الرئيسية » مقالات » مسعود البارزاني اذ يضع اللبنة الأولى في صرح الدولة الكردية

مسعود البارزاني اذ يضع اللبنة الأولى في صرح الدولة الكردية

في رده المنشور في صحيفة “الحياة” في 23 / 3 / 2007 على لقاء الأستاذ غسان شربل رئيس تحرير”الحياة” مع السيد مسعود البارزاني رئيس إقليم كردستان ( “الحياة” 22 / 3 / 2007 ) يعترض السيد ماهر عثمان على وصف الرئيس البارزاني للحدود التي تقسم كردستان بالمصطنعة وهو يرى في ذلك استعدادا كرديا لخوض كفاح مسلح لتغيير تلك الحدود والكاتب يصدر كما هو واضح عن العقلية العروبية إياها التي تشتم ليل نهار الحدود الاستعمارية التي قسمت الوطن العربي إلى دول متفرقة لكن ما أن يتعلق الأمر بالأكراد وكردستان حتى تتحول هذه الحدود المنبوذة إلى مقدس لا يجوز المساس به والواقع أن هذه الحدود هي بالفعل وكما أشار الرئيس البارزاني حدود مصطنعة قسمت كردستان غبنا وعدوانا بين أربع دول ( تركيا وإيران والعراق وسورية ) وهذه حقيقة تاريخية وجغرافية لا غبار عليها فحق الشعب الكردي في تقرير مصيره وفي إقامة دولة كردية مستقلة تلم شمل الأكراد في أجزاء كردستان الأربعة هو حق ثابت ومشروع وسيتحقق إن عاجلا أم آجلا إذ لا يعقل أن تبقى أمة كبيرة وعريقة كالأمة الكردية التي يربو تعدادها على الأربعين مليون نسمة إلى ما لا نهاية ضحية سياسات القمع والتمييز والتشتيت والتقسيم والرئيس البارزاني إذ يشير إلى حقيقة كون هذه الحدود التي تفصل بين أجزاء كردستان حدود مصطنعة فليس في ذلك دعوة إلى الكفاح المسلح بالضرورة فالأكراد ليسوا هواة حرب وقتال كما تشيع الأوساط الشوفينية في الدول المقتسمة لبلادهم وهم لم يلجأوا إلى السلاح إلا دفاعا عن وجودهم وأرضهم وهويتهم القومية في وجه سياسات الإنكار والإبادة والأرض المحروقة التي انتهجتها مختلف الدول المقتسمة لكردستان بحقهم والأكراد إذ يؤمنون بالحوار ويدعون إلى حل قضيتهم بشكل سلمي وديموقراطي في إطار وحدة هذه الدول على أساس فيدرالي فذلك مرهون باعتمادها لمنهجيات ديموقراطية حداثية ومدنية إلا أن الأكراد لن يتوانوا عن الدفاع عن أنفسهم واعتماد الكفاح المسلح المشروع حفاظا على ذاتهم وذودا عن حقوقهم .
والحال أن السيد عثمان لازال ينظر إلى القضية الكردية وفق عقلية عروبية متحجرة تنتمي إلى منتصف القرن المنصرم متجاهلا حجم وعمق التطورات والتحولات الكبرى التي طرأت على العالم والإقليم وتحديدا على صعيد القضية الكردية التي غدت رقما صعبا وعاملا مركزيا في مجمل تفاعلات المنطقة وتطوراتها فهو لازال منتشيا ومتفاخرا باعتراف العراق البعثي بالحكم الذاتي للأكراد متناسيا أن الإقرار بالحكم الذاتي وفق بيان 11 آذار ( مارس ) 1970 لم يكن هبة أو مكرمة من النظام البعثي الحاكم آنذاك بل كان إقرارا ورضوخا للحقيقة الكردية ولا حاجة للتذكير بان نظام بغداد لم يوقع على ذلك البيان إلا كمناورة لامتصاص الضغط المتواصل من قبل الثورة التحررية الكردية في جبهات القتال وكسبا للوقت للمضي في محاولات الالتفاف على الثورة الكردية وتطويقها عبر مؤامرات واتفاقات إقليمية ودولية قذرة توجت في اتفاقية الجزائر المشؤومة بين شاه إيران وصدام حسين برعاية هواري بومدين في 6 آذار ( مارس ) 1975 والواقع أن التذكير بالحكم الذاتي الصوري للأكراد في العراق إبان العهد البعثي المندثر قد بات معزوفة مكرورة عفى عليها الزمن ويحضر كاتب هذه السطور هنا ما كان قد سطره قبل أعوام ردا على القيادي الفلسطيني بسام أبو شريف الذي كان يعزف على هذا الوتر نفسه : “أن على أكراد تركيا وكذلك أكراد إيران وأكراد سورية أن يحمدوا الله ألف مرة على أنهم لم يتمتعوا بحكم ذاتي وبحقوق كالتي تمتع بها أشقاؤهم أكراد العراق حيث مئات الآلاف من الضحايا والمفقودين وعشرات الآلاف من الجرحى والمشوهين والمعوقين فضلا عن الإبادة بالغازات السامة” – ( صحيفة “الشرق الأوسط” – 23 / 5/ 2003 ) وتجدر الإشارة إلى أن الفنان المبدع الأستاذ علي المندلاوي قد أرفق حينها رسما كاريكاتيريا معبرا مع مقالة كاتب هذه الكلمات يظهر مواطنا كرديا مكبلا ومقيدا بأغلال وسلاسل حديدية كتب على قفلها الضخم : الحكم الذاتي .
ويمضي الكاتب في أحكامه الخاطئة ومعلوماته المغلوطة التي لا تستند إلى معطيات ووثائق ملموسة فيشير إلى أن إيران قد رسخت سيطرتها على الأكراد في إيران بعد قيام الجمهورية الخمينية في 1979 في حين أن الحركة التحررية الكردية في إيران لم تتوانى يوما عن المضي في كفاحها وسعيها إلى إحقاق حقوق شعبها الكردي والذي يقارب تعداده العشرة ملايين نسمة وليس أربعة ملايين كما يدعي الكاتب رغم شراسة ووحشية نظام الملالي الكهنوتي في قمعه للحركة والشعب الكرديين ذلك الشعب الذي يعاني اضطهادا مزدوجا قوميا مرة كونه يمثل قومية متمايزة عن القومية الفارسية الحاكمة ومرة كونه سني المذهب في غالبيته في ظل النظام الطائفي المذهبي الشيعي الذي يهيمن على مقاليد الأمور في طهران وحسبنا الإشارة هنا إلى حملات التصفية الجسدية المسعورة لقادة الحركة التحررية الكردية في كردستان الشرقية ( كردستان إيران ) حيث قامت الاستخبارات الإيرانية باغتيال سكرتير الحزب الديموقراطي الكردستاني الدكتور عبدالرحمن قاسملو في 1989 واغتيال خلفه الدكتور صادق شرفكندي في 1993 في عملية إرهابية دنيئة كان لحزب الله بقيادة حسن نصرالله يد طولى في تنفيذها ورغم هذا السجل الدموي الأسود لطهران في تعاطيها مع القضية الكردية ورغم كل الممارسات والسياسات الإرهابية والإجرامية المتبعة تجاه الشعب الكردي في إيران إلا أن جذوة الحس القومي الديموقراطي الكردي لازالت متقدة في كردستان إيران التي تشهد حراكا شعبيا مدنيا متناميا يرفده تصاعد لافت للحراك السياسي والعسكري للحركة التحررية الكردية التي نجحت مؤخرا في تنفيذ سلسلة عمليات عسكرية نوعية ضد الجيش الإيراني ما ينقض ادعاء الكاتب بنجاح طهران في طمس القضية الكردية ودفن الحق الكردي.
وبنبرة لا تخلو من الإعجاب والتبرير للسياسات الكمالية الاسئصالية بحق الأكراد يشيد الكاتب بمحاربة تركيا للنزعة الانفصالية الكردية على أراضيها ولعل هذه النبرة الاستعدائية الاستعلائية والموغلة في ترذيل الشعب الكردي وأبلسته تدفعنا إلى التأكيد على بضعة حقائق بديهية ثابتة يقفز عليها الكاتب بكل خفة فالأكراد في تركيا وفي كل الدول المقتسمة لكردستان إذ يطالبون بحقوقهم بما فيها حق الاستقلال عن تلك الدول فإنهم لا يأتون فعلا انفصاليا فالأكراد لم ينضموا إلى هذه الدول بمحض إرادتهم بل جرى تقسيم بلادهم وتشتيتهم بين هذه الدول الأربعة بل أن حقهم في الاستقلال هو ممارسة مشروعة لحقهم في تقرير مصيرهم على أرضهم فهم لم يحتلوا أرض أحد ولم يستوطنوا فيها بل هم وبامتياز ضحية التقسيم والاحتلال والتهجير والاستيطان والصهر القومي تتريكا تارة في تركيا وتفريسا تارة أخرى في إيران وتعريبا تارة ثالثة في العراق وسورية ورغم أن الأكراد ولاعتبارات تتعلق بالواقع الجيوبولتيكي والظروف الدولية والإقليمية المعقدة والملتهبة وحرصا منهم على التعايش والتفاعل مع شعوب هذه الدول ما فتئوا يشددون على حل قضيتهم في إطارديموقراطي يكفل حقوقهم على قدم المساواة على أساس اتحادي مع القوميات الحاكمة في تركيا وإيران والعراق وسورية إلا أنهم رغم كل طروحاتهم السلمية الحضارية التي تؤكد على حقهم في الشراكة في هذه الأوطان إلا أنهم يتهمون دوما وأبدا بالانفصالية والتآمر فكأن مجرد وجود الأكراد كوجود فيزيائي وحتى دون تمتعهم بأي حقوق قومية يعتبر تهديدا وجوديا وتقويضا لوحدة هذه الدول التي لا تصان ولا تترسخ والحال هذه إلا على جماجم أبناء الشعب الكردي وأشلاءهم ولعل أكبر خطر على الوحدات الوطنية المزعومة لهذه الدول هو أنها مناقضة أساسا ومنافية لقيم التعددية والمشاركة والتعايش والتسامح والمساواة وعليه فحل القضية الكردية بما هي اختزال وتجسيد لكل هذه القيم الإنسانية التنويرية بطريقة سلمية ديموقراطية بما يلبي طموحات الشعب الكردي في تقرير مصيره واثبات وجوده كشريك فاعل وأساسي في هذه البلدان هو الشرط الشارط لصون وحداتها الهشة وتمتينها بما يضمن بقاءها وديمومتها كوحدات طوعية اختيارية راسخة تستمد رسوخها وشرعيتها من تفاعل عناصرها المؤسسة وتناغم مكوناتها وتكاملها يعيدا عن القسر والإكراه ونفي الآخر وجودا وحقوقا .
أن نظرة متمعنة إلى الجموع الكردية الغفيرة التي تخرج احتفالا بالعيد القومي الكردي ( النوروز ) في 21 آذار ( مارس ) من كل عام وبالملايين في كل أجزاء كردستان وفي المهاجر تلك الجموع التي تحتفل سلميا وحضاريا لتوصل رسالة عيد النوروز التي تأبى العقليات الشوفينية الهرمة قراءتها واستيعابها أن نظرة عقلانية متجردة من الحقد القومي المرضي على الشعب الكردي تكفي لفهم وتفهم رسالة النوروز والتي مفادها أن ثمة شعبا كرديا قائما بذاته يعتز بنفسه ويأبى مسخ شخصيته وطمس ملامحها المميزة مصرا على الذود عن كينونته وحقوقه القومية والوطنية المشروعة .
وإيغالا في مغالطاته يؤكد عثمان أن سورية لم تعتبر الأكراد في أي مرحلة من تاريخها مشكلة ولم يكن هناك أي تمييز بل لقد تولى السلطة في سورية أكراد مثل حسني الزعيم وتبوأ أكراد كثيرون مناصب قيادية بارزة في سورية كخالد بكداش وأحمد كفتارو . هكذا وبجرة قلم ينفي السيد عثمان وجود قضية كردية في سورية تمثلها حركة تحررية كردية يعود تاريخها إلى نصف قرن بالتمام والكمال وينفي كل الممارسات والمشاريع العنصرية التعريبية المطبقة بحق الأكراد في سورية كمشروع الحزام العربي الاستيطاني الذي أشبه ما يكون بالجدار العازل الإسرائيلي لكنه جدار بشري وليس كونكريتيا كنظيره الإسرائيلي والمثير للسخرية أن الكاتب يستشهد للتدليل على صحة استنتاجاته الخاطئة بشخوص مستعربة لا تمثل الأكراد لا من قريب ولا من بعيد بل أن هذه الشخوص معروفة برؤاها ومواقفها العدائية ضد الأكراد بشكل أشد عنصرية وتخلفا حتى من الرؤى والمواقف السلطوية العروبية البعثية وغير البعثية فحسني الزعيم وخالد بكداش وأحمد كفتارو ومحمد رمضان البوطي … هم ( وأغلبهم قد رحل عن دنيانا ) عبارة عن شخوص مستعربة لا تمثل سوى نفسها وهي لم تشغل مواقعها ومناصبها بالصفة التمثيلية الكردية لا بل إنها فخورة بتخلصها من “لوثة” الأصل الكردي وهذه الشخوص الممسوخة المعروفة بتبرؤها من انتماءها الكردي وسعيها الدؤوب لإثبات ولائها وحسن سلوكها العروبيين عبر المزايدة على عتاة الفاشية القومجية العروبية في أبلسة الشعب الكردي وتشويه صورته لا تثير في تملقها وتزلفها سوى الرأفة والشفقة .
أن إيراد الكاتب لهذه النماذج والعينات المشوهة يذكرنا بعشرات النماذج المماثلة من الفلسطينين والعرب في إسرائيل من المتأسرلين أو المتصهينين والذين لا حاجة لذكر أسمائهم التي لا شك أن الكاتب يعرفها جيدا فهل أن وجود هؤلاء في الوسط العربي في إسرائيل دليل على تمتع العرب في إسرائيل بكامل حقوقهم وعلى تحضر إسرائيل ورقيها وتعاملها الديموقراطي مع عرب 48 والفلسطينيين بصورة عامة .
أن القضية الكردية في سورية أكبر وأعمق من أن يتم تسطيحها وتجويفها بهذا الشكل السافر وهي قضية لها عنوانها وممثلوها من نخب سياسية وثقافية ترتكز إلى رأي عام فاعل ونشط مدنيا وديموقراطيا ويشير الكاتب إلى تحريض أكراد العراق وتشجيعهم لأكراد سورية على الانتفاضة الشعبية العارمة في 12آذار ( مارس ) 2004 تلك الانتفاضة التي يعرف القاصي والداني أنها كانت رد فعل عفوي على مؤامرة سلطوية مكشوفة لافتعال صراع عربي – كردي في سورية كي تجد السلطة المأزومة والمفلسة في دمشق مبررا جديدا تعتاش عليه وتقتات هي التي فقدت واستهلكت كل مبررات بقاءها ومسوغات مضيها في نهجها السلطوي التوتاليتاري فحتى قضية الصراع مع إسرائيل غدت معزوفة مملة منذ أمد بعيد ذلك أن الجبهة السورية – الإسرائيلية لم تشهد منذ 1974 إطلاق رصاصة بعثية واحدة ولو بالخطأ وذلك وعبر دس السلطة عناصرها المخابراتية بين حشود الجماهير في ملعب القامشلي وتحرشهم بالأكراد وإهانتهم وشتم زعماءهم ورموزهم القومية وصولا إلى الاعتداء عليهم بدعم وتحريض قوى الأمن والشرطة الأمر الذي أدى إلى انتفاض الشعب الكردي في طول كردستان الغربية ( كردستان سورية ) وعرضها ذودا عن كرامته وحريته وانتصارا لهويته وحقوقه المنتهكة والمغتصبة وبطبيعة الحال فقد عمت الأجزاء الثلاثة الأخرى من كردستان وفي مقدمها كردستان الجنوبية ( كردستان العراق ) موجة عارمة من الغضب والاستنكار والتضامن مع الشعب الكردي الأعزل في سورية الذي كان يتعرض لمجزرة مفتوحة على يد مليشيات السلطة وعصاباتها المأجورة فإذا كان الكاتب يعتبر تضامن أكراد العراق مع أشقائهم أكراد سورية إبان المذبحة البعثية بحقهم في ربيع 2004 إذا كان يعتبر ذلك خطيئة فان هذه ” الخطيئة” هي وسام على صدر كل كردي في العراق .
ويتهم الكاتب الأكراد بزعزعة استقرار الدول الغاصبة لكردستان وواقع الحال أن ما يزعزع استقرار هذه الدول والإقليم بصورة عامة هو عدم حل القضية الكردية واعتماد مقاربات عنصرية اقصائية وأمنية في التعاطي معها وليس سرا أن التخلي عن هذه المقاربات الفاشلة نحو تبني مقاربات ديموقراطية حضارية في التعاطي مع القضية الكردية ومجمل القضايا والمعضلات المعقدة في هذه الدول لجهة الدمقرطة والتحديث وبناء مجتمعات مدنية وعصرية تحتفي بتنوعها وتعددها وليس العكس هو السبيل الوحيد لاستقرار هذه البلدان وازدهارها وتطورها معرفيا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا كدول ديموقراطية تعددية اتحادية ولا شك أن الحل الديموقراطي العادل للقضية الكردية هو مفتاح ذلك أما المضي في عدم الاعتراف بهذه القضية فلن يقود هذه الدول إلا إلى المزيد من التأزم والتخبط والتخلف وصولا إلى تفجيرها بكل تناقضاتها واحتقاناتها الخطيرة فهذه الدول القاصرة غير مستقرة تعريفا اللهم إلا إذا اعتبرنا الاستقرار المفروض بقوة المخابرات وبطش الأجهزة الأمنية الأخطبوطية استقرارا مؤسسيا فهي دول قائمة أصلا على أسس ومقومات اعتباطية خاطئة ومشوهة قوامها الدمج والقسر وليس التراضي والتعاقد بين مختلف مكوناتها الاثنية والدينية والمذهبية .
والكاتب لا يأتي بجديد إذ يتهم الأكراد بزعزعة الاستقرار والتآمر فهذه لازمة مستهلكة في خطاب النظم المقتسمة لكردستان فهي تعتبر الوجود الكردي بحد ذاته وفق خطابها المحنط كارثة وخطرا داهما على استقرارها أي على مضيها في الاستحواذ على مقدرات البلاد والعباد والاستئثار بالسلطة والثروة بطريقة انقلابية لا شرعية ووفق آيديولوجيات قومية موغلة في العنصرية والفاشية .
ويرى الكاتب أن الحل يكمن في المواطنة أي تجريد القضية الكردية من مضامينها القومية وأبعادها الحقوقية الخاصة بها كقضية شعب مقسم الوطن يسعى إلى تقرير مصيره على قاعدة كونه شعبا يعيش على أرضه ويحمل الكاتب إسرائيل وزر عدم تطبيق وصفته السحرية هذه إذ أن إسرائيل هي التي ترفض حل المواطنة وهي التي تشجع الأقليات في دول الجوار على الانفصال والتمرد كما يرى السيد عثمان فيا لها من نزعة تبسيطية ساذجة تصور كل ما يدور في الكون وكأنه مؤامرة صهيونية أو ماسونية أو غربية إن شئت فالقضية الكردية قائمة قبل قيام إسرائيل والحركة الصهيونية برمتها وهي قضية وصفها صديق الشعب الكردي المفكر الكبير الأستاذ حازم صاغية ذات مرة بانها “قضية عادلة وعادلة جدا” لشعب مضطهد ما آنفك يذود عن وجوده وأرضه فهي ليست بأي حال من الأحوال اختراعا إسرائيليا كما يدعي الكاتب وإذا ما سلمنا جدلا بنظرية الكاتب حول كون القضية الكردية مؤامرة إسرائيلية لتقسيم المنطقة وزعزعتها فلا بد لنا من التسليم أيضا بالنظرية الصهيونية حول كون القضية الفلسطينية مجرد مؤامرة واختراع من دول الجوارالاسرائيلي اللاسامية للنيل من اليهود وتقسيم دولتهم الإسرائيلية مع تأكيدنا هنا على التضامن مع حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة جنيا إلى جنب دولة إسرائيل .
والطريف أن الكاتب يصور الدول المقتسمة لكردستان وكأنها دول – أمم راسخة قائمة على المواطنة والشراكة وإحقاق حقوق الإنسان والجماعات القومية والدينية المختلفة وإسرائيل هي الاستثناء الذي يخدش هذه القاعدة الوهمية ويعكر صفوها وواقع الأمر أن إسرائيل تمارس بالفعل سياسات عنصرية تمييزية ضد مواطنيها العرب فضلا عن سياساتها الاحتلالية الاستيطانية في أراضي 67 العربية إلا أنها في المحصلة دولة ديموقراطية بما لا يقاس بجوارها فعرب إسرائيل إذ يعانون من التمييز والتهميش كما أسلفنا إلا أنه تتوفر أمامهم في المقابل هوامش وآليات للتحرك المطلبي ولطرح قضيتهم ومعاناتهم ومظلوميتهم في إسرائيل فهل يتوفر ذلك للأكراد في سورية مثلا حيث لازال مئات الآلاف من الأكراد مجردين من الجنسية دون أن نغفل سياسات القمع والتعريب والتبعيث المبرمجة المتبعة بحقهم .
وبستغرب الكاتب عدم سماع الرئيس البارزاني بالتغلغل الإسرائيلي في كردستان رغم شيوع حقائق هذا التغلغل والحق أن ما يثير الاستغراب والاستهجان فعلا هو أسلوب الكاتب في تحويل قناعاته الذاتية ومواقفه المسبقة المتحاملة على الأكراد إلى حقائق ووقائع على الأرض لا يراها أحد غيره ودون أن يقدم دليلا ماديا واحدا على صحة مزاعمه المتهافتة وواقع الحال أن الموقف الكردي واضح كل الوضوح في هذا الصدد ورغم أن الرئيس البارزاني أشار إلى أن هذه الإشاعة حول التغلغل الإسرائيلي في كردستان قد غدت مبتذلة إلا أنه أكد في حديثه إلى “الحياة” أنه متى ما افتتحت سفارة إسرائيلية في بغداد فستفتتح قنصلية إسرائيلية في أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق أي أن ليس ثمة من حيث المبدأ رفض كردي مطلق للعلاقة مع إسرائيل التي يؤكد الرئيس البارزاني على أن العلاقة معها ليست جريمة إذ ليس معقولا أن يكون الأكراد عربا أكثر من العرب الذين يقيمون العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل ويتبادلون مكاتب التمثيل التجاري معها هذا كي لا نشير إلى العلاقات والارتباطات السرية معها .
وختاما يدعو الكاتب الأكراد إلى التخلي عن حقهم في تقرير مصيرهم على أرض وطنهم كردستان وأن يكون سقف حقوقهم وطموحاتهم هو المواطنة في الدول المقتسمة لبلادهم أي كمواطنين من أصل كردي غابر والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل يقبل الكاتب الفلسطيني ماهر عثمان أن تنسحب هذه الوصفة المواطنية على فلسطين بحيث يتخلى الفلسطينيون عن حقهم المشروع في تقرير مصيرهم وفي إقامة دولتهم المستقلة التي لطالما حلموا بها .
قصارى القول أن الرئيس مسعود البارزاني بشخصيته القيادية الفذة والحكيمة وبمواقفه المبدئية الصادقة والصريحة التي لا تخشى في الحق الكردي لومة لائم لاسيما في تشديده على حق الأمة الكردية في الاستقلال الوطني إنما يضع اللبنة الأولى في صرح الدولة الكردية القادمة لا محالة وبعبارة أخرى فمسعود البارزاني هو رجل الدولة الكردية الأول حتى قبل قيامها .