الرئيسية » مقالات » الأمة تُجَسِدُ فكرة الدولة للحفاظ على المرجعية التراثية

الأمة تُجَسِدُ فكرة الدولة للحفاظ على المرجعية التراثية

الأمة تجسد فكرة الدولة للحفاظ على المرجعية التراثية
قال الزعيم اللبناني الراحل كمال جنبلاط “تجسيد الفكرة والقومية هي مثالات تدخل في صلب تكوين الأمة البيولوجي النفسي. هذه المثالات الاجتماعية الخلقية تتكون من جراء العيش المشترك في إطار وحدة الزمان والمكان والثقافة والمصلحة … القومية في فهم جنبلاط إذن هي ديمومة زمنية تاريخية متواصلة في الجماعة الحية. هي تراث وثقافة ماضية تؤثر وتفعل في الحاضر والمستقبل”. (عفيف فراج: جنبلاط جدلية المثالي والواقعي، ص99).
لا يخفى أن جنبلاط يفهم القومية بالمفهوم العقلي باعتبار أن القومية من وجهة نظره جوهر عقلي. فـ “الأمة إذن تحقق ذاتها في الوحدة القومية، إنما تؤكد بالنسبة إليه، مبدأ الوحدة الإنسانية في التنوع على صعيد عالمي تتنوع فيه الثقافات والحضارات المتميزة في إطار وحدة الجنس البشري الواحد في النهاية. فالدعوات القومية هي دعوات تندرج في طلب الوحدة الانسانية”. (المصدر نفسه، ص105).

قال الفيلسوف الألماني هيغل: “فالدولة والفكرة القومية يشخصها زعيم هو العقل مشخصا واعيا مستبطنا للإرادة الكلية التي تصبح فيه إرادة شخصية”.

وقال لينين بصدد قرارٍ عن مسألة القوميات: “ولا تمكن إزالة الظلم القومي، بقدر ما تكون قابلة للتحقيق في المجتمع الرأسمالي، إلاّ في ظل نظام للدولة وإدارة للدولة يكونان جمهوريين ديمقراطيين منسجمين حتى النهاية ويضمنان المساواة التامة في الحقوق بين جميع الأمم واللغات. وينبغي الاعتراف لجميع القوميات الداخلة في قوام روسيا بحق الانفصال الحر وتأليف دولة مستقلة. إن إنكار مثل هذا الحق وعدم إتخاذ التدابير التي تضمن امكانية تحقيقه عمليا، إنما يعني دعم سياسة الفتوحات أو الإلحاقات. وإن اعتراف البروليتاريا بحق الأمم في الاتفصال هو وحده الذي يضمن التضامن التام بين عمال مختلف الأمم ويهيء للتقارب الديمقراطي حقا بين الأمم.” (لينين: المختارات، المجلد 2، ج1، دار التقدم، موسكو، 1971، ص 174-75).

يتساءل المرء أين موقع الكورد وهم مشردون مشتتون بين أربع دول تحكمهم العلاقات الاستعمارية
منذ أن تأسست الدول القومية التي تحكم كوردستان المقسمة بينها؟ لقد حان الوقت أن يفكر الكوردي بالجغرافيا. فالجغرافيا هي العامل الحاسم والثابت في صنع التاريخ كما قال الجنرال ديغول سنين قيادته للنضال التحرري الفرنسي من النازية إبان الحرب العالمية الثانية. لقد آن الأوان في عالمنا المعاصر أن يناضل كل شعب من أجل وطنه. ويبدو أن الشعب الكوردي آخر هذه الشعوب، وهو لا يزال يتردد بين الضياع والوجود، ولا يزال يحتفل بالآيديولوجيات اليمينية واليسارية بعيدا عن الوطن.

تضامن الأنظمة التي تتحكم بكوردستان في إضعاف المرجعية التراثية الكوردية
هل يفكر الكوردي بديالكتيكية التاريخ حين قال جورج هيغل 1770-1838″ القانون الحقيقي للمجتمع هو الواقع الديالكتيكي وهو الواقع الذي يقتضي تجسيده حمل الواقع الظرفي كي يتمشى مع ديالكتيكية التاريخ التي هي الوعي بالحرية”؟ (بعد الامير ص 279).
وأكد لينين الذي كان واقعيا في الدفاتر الفلسفية “إنه من المستحيل فهم رأس المال، وخاصة في فصله الأول دون دراسة مستفيضة لمنطق هيغل كله”.
أما المادية الديالكتيكية التي أبدعها ماركس فتقول: “إن أي حادث من حوادث الطبيعة، لايمكن فهمه إذا نظر إليه منفردا، بمعزل عن الحوادث المحيطة به، إذ أن أي حادث في أي ميدان من ميادين الطبيعة، يمكن أن ينقلب إلى عبث فارغ لامعنى له، إذا نظر إليه بمعزل عن الشروط التي تكتنفه. وإذا عزل من هذه الشروط التي تكتنفه” (ستالين: المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية، دار دمشق، ص16).
وقال كارل ماركس: “ليست حركة الفكر سوى انعكاس الحركة الواقعية، منقولة إلى دماغ الإنسان ومستقرة فيه” (ماركس، رأس المال، المجلد الأول، الطبعة الفرنسية، ص29),

قد يشعر المرء أن الاقتباسات أعلاه من هيغل وماركس متعارضة بحكم عدم التوافق الفكري بين المثالية الهيغلية، وإن كانت مثالية موضوعية مختلفة عن المثالية الذاتية، بالمقارنة مع مادية فويرباخ التي مزجها مارس بديالكتيك هيغل. لكن الحقيقة في هذا الصدد هي كما قال لينين في كتابه “الدفاتر الفلسفية”: “إنه من المستحيل فهم رأس المال، وخاصة في فصله الأول دون دراسة مستفيضة لمنطق هيغل كله”. هذا رغم مقولة ماركس: “إن طريقتي الديالكتيكية لاتختلف عن الطريقة الهيغلية من حيث الأساس فحسب، بل هي ضدها تماما” (ماركس، رأس المال، ج1).

إذن طِبقا لما تقدم لايمكننا فهم الوقائع بمعزل عن الحوادث المحيطة به. العرب والفرس والترك جعلوا كل الأقوام الأخرى في خدمة الإسلام، وجعلوا الإسلام في خدمة العروبة التي يتصورونها هي الإسلام في جوهره. وجعلوا الإسلام في خدمة التفريس باعتبار أن القومية الفارسية تمثل آل البيت والشيعة الذين يشيعون الإمام علي عليه الإسلام. وجعلوا الإسلام في خدمة التتريك باعتبار أنهم يمثلون التراث الإسلامي العثماني، وكانت الأمبرواطورية العثمانية نموذج وحدة الإسلام. ولكن لماذا جعلت القوميات العربية والفارسية والتركية من الإسلام مطية لاستغلال القوميات والشعوب الأخرى في جوارهم؟
الجواب بسيط وهو أنه عندما انفصلت العروبة عن الإسلام بأسم القومية فُقِدت عناصر بقائها وعوامل قوتها فرجعت إلى الإسلام لتحمي نفسها، وجعلت الأقوام الأخرى في خدمتها. وهكذا بالنسبة للفرس والترك.

ماذا عن الكورد في علم الأنثروبولوجيا؟
ليفكر كل كوردي بضرورة إيجاد دولة كوردستانية لإثبات هويته القومية وكرامته الوطنية. فالنقطة الجوهرية في علم الأنثروبولوجيا هي أن الجماعات الأثنية المتخلفة التي تفتقد لكيان سياسي لا تمثل مجتمعا مدنيا، لأنه لا يوجد مجتمع معاصر في النظام العالمي اليوم بدون دولة، وهذا يعني أن الكوردي يفتقد إلى مثل هذا المجتمع بالمفهوم المعاصر. وكأنه كأولئك الذين يعيشون في أدغال أستراليا وغابات الأمزون. فأين أنت أيها الكوردي في الكوكب الأرضي السيّار؟ أين تجد نفسك في ذاتك وأنت في الغربة أو في الضياع بين الهوية المفقودة والوطن المحتل؟
أما آن الأوان أن تنهض؟

إذا حللنا الواقع الكوردستاني من منطلق مساهمة الأنظمة العربية والتركية والفارسية في إضعاف المرجعية التراثية الكوردية والقضاء عليها، نجد أن الكوردي يفتقد للهوية الكوردستانية، لأنه ينتمي للعراق أو تركيا أو إيران أو سوريا، حيث استخدمت هذه الدول الدين أو الإيديولوجية اليسارية أو اليمينية مطية لاستعباد الكورد. فالكوردي اليوم ينتمي للتراث العربي أو التراث التركي أو التراث الفارسي أكثر من انتمائه للتراث الكوردي. وأن أكثر من نصف أبناء الكورد لايجيدون القراءة والكتابة الكوردية في كوردستان، إنما يجيدون لغات الدول التي تتحكم بكوردستان، مستثنيا كوردستان الجنوبية. وطبيعي إن مَن لايجيد لغته فهو كّمّن يمشي على رجل واحدة. فالكوردي اليوم ينتمي للاسلام أو الشيوعية بشكل مجرد عن الاعتزاز الوطني. وبدأ الكوردي في بعض أجزاء كوردستان يشعر أنه يتقبل التراث العراقي أو التركي أو الفارسي أو السوري مثلا بسهولة أكثر باعتباره قد تأقلم نسبيا مع تلك الثقافة من تقبله للتراث الكوردي.

كيف تكون الاشكالية بالنسبة للكوردي، ولاسيما الكوردي الأممي الذي يبحث عن هويته الوطنية بين العلاقات الاستعمارية التي تحكمه في تركيا وإيران والعراق وسوريا، وبين الهويات والثقافات التركية والفارسية والعربية الرسمية التي تحكم هذه الدول؟ وهذه الدول تحَرم الكوردي من أن يتثقف بثقافته وبلغته ليكتب تراثه كما هو بدون تحريف وتشويه وإنكار؟؟
السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو: أين موقع الكورد من هذا التراث أو ذاك؟ أين موقع الكورد في التراث الاسلامي، ليس من زاوية اخلاص الكورد للاسلام وخدماتهم الجليلة لهذا الدين الحنيف بالأنتماء إليه، إنما من زاوية نظرة القومجيين الاسلامويين الذين يجعلون الأسلام واجهة للقومية المتطرفة؟ ومن جهة أخرى أولئك الذين يجعلون الأممية واجهة أخرى للقومية المتعنتة. وفي كلتا الحالين فإن الضحية هي الكورد.

أما تشعر أن الوقت مناسب لتحقق استقلالك أيها الكوردي قبل أن يكون الوقت متأخرا، فتموت دون أن تجد قطعة أرض كوردستانية تُقبَر فيها؟ انهض فشخيرك يؤلم أرواح شهداء كوردستان!
ماذا يفعل الكورد بدجل اليسار واليمين والديني واللاديني إذا يُستّعبد بقيود الذل والعبودية في ظل العلاقات الإستعمارية التي تحكمه؟
أنهض قبل أن تلعنك السماء، وتلعنك الأجيال القادمة من الكورد!!
أجاد المفكر العربي علي حرب في كتابه “نقد الحقيقة” حين بحث فكرة (الوجود والحقيقة والذات)، فقال: “طبعا لا حاجة إلى القول بأن “الوجود” و “الحقيقة” هما مقولتان قديمتان قِدَم الفلسفة نفسها، إذ التفلسف كان، منذ البداية الأغريقية، عبارة عن بحث في حقيقة الكائن عينه أو في كينونة الحق ذاتها. بل إن /هيدغر/ ذهب إلى أن الوجود هو مسألة قد تم تناسيها في الفكر الحديث. أما مقولة الذات، فلا مراء بأنها مقولة حديثة، مع أن ملفوظة الذات قد جرى فعلا تداولها فلسفيا قبل ديكارت، وبالتحديد عند ابن سينا الذي بيّن في برهان الرجل الطائر أن تَحقُق الإنسان من وجوده يتم بتمثله ذاته بذاته بلا توسط، أي هو عبارة عن علاقة مباشرة للذات المدركة بذاتها هي مصدر تيقّننا من حقيقتنا الذاتية”.

هذه هي الإشكالية حين يقول التيار البعثي العراقي أن الأكراد أصلهم عرب. ويقول التيار البعثي
السوري أن الكورد مهاجرون على “الأرض العربية”. ويقول الترك عن الكورد أنهم أتراك الجبال. ويقول الفرس أنهم بدو الفرس.

تعالوا أيها الكورد واثبتوا ذاتكم لأن “تَحقُق الإنسان من وجوده يتم بتمثله ذاته بذاته بلا توسط، أي هو عبارة عن علاقة مباشرة للذات المدركة بذاتها هي مصدر تيقّننا من حقيقتنا الذاتية” كما قال الفيلسوف أبن سينا.
تثقفوا أيها الكورد بثقافتكم الكوردية، ثم تثقفوا بالثقافات الأخرى لتعرفوا كيف تتعاملون مع الأصدقاء والأعداء. لافائدة من تعاملكم مع الآخرين من نقطة الضعف، لأنكم إذا كنتّم أقوياء سيتقدم الآخر نحوكم كما تتقدمون نحوهم، عندما تكونون كردا كرماء أعزاء، مثلما هم في اعتزازهم الوطني.

وأختتم هذه المقالة بجواب الأستاد الدكتور كمال مظهر أحد أبرز المؤرخين الكورد في العصر الحديث، على السؤال الذي طرحته عليه الإعلامية الكوردية الفيلية المبدعة الدكتورة منيرة أميد:
س: كيف تُقَوم في الظرف الراهن التوجهات الانفصالية بدوافع قومية للشبيبة الكردية؟

ج: أعتقد لا يوجد شخص ديمقراطي حقيقي واحد على وجه البسيطة لا يُقِرْ حق تقرير المصير للشعب الكردي حاله في ذلك حال بقية شعوب الدنيا، كما لا أشك في أن كل كردي أصيل يحلم بأن تكون له دولته، مما يُعّدُ حقاً مشروعاُ لا يدخل ضمن ما يُعرف بالتوجه الانفصالي الذي طالما يُوصٍمْ المتعصبون الشوفينيون الكُرد به دون وجهِ حقْ، كونهم ينظرون اليهم ، والى حقوقهم من علٍ وكأنهم مواطنون من الدرجة العاشرة. لا يخامرني الشك بأن الكرد عموماً يتصرفون بأسلوبٍ عقلاني مع هذا الموضوع الحساس وإفرازاته، الأمر الذي يحس به المتتبع بوضوح في تصريحات المسؤولين الكرد ومواقفهم، كما في استقبال كردستان الحافل لآلافٍ مؤلفة من الأخوة العرب الذين وجدوا في المنطقة أفضل وأقرب ملاذٍ آمنٍ لهم، ولأُسرهم.
20-4-2007
السويد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *