الرئيسية » مقالات » هل من سبيل إلى ممارسة النقد في الحياة السياسية العراقية؟

هل من سبيل إلى ممارسة النقد في الحياة السياسية العراقية؟

تترك طبيعة النظام السياسي القائم في بلد ما وممارساته اليومية بصماتها العميقة بشكل مباشر وغير مباشر على سلوك الأحزاب والأفراد والجماعات دون أن يشعر هؤلاء بتأثير تلك النظم, إذ أنها تعتبر حالة عامة تمارس في حياتهم, سواء من جانب الحكومة أو من جانب الآخر, سواء أكان فرداً أم جماعة أم حزباً سياسياً أم منظمة غير حكومية. فالنظام السياسي المدني الديمقراطي المتحضر يتصرف الفرد أو تتصرف الجماعة أو الأحزاب أو الحكومة فيه بروح ديمقراطية إزاء بعضهم البعض الآخر ويجدون في الحوار والنقد المتبادل صيغة ضرورية لعملية تطوير الفرد أو المجتمع أو الحكومة ذاتها , وبالتالي تطوير النظام السياسي القائم الذي يعيشون في ظله ويحتمون بدولة القانون والمؤسسات الدستورية. وفي النظام السياسي الدكتاتوري تغيب الديمقراطية ويغيب الرأي الآخر ويسيطر القمع وبالتالي لا مجال للنقد ولا حتى النقد الذاتي , وبالتالي فالأفراد تتلبسهم ذات الصفات دون أن يدركوا غرابة ذلك , إذ أن تلك السمات التي تميز النظام تتغلغل إلى نفوس وعقول وممارسات الأفراد عبر الزمن وتتكرس في دواخلهم وتصرفاتهم اليومية دون أن يشعروا بخطأ تلك التصرفات , إذ أنها تصبح جزءاً منهم.
وفي النظم السياسية التي ما تزال تعيش بين مدينتي نعم ولا , وخاصة تلك التي خرجت لتوها من قبضة الدكتاتورية وتعيش مرحلة تحول معقدة وصعبة ومليئة بالمخاطر, إضافة إلى الخشية من الجديد الديمقراطي غير المألوف وغير المعروف وحيث أن القيم والمعايير الديمقراطية لم تجد بعد طريقها إلى التعامل اليومي , فأن من الصعب حقاً ممارسة النقد, دع عنك النقد الذاتي. إذ أن النقد للظواهر السلبية في هذا البلد أو ذاك , مهما كان بناءً وهادئاً ومعقولاً, يبدو لمن في السلطة أو في أجهزتها الإدارية أو في صفوف الجهاز الحزبي أو الإعلامي وكأنه محاولة للإساءة للنظام القائم ولقادة ومسؤولي النظام , وبالتالي يبدو الطرف الناقد لتلك الظواهر السلبية الصارخة والمعترف بها من حيث المبدأ وكأنه العدو بعينه الذي يريد الإجهاز على هذا النظام والإساءة إلى سمعته. فضيق الأفق والصدر يدفعان بالأجهزة الوسطية والقاعدية إلى رفض أي نقد والإساءة إلى الناقد بطريقة فجة وفظة تجعل المستمع يشعر بالحزن على تلك الأجهزة التي تريد المدح لا النقد, وبالتالي تسيء إلى القيادة لأن البعض ذلك توجيهاً منها, ويأمل الإنسان أن لا يكون كذلك.
هذه المقدمة القصيرة والضرورية أوردها لأتحدث عن مشاركتي في مؤتمر دعم الديمقراطية الذي عقد في مدينة أربيل عاصمة إقليم كُردستان العراق في الفترة الواقعة بين 10-12/4/2007. وأكتب هذا بسبب كثرة الهواتف التي تسلمتها والتي تتساءل عما حصل لي في هذا المؤتمر. ولكي لا أترك مجالاً للقيل والقال والتفسيرات غير الضرورية أشير إلى ما يلي:
شاركت في مؤتمر دعم الديمقراطية كضيف لا غير ولم أكن عضواً في اللجنة القيادية لدعم الديمقراطية ولا في اللجنة التحضيرية, وكنت مهتماً في أن يلعب هذا المؤتمر دوراً مهماً في تقريب وجهات النظر بين القوى والأحزاب السياسية الديمقراطية العراقية من أجل تفويت الفرصة على قوى الإرهاب والقوى المناهضة للديمقراطية في إفشال المسيرة السياسية للعراق الديمقراطي المنشود وغير القائم حتى الآن والتصدي للردة السياسية والاجتماعية التي يعاني منها العراق حالياً. وقد جاء اختيار مدينة أربيل موفقاً لأسباب عديدة بما في ذلك وترحيب رئاسة الإقليم بعقده في أربيل وسيادة الأمن والاستقرار فيها والدعم المالي لعقد هذه الندوة فيها , إضافة إلى الرغبة لدى الضيوف في أن يلعب التحالف الكردستاني دوراً مهماً وطليعياً في دعم القوى الديمقراطية العربية للنهوض من كبوتها الراهنة وضعفها البارز والتشوش الفكري والتبعثر السائد في صفوفه غالبيتها. وهو دون أدنى شك يتضمن تأييداً ودعماً لإقليم كُردستان رئاسة وحكومة وشعباً من جانب القوى الديمقراطية العراقية في الداخل والخارج. وقد افتتح هذا المؤتمر من قبل رئيس إقليم كُردستان العراق, السيد مسعود البارزاني , الذي قدم كلمة مهمة حول دور القوى الديمقراطية والمهمات الراهنة.
وفي مثل هذه المؤتمرات لا يمكن تصور وجود رأي واحد , بل أراء كثيرة, وخاصة في صفوف المثقفين والسياسيين الديمقراطيين في العراق , وبالتالي يحتاج الإنسان العامل والمشخص للعمل في هذه المجالات أن يمتلك الحنكة والحكمة والرؤية الواعية للتعامل الواعي والسليم مع مختلف الآراء دون تصلب أو تشنج أو تصور بوجود أعداء أو خصوم يريدون الإساءة لتجربة الإقليم أو نجاحاته , وأن مرورهم الضروري على الجوانب السلبية ليس بهدف الإساءة للتجربة , بل بهدف التنبيه والمشاركة في التصحيح من خلال وضع اليد على الأخطاء وفق رؤيتهم لها دون أن يعطوا الحق لأنفسهم بامتلاك الحقيقة كلها أو أن ملاحظاتهم لا تحتمل الخطأ.
لقد كان المؤتمر فعالية مهمة. ولكنها كانت, كما أرى, بحاجة إلى جهود أخرى أكثر عمقاً وأكثر سعة صدر وأكثر وعياً بطبيعة المشاركين, وخاصة ممن شارك في التحضير والتهيئة لعقد هذا المؤتمر, وأن تكون أوراق العمل أكثر قدرة على التعبير عن الحاجات التي تستوجبها المرحلة من كل القوى السياسية الديمقراطية العراقية, وأن تكون إدارة الجلسات أكثر ديمقراطية في استيعاب نوايا المشاركين في الحوار بدلاً من اعتبار من يتحدث عن الظواهر السلبية وكأنه يتحدث خارج الصدد. وكان المفروض أيضاً أن يشارك قادة الأحزاب الديمقراطية فيها لكي تتوفر لهم فرصة إضافية للحوار في ما بينهم.
لقد كنت صريحاً في مشاركتي في الحوار وطرحت موقفي من الدور الطليعي الذي يفترض أن يلعبه التحالف الكردستاني في الواقع العراقي الجديد وفي لملمة صفوف القوى الديمقراطية العراقية, وخاصة العربية التي تعاني من تفكك وربما تشوش إزاء بعض القضايا الكردستانية المشروعة, ولكني في الوقت نفسه انتقدت الظواهر السلبية في التجربة الجارية وخاصة انتشار الفساد, الذي كتبت عنه سابقاً في الصحافة الكردستانية ذاتها, وتحدثت عن أهمية ودور التجربة الكردستانية بالنسبة لكل الأمة الكردية.
لقد وجد مدير الجلسة, وهو أحد الأخوة الصحفيين الكُرد من أعضاء اللجنة التحضيرية ومن قيادة لجنة دعم الديمقراطية في لندن , بأني أتحدث خارج الصدد, وأصر على أني أتحدث خارج الصدد, مما أجبرني على السكوت وترك المنصة, إذ لم أتعود على مثل هذه الممارسات غير الديمقراطية. فهل كنت حقاً خارج الصدد, أم أن السيد مدير الجلسة كان خارج الصدد وفق تقدير زميلته السيدة الدكتورة أزهار الشيخلي التي كانت تدير الجلسة معه؟
لقد تبين للمؤتمرين, كل المؤتمرين تقريباً, بأن مدير الجلسة هو الذي كان خارج الصدد, وأني لم أكن اقصد الإساءة للتجربة الكردستانية بل العمل معهم لتصحيح المسارات التي يمكن أن تعرض التجربة للانتكاسة التي لا يريدها أحد منا لشعب كُردستان, إذ أنها ستكون انتكاسة للعراق الديمقراطي المنشود كله. ومن المؤسف حقاً أن رئيس لجنة دعم الديمقراطية قد أيد بشكل غير مباشر مدير الجلسة حين تحدث عن القضايا الرئيسية والقضايا الجزئية وكأن الفساد المالي والإداري الذي أشرت إليه يعتبر مسألة جزئية , رغم أنه تراجع بعدها تحت ضغط المؤتمرين وليس قناعة, إذ جاء يرجو عودتي للقاعة بعد أن رفض المؤترون استمرار الجلسة دون الاعتذار عما حصل. لم يكن السيد رئيس لجنة دعم الديمقراطية مساعداً لتعزيز الجو الديمقراطي المنشود في المؤتمر, رغم أنه يعرف أن الفساد المالي والإداري الذي تضمنه التقرير ذاته وتحدثت عنه يشكل مع الإرهاب الوجه الآخر للإرهاب, إذ أن أحداهما يتغذى الأخرى وستغذى منه. ويعرف الأخوات والأخوة الكر داني كتبت عن هذا الموضوع أكثر من مرة لا عن كُردستان العراق وحدها, بل عن العراق كله, كما تحدث عن رئيس إقليم كُردستان وأوعد بمكافحته. وقد نشرتا جريدة التآخي مقالاتي هذه, كما ترجمت تلك المقالات إلى الكردية ونشرت في خه بات , وأن الجريدتين تصدران عن الحزب الديمقراطي الكردستاني.
لقد كان المؤتمر تجربة جديدة ومهمة فقد جمع عناصر ديمقراطية من أحزاب مختلفة وشخصيات مستقلة وقوى ديمقراطية وقومية وشيوعية واشتراكية وإسلامية ديمقراطية, وهذا بحد ذاته مكسباً. وكان حصول تباين في وجهات النظر في عراق ما زال ينزف دماً متواصلاً وحديثاً غير متواصل بين هذه القوى لتحقيق التعاون والتآلف في ما بينها أمراً ممكناً واعتيادياً. وسوف نحتاج إلى وقت طويل لتحسين الفهم المتبادل في ما بيننا.
لقد كانت هناك خلافات واضحة بشأن العديد من النقاط, ومنها المادة 140 من الدستور المؤقت. وبدا واضحاً للجميع أن الغالبية لم تكن ضد المادة المذكورة, بل كان البعض له وجهة نظر في طريقة وأسلوب تطبيقها أو في الوقت المحدد لها, وبالتالي لم يكن يحتاج الأمر إلى توترات في القاعة, إذ يمكن التعايش الديمقراطي مع التباين في وجهات النظر. وقد كان هذا الموقف واضحاً في كلمة السيد رئيس إقليم كُردستان حين أكد عند زيارة الوفود له , كما نقل لي , بأنه كان إلى جانب هذه المادة طبعاً وحبذ ظهورها في البيان الختامي, ولكنه لا يريد فرضها على أحد أو على المؤتمر, في حين كان البعض القليل من الأخوة الكُرد في المؤتمر يهدد بالانسحاب ما لم تجر موافقة المؤتمرين على هذه المادة, رغم علم هذا البعض بأن التهديد ليس طريقاً للتفاهم ولا أسلوباً ناجعاً لإقناع الآخرين, خاصة وأن الأكثرية كانت إلى جانب الموقف العام من تطبيق نص المادة 140 من الدستور الدائم.
يأمل الإنسان أن تتسم مؤتمرات القوى الديمقراطية بالديمقراطية فعلاً, وهو أمل سيبقى يراودنا إلى حين تحقيق هذا الهدف النبيل باعتباره الطريق الوحيد للوصول إلى بناء عراق مدني وعلماني ديمقراطي اتحادي تزدهر فيه الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات والعدالة الاجتماعية وبعيداً عن التمييز ضد المرأة أو أي شكل من أشكال التمييز الأخرى.
نيسان /أبريل 2007 كاظم حبيب





اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *