهي الجريمة سلبية).

أركان الجريمة الدولية ضد حقوق الإنسان

يمكن تحديد هذه الأركان على النحو التالي:

1. الركن الشرعي – ويقصد به النص القانوني الذي يجرم الواقعة (الفعل أو الامتناع) من الأعراف والاتفاقيات والنصوص الدولية الموقع عليها من الدول مثل اتفاقية تحريم إبادة الجنس البشري genocide وهي جريمة ضد وجود البشر إما أن تكون في صورة إبادة مادية بالقتل للتخلص من قومية معينة أو عنصر معين أو طائفة معينة, وقد تكون الجريمة في شكل إبادة بيولوجية مثل تعقيم البشر وإبادة ثقافية كتحريم النطق باللغة القومية إن الثقافة التي تتميز بها القومية أو الطائفة أو الجماعة كما بينا ذلك, ومما يتعلق بالنص الشرعي ايضا النص على أسس الحرب الظالمة والجرائم ضد السلام كحيازة الأسلحة الفتاكة وشن الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي تخص انتهاكات حقوق الإنسان ومنها دفن عشرات الالاف من الكورد و ابناء الجنوب حيث تكتشف بين فترة واخرى القبور الجماعية في جنوب العراق ضد الكورد والشيعة التي تشير الى انها جرائم مرتكبة من النظام بالقيام بعمليات الاعدام دون محاكمة.

2. الركن المادي – ويقصد به الأفعال أو الامتناع عن الأفعال التي تشكل جريمة دولية أي هو التصرف العمدي الخطير بحد ذاته كتدمير القرى والبيئة وإخفاء الأشخاص وأجراء تجارب السلاح البيولوجي والكيماوي ضدهم وهو ما فعلة نظام صدام ضد كردستان وضد الشيعة..

3. الركن المعنوي – أي أن الجريمة الدولية ترتكب عمدا (قصد جنائي) وهو ما يدل على خطورة الجريمة الدولية التي تهز أركان المجتمع الدولي في أمنه وتهدد السلم العالمي.ولهذا تعد الجريمة الدولية من درجة الجنايات العادية الكبرى ولا تعد الجريمة الدولية من درجة الجنحة أو المخالفة وذلك لان الجريمة الدولية ترتكب عن قصد (ارادة الفعل + النتيجة) معا وهي أخطر اصناف الجرائم .

حق تقرير المصير للشعوب المضطهدة

يعتبر مبدأ حق تقرير المصير للشعوب المضطهده من بين أهم المبادئ السياسية في العصر الحديث ومن بين أفضل الطرق لتحقيق السلام والأمن والاستقرار واحترام حقوق الانسان , حيث إنتعش هذا المبدأ بصورة واضحة منذ أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها وانتبه العالم الى مأسي الحروب وما تخلفه من دمار إقتصادي وإجتماعي وثقافي وإنساني , ومع انحسار نفوذ الاستعمار للشعوب بدأ العالم المتحضر يسير نحو طريق أخر يجنب البشرية هذه الويلات , وتقرر إن كل الشعوب على الارض لها نفس الحقوق وهي تتطلع نحو الحرية والمساواة والحق في العيش بأمان وسلام وإزدهار وقد صار هذا المبدأ مفهوما دوليا مستقرا .
ولهذا السبب اعلنت الجمعية العامة للامم المتحده القرار رقم 2625 ( د-25 ) لعام 1970 المعنون ب ( اعلان مبادئ القانون الدولىالمتعلقة بالعلاقات الودية والتعاون فيما بين الدول وفقا لميثاق الامم المتحدة ) ثم صدر لاحقا العديد من القرارات عن الجمية العامة للامم المتحدة تؤكد مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها باعتباره حقا انسانيا جوهريا يجب احترامه . ولاشك ان هذا القرار هو إمتداد لما أعلنه الرئيس الامريكي ولسن عام 1918 عن حق تقرير المصير للشعوب الذي صار الان من المبادئ القانونية الملزمة دوليا , لأن حق تقرير المصير ينطبق بصورة اساسية على الشعوب والامم المحرومة من استقلالها بشرط توافر مقومات الشعب وهو ما ينطبق على كوردستان بسبب وجود كل مقومات هذا الحق فضلا عن وجود أسس أو أركان الاستقلال وهي : (( الشعب المضطهد الذي عانى من جرائم ضد الانسانية ومنها جرائم إبادة الجنس + الاقليم أو الارض + التنظيم السياسي أي المؤسسات الدستورية من حكومة وبرلمان وسلطة قضائية )).

وتطبيقا لهذا المبدأ فانه من الجدير بالذكر القول بان بعض اقاليم البلقان التي شهدت حروبا قاسية قبل سنوات نالت الاستقلال ومنها جمهورية الجبل الاسود بعد إنهيار حكم الدكتاتور سلوبدان ميلوسفيج , وفي ضوء تداعيات حرب البلقان قرر مجلس الأمن الدولي إيفاد بعثة إلى كوسوفو قبل أن يتخذ قرارا بشأن مستقبل الإقليم الخاضع منذ عام 1999 لإدارة الأمم المتحدة. وستضم البعثة سفراء الدول الخمس عشرة الأعضاء في مجلس الأمن أو من ينوبون عنهم قبل أن يدرس المجلس قرارا بشأن خطة قدمها وسيط الأمم المتحدة مارتي أهتيساري ( رئيس دولة فنلندا السابق ) الذي أوصى الشهر الماضي باستقلال كوسوفو تحت إشراف دولي.

وقد أيد الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون توصية مبعوثه الشخصي إلى كوسوفو أهتيساري رئيس فنلندا السابق بالسماح باستقلال الإقليم الخاضع لإدارة الأمم المتحدة عن جمهورية الصرب.
وقال أهتيساري في تقريره إلى مجلس الأمن الدولي “إن الاستقلال هو الخيار الوحيد الصالح لكوسوفو كي يكون إقليما مستقرا سياسيا واقتصاديا وقابلا للحياة”.

□ ملاحظة :
أصل هذا المقال هو محاضرة باللغة الانجليزية القيت في جامعة لندن عن جرائم ابادة الجنس البشري في كوردستان وجنوب العراق طبقا لقواعد القانون الدولي
University of London- School of Oriental and African Studies
SAOS -Dated on 26/7-2002