الرئيسية » مقالات » العمل في مؤخرة المدينة

العمل في مؤخرة المدينة

حظي عاصم (المنفي رغما ً عن أنفه) بعمل جديد حسده عليه معارفه وأصدقائه .. أبو العبد نفسه تدخل كواسطة خير وأخذه معه إلى شركة الليسنغ الجديدة ليعمل ومن خلالها في أحد فروع بلدية المدينة يعني ” مصلحة التنظيفات ” أو بالأحرى الزبالة ، والعامل فيها يسمّى زبالا ً .
وأبو العبد لمن لا يعرفه أقول أنه شاب من فلسطين ، تغرب أبوه بعد نكبة 1948 إلى الكويت ، وعمل حتى أصبح تاجرا ً مشهورا ، ثم وعلى ذمة الراوي أصبح صاحب بنك .
بعد الغزو العراقي لدولة الكويت طرد الكويتيون الكثير من العراقيين والفلسطينيين فاغتنمها البعض فرصة للهجرة إلى أوربا الغربية التي كان يعتقد بأنها الجنة على الأرض بعد أمريكا واليابان ، ومن أبرز المهاجرين إلى دولة النمسا في العقد الأخير من القرن العشرين عائلة كردية من أصل عراقي ، رافقها شاب تزوج إحدى نساءها ، وأبو العبد الذي لحق بزوجته بعد سنة من حصولها على اللجوء السياسي في دولة النمسا .
في دائرة مصلحة الزبالة ثلاث وعشرون سيارة كبيرة تزن كل منها ستة أطنان وهي فارغة ، بينما تزن حمولتها ثمانية عشر من ” زبل ” الخليط السكاني الذي مايكاد يأكل حتى يفرز أكله عرقا ً وغائط ، ورذاذ ، وبول ..
في (سروة) كل صبح يجتمع السائقون خلف باب مدير العمل الذي كان بالأصل (زبالاً) مثل البقية ، وهو قابع على كرسي دوّار يدوّره ويدور به متفحصا ً وجوه العمال ، باحثا ً بين الأوراق على العناوين الأكثر قذارة والتي يجب تنظيفها في البدء ، مع أن التنظيف موزع تقنيا ً ، وكل سيارة أو مجموعة داخل سيارة الزبالة تعرف واجباتها الوظيفية .
قال عاصم لزميليه : أرجو أن تتوقفا عند كل مقهى لنشرب قهوة ، ولا تؤاخذوني إن قلت لكم بأني مصاب بانخفاض في ضغط الدم مما يتوجب علي شرب القهوة لأرفع ضغط الدم في شراييني ، فسأله (رايز) بلهجة تهكمية : وإن لم تجد قهوة ؟!!
أجابه عاصم أشرب كأس نبيذ أو أتفرج على النسوان ..

السيد (أوستن ) الدوار على الكرسي السابق الذكر حوّل عاصم إلى إحدى الحافلات مع (هانس) و (رايز) الظريفين ..
– أنا مسرور بك يامعلم .. قال عاصم ( لرايز) وربت ّ على كتفه .
– أنا لست معلما ً .. أنا مساعد عامل .. مثلك تماما ً .
رد ّ عاصم عليه : سأعتبرك معلمي .. هكذا .. ” الجميع معلمون في هذا العالم ، إلا أنا .. ” .
بالمناسبة فإن الأوربيين يحبون السيادة (سبحان الله) وعندما لا يجدوا من يأمروه يشتروا كلبا ً ليتأمرّوا عليه .
لم يعد يهتم عاصم إن كان معلما ً أو أجير ، الأمر سيّان ، فهو غريب .. والغريب على رأي إحدى الإعرابيات : ” كالوحش النائي عن وطنه ، لكل رام رمية ، ولكل سبع فريسة .. وهو كالفرس الذي زايل أرضه وفقد شربه ، فهو ذاو لا يزهر ، وذابل لا يثمر ” .
– تحركها هكذا ..
تدفعها إلى الزاوية ..
تشد يدك على المقبض .. سترتفع الحاوية ، ويغلق باب عليها فتغسـل ..
فيما بعد رشـّها بهذا المسدس المائي ..
عاصم يغسل الحاويتين معا ً ، يركض ليسبق الوقت ذو المساحة اللامتناهية لدى الآخرين ..
نبهه (رايز) : رجاء لا تركض .. على مهلك .. رجاء عدم الاستعجال ..
لم يهتم عاصم للأمر .. عمل بنشاط .. كاد أن يقطـّب حاجبيه الناعمين .
قال : الآلة تسجل دقات العمل ، وحينما تسرع سيظهر للمعلم كسلنا بعد أن تتحول أنت إلى سيارة أخرى .
هه .. فهمت القصة .. عاصم قال في نفسه ثم قصر في السرعة .. تنقــل معهما في كل أسواق المدينة ومطاعمها الرخيصة لشرب القهوة أو شئ من العصير ..
شـاركهم الإعجاب بعابرات الطريق أو المنتظرات على شارات المرور .. صفرّ لهن .. حكى لزميليه بعضا ً من النكت البذيئة التي تعلمها من بعض المثقفين التقدميين .
في مساء اليوم الأول ودّعهم عاصم ، وفي اليوم التالي ، واستمر الحال يودعهم يوميا ً على أمل اللقاء في اليوم التالي …
في الأسبوع التالي حوّله السيد (أوستن) إلى سيارة ومجموعة أخرى من العمال .. لسيارة زبالة جديدة .. يسـَرون باكرا ً ، يبحثوا عن عناوين مكتوبة سلفا ً في قائمة .. ليست كثيرة ، حوالي عشرين عنوانا ً موزعة في شرايين المدينة ..
يتوقفوا عند العنوان المطلوب ، يترجلوا بسرعة ، يحملوا ما يجدوه من أنقاض ونرمي به في فم السيارة لتلتهمه وتفرمه ..
رمى ذات مرّة حاوية معتقدا ً أنها للرمي أيضا ً فابتلعتها السيارة وفرمتها ، ولكن ولحسن الحظ لم ينتبه أحد إلى هذه الفعلة الشنعاء . ..
ولمّـا حاول مرّة أن يرمي دراجة عادية صاح صاحبها من الطابق الثالث : ” رجاء .. ليست للرمي .. إنها ليست للرمي ، اتركها .. شكرا ً ، قال له صاحبها .
عثر على ساعة جميلة بين تلك الأنقاض ، وستاليت ، ومدفأة أهداها لإمرأة عجوز كانت تبحث عن فوارغ قناني البيرة لتبيعها وتأكل بثمنها .
في الأسبوع الثالث عمل مع الأسطة ( فرانس) ذي الأربع والستين عام .. سيتحول فرانس إلى التقاعد مع بداية العام القادم ..
أربعون عاما ً من العمل المتواصل سأقعد بعدها في البيت ، ألتفت إلى نحلاتي وأرعاها طوال الصيف .. أما في الشتاء فأجالس زوجتي الهرمة .. سنتفرج على التلفزيون .. هكذا قال فرانس .
أما (فالتر) الزميل الثاني في السيارة فهو – صامت – طول الوقت ، يجب عليه أن ينتظر سنتين أيضا ً ليتقاعد ، يعمل بهدوء .
في كل توقف ، تحت أو عند شجرة جوز يفرمل فرانس سيارته ويترجل بسرعة ليلتقط حبات الجوز المبعثرة تحتها ، فيكسرها ويأكل اللب .. يحتفظ بقليل منها في جيبه ، كما أنه يركض نحو حاويات الورق في بوابات البنايات العالية ليبحث في أحشائها عن مجلات أو صور نساء عاريات ..
عاصم وفالتر يجترّا الحاويات من داخل النفق الغائر في البنايات العالية البنيان ، يركـّباها على الجهاز خلف السيارة .. يضغطا ساعد اليمين إلى أعلى فتتقئ الحاوية مابجعبتها داخل السيارة ، ثم يعيدانها فارغة ..
قبل أن يتوقف عاصم عن العمل في بلدية المدينة بثلاثة أيام كان متعربشا ً على السلم الخلفي للسيارة على اليمين ، حينها فرمل فرانس في منتصف الشارع ، تراجع ثم تحول بعكس السيارات ..
– ماالخطب ؟ عاصم سأل (فالتر) المتعلق مثله في مؤخرة السيارة .
– ضاعت أسنان فرانس الأمامية .
– كيف ذلك ؟!!
– أضاعها عندما أكل الجوزات التي لملمها من تحت آخر شجرة توقفنا عندها ، يجب العودة إلى آخر نفق نبحث له ‘ن أسنانه ، هكذا أجاب (فالتر) .
عادوا حوالي (2) كم ، ترجل ثلاثتهم توزعوا على حاويات القمامة ، بحثوا عن أسنانه ، حفي الممرات المؤديــة إلى الحاويات في الكاراج الأرضي التابع للمبنى ذاته ، وحتى في مجاري المياه .. لم يجدوا شيئا ً يدل عليها أبدا ً ..
في اليوم التالي أيضا ً ، تركهما فالتر ساعة استراحة الغذاء وذهب إلى مطعم مجاور ، بينما أخذ فرانس عاصما ً معه إلى نفس المكان ليبحثا عن أسنانه الضائعة ، لم يجدوها .
فرانس حظي بفردة حذاء مرمية في حاوية للورق ، ثم وجد زميلتها في حاوية أخرى ..
في نهاية الأسبوع ودعهما عاصم على أمل اللقاء .. لكنه توقف عن العمل لفترة طويلة بانتظار عمل جديد .

=========
* كاتب وناشط سياسي .